اليوم: الثلاثاء6 محرم 1439هـ الموافق: 26 سبتمبر 2017
Languages عربي
مستوطنون يواصلون تجريف أراضٍ فلسطينية شرق نابلس الاحتلال يتسبب بعجز قيمته 3.5 مليار دولار في الاقتصاد الفلسطيني سنوياً الاحتلال يصدر أوامر اعتقال إداري بحق 50 أسيراً فلسطينياً هآرتس: 2000 وحدة استيطانية جديدة في الضفة المحتلة 53 مسجداً وكنيسة حرقها الكيان الصهيوني وخربها منذ 2009 124 يوماً من الإقامة الجبرية على آية الله عيسى قاسم التايمز: العثور على مدينة الإسكندر الأكبر المفقودة شمالي العراق المالكي: استفتاء كردستان هو إعلان حرب على وحدة الشعب العراقي سلطات إيران أغلقت حدودها البرية مع إقليم كردستان العراق ترحيل أكثر من 64 ألف باكستاني خلال العام 2017 من السعودية الصحة العالمية تعلن ارتفاع عدد وفيات الكوليرا في اليمن إلى 2110 صحيفة: الدوحة تضغط على حماس لموقف من الرياض بنغلادش تحظر بيع شرائح الهواتف المحمولة للروهينغا منظمة الصحة العالمية تحذر من انتشار الكوليرا في مخيمات الروهينغا عمدة لندن يطالب برفض استقبال ترامب وإلغاء زيارته الغارديان: استطلاع يكشف درجة عالية من عدائية البريطانيين إزاء العرب تعرض مسجد في بريمن الألمانية لاعتداء أستراليا تعتزم إنشاء وكالة فضاء خاصة بها ارتفاع أعداد النازحين تحسباً لثوران بركان بالي في إندونيسيا إلى 50 ألف شخص علماء يتلاعبون بطبيعة النباتات ويصنعون قُطناً يضيء في الظلام الألزهايمر ثاني أكثر الأمراض إثارة للرعب بين الفرنسيين دراسة حديثة: قلة نوم الإنسان تعرضه للإصابة بأمراض قاتلة إحياء اللّيلتين الثّالثة والرّابعة في الحسنين(ع) المندائيّون يقيمون موكباً حسينيّاً وسط البصرة المبرّات تطلق دورة المربّي خضر دبّوس للرّعاية الفضلى الحسين(ع) ثار من أجل تطبيق الإسلام منبر الجمعة: 2 محرّم 1439هـ/ الموافق: 22 أيلول 2017م نريد عاشوراء فرصةً للوحدة بين المسلمين الهجرة النَّبويَّة في معانيها ودلالاتها البرلمان الهولّندي يفتتح جلساته بتلاوة آيات من القرآن الكريم عداء متصاعد ضدّ مسلمي سويسرا هل كربلاء أفضل من الكعبة المشرَّفة؟! قناة الإيمان الفضائيَّة تفوز في مهرجان الغدير الدَّوليّ
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
المقاومة الإسلاميَّة في خطّ المقاومة الفكريّة
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
١٩/١/١٩٨٧

المقاومة عنصر فعلٍ

المقاومة الإسلاميَّة في حركة الدَّعوة
طرح "الإسلام أوّلاً" الاستعمار والإسلام السّياسيّ!

ليس في الحياة أسلوب اللاعنف

لسنا إرهابيّين

بين العنف والرّفق

حساب الحرب والسِّلم

عندما نريد أن نتحدَّث عن المقاومة الإسلاميَّة في خطِّ الشّمول، لنجعلها حركةً تتَّسع لتشمل الواقع كلَّه، وتتعمَّق لتنفذ إلى الجذور كلِّها، لتكون المقاومة الإسلاميَّة كلَّ الساحة، ولا تكون في زاويةٍ من زواياها، تماماً كما كان الأمر في عصر الدَّعوة الإسلاميَّة، عندما انطلق الإسلام كدعوةٍ ليقاوم في خطِّ الفكر، فاستوعب الأفكار المطروحة في ذلك العصر، سواء من الأفكار الّتي اختزنها عصره من خلال فكرٍ تاريخيّ، أو من الأفكار الّتي استحدثها عصره. ثمّ استوعب كلَّ التّحدّيات الّتي كانت تتحرّك في ذلك العصر على مستوى الواقع، وبدأ يخطِّط للمستقبل من خلال ذلك، من خلال أن يكون فكره هو الفكر، ومن خلال أن تكون حركته هي الحركة، ومن خلال أن تتمازج الحركة مع الفكر، حتى تعطي الحركة للفكر بعض التّجارب الّتي نغتني بها، وحتى يعطي الفكر للحركة بعض الخطوط الّتي تستقيم من خلالها.

عندما نريد أن نتحدَّث عن المقاومة الإسلاميَّة في مرحلتنا هذه، فلا بدَّ لنا من أن نبتعد عن التصوّر الّذي يحاول أن يستهلك عنوانها، لتكون مجرَّد ردٍّ للتّحدّيات التي تفرض نفسها على السَّاحة، لتكون ردّ فعل لواقعٍ يفرض نفسه ليستعبد السَّاحة الإسلاميّة أو ساحة المستضعفين، أو ليستذلّها، أو ليربك كلَّ خطواتها. وعندما ينتهي التّعقيد أمام بعض الحلول، فإنَّ السؤال الّذي يرتسم لدى هؤلاء، هو: ما هو دور المقاومة الإسلاميّة بعد ذلك؟!

- المقاومة عنصر فعلٍ

إنّنا نريد أن ننطلق إلى عمق حركة هذه المقاومة، عندما بدأت تتحرّك من أجل أن يكون الإسلام هو الفكر الّذي يحكم السّاحة، وهو الشّريعة التي تنظّم السّاحة، وهو المنهج الذي يريد للسّاحة أن تنتهجه في تصوّرها لكلّ شيءٍ في داخلها أو في خارجها.

ولذلك، فإنَّ المقاومة عند ذلك، تكون عنصر فعل، لا عنصر انفعال، بحيث تخطِّط وتواجه ردَّ الفعل من خلال تخطيطها، لا من خلال الانفعال بتخطيط الآخرين، ولهذا، فهي أمام أفعال الآخرين، تنظر إلى خطِّها في حركة السّاحة، لتدرس كيف يسمح لها أن تردّ وكيف يسمح لها أن لا تردّ، لأنَّ المسألة ليست مسألة ردّ فعل، ولكنّها مسألة فعل يختزن في داخله حالة الانفعال بالتحدّيات التي يطلقها الآخرون.

وعندما نفكِّر بهذه الطَّريقة، فقد نحتاج في هذه الدَّائرة إلى أن نوضح، ولو على الهامش، ما أثير من جدل، ولا يزال يُثار، ولو بشكلٍ جزئيّ، عن سبب تسميتها بالمقاومة الإسلاميَّة؟

فقد أوضحنا أكثر من مرَّة، أنَّ هذه الصِّفة تدخل في عمق الرّوح الّتي ينطلق من خلالها المقاومون، وفي امتداد الخطِّ الّذي تتحرّك فيه المقاومة، وفي طبيعة الهدف الّذي تنطلق من أجله.. نحن مقاومة إسلاميَّة، لأنَّ الإسلام الفكر، والإسلام الشَّريعة، والإسلام الّذي يمثِّل حركة الحياة كلِّها، هو الَّذي جعلنا نقاوم، وهو الّذي يحكم مفردات المقاومة، وهو الّذي يعبّئ روح المقاومين، وهو الّذي يحدِّد لهم الطّريق كما يحدد لهم الهدّف.

أن يظلَّ المقاوم مشدوداً إلى عمق فكره، تماماً كما يكون مشدوداً إلى ساحة المعركة، ولهذا فإنَّه يراقب نفسه في ساحة المعركة، ويراقب خطَّه في ساحة المعركة، تماماً كما يراقب طبيعة القضايا الّتي تفرضها المعركة، حتى يظلَّ المقاوم مشدوداً إلى الروح ومشدوداً إلى الهدف.

وهكذا، نجد أنّنا في خطّ المقاومة الإسلاميّة، لا بدَّ لنا من أن نؤكّد هذه الكلمة، لنفهم من خلالها طبيعة العنف الّذي تختزنه المقاومة، لنفهم أنّه ليس العنف الّذي يريد أن يدمّر الإنسان ويدمّر الحياة، ولكنه العنف الّذي يقاوم عنفاً يريد أن يصادر حرية الإنسان ويصادر استقامة الحياة، لئلا يبتعد الإنسان المقاوم أمام دورة العنف الّتي تفرضها حركة المقاومة، والّتي تعبّئ روحه بالعنف في كثيرٍ من الحالات، بالمستوى الّذي قد يبتعد به عن هدفه.

لهذا، تأتي كلمة الإسلام لتقول له إنَّك المقاوم المسلم الّذي يأخذ من العنف ما يستطيع أن يحفظ به توازن الحياة، وما يستطيع أن يحفظ به كرامة الإنسان في الحياة ضدّ الّذين يُفقدون الحياة توازنها، وضدّ الّذين يُفقدون الإنسان كرامته، وبذلك، فلن يتحوّل العنف في شخصيّته إلى عقدة تأكل شخصيّته، ولكنّه يتحوّل إلى حالة تتحرَّك في داخله بشكل متوازن ومدروس، يرتبط بالله سبحانه وتعالى، ليرتبط بالحياة من خلال الله.

هذه أفكار حول العنوان، وعندما نريد أن نقترب من الفكرة أكثر لنقف أمام العنوان، "المقاومة الإسلاميَّة في خطِّ المقاومة الفكريَّة"، فماذا نجد هناك؟

- المقاومة الإسلاميَّة في حركة الدَّعوة

إنَّنا عندما نطرح كلمة المقاومة الفكريّة، فإنَّنا نستحضر معركة الدَّعوة، تماماً كما نستحضر معركة التحدّيات، لأنَّ المقاومة الإسلاميَّة عندما تنطلق من موقع أن يكون الإسلام كلّ الحياة، وأن يكون فكر الإنسان، وأن يكون شعوره، وأن يكون شريعة الإنسان، وأن يكون منهجه، فلا بدَّ للإسلام من أن يتحرَّك ليجعل المقاومة الإسلاميَّة الجهاديَّة حركةً تنطلق في خطّين:

ـ الخطّ الأوَّل، هو مواجهة الّذين يمنعون الدّعوة من أن تأخذ حريتها في الوصول إلى كلّ مكان في العالم، لتقاوم كلّ الّذين يضطهدون حرية الإسلام في أن يصل إلى أيّ مكان في العالم، فليس لأحد الحقّ، تحت تأثير الأنظمة الداخليّة والخارجيّة، والقضايا الداخليّة والخارجيّة، ليس لأحدٍ الحقّ في أن يمنع داعيةً للإسلام من أن يدعو للإسلام، وتلك كانت قصَّة الجهاد التي بدأها الإسلام، فقد قال بعض النّاس إنَّ الإسلام انطلق من أجل أن يفتح الحياة للدّين على أساس السيف، ليُقهِر الناس على أن يسلموا!! ولكنّ المسألة كانت أنّ الإسلام كان يدافع عن حريّته التي يريد من خلالها أن يصل إلى أيّ مكانٍ في العالم، بعيداً عن أيّ ضغطٍ يمثّل حاجزاً بين الإنسان والنّاس.

لا بدَّ من أن تكون لدينا المقاومة الفكريّة والمقاومون المفكّرون

الخطّ الثّاني من حركة المقاومة الإسلاميّة في خطّ الجهاد، هو مواجهة التحدّيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تحاول أن تضغط على حياة المسلمين أوّلاً، وعلى حريّة المستضعفين ثانياً، باعتبار أنَّ الإسلام يرى أنَّ الحريّة لا تتجزّأ في موقف المستضعفين أمام المستكبرين، فلا يفرّق بين حرية مسلم وحرية مستضعف، فالإسلام يجاهد في هذا المجال من أجل أن يقف ضدّ الّذين يفرضون على السَّاحة طغيانهم وجبروتهم وقوَّتهم، ليصادروا للسَّاحة حرّيتها في كلِّ هذه المجالات، وبهذا تكون المقاومة الإسلاميَّة مقاومةً تتحرَّك لتواجه هذه التحدّيات على كِلا المستويين، وتعمل على أن تحرّك العنف حيث يكون العنف هو حاجة السَّاحة، وتحرّك الرّفق حيث يكون الرّفق هو حاجة السَّاحة.. أن نتحرَّك بالأساليب الأمنيَّة، ونتحرَّك بالأساليب العسكريّة، ونتحرّك بالأساليب السياسيّة السلميّة في ساحة الصّراع.. السّاحة في ارتباطها بالهدف هي الّتي تحدِّد لنا أسلوبنا في الواقع، هذا الأسلوب الّذي نأخذه من خلال طبيعة الشّريعة فيما تشرّعه لنا من أساليب.

ولكنّ هناك جانباً آخر لا بدَّ من أن نحركه في حياتنا، وهو جانب المقاومة الفكريّة، عندما تكون للسَّاحة حريّتها في أن تتحرَّك في عدَّة أفكار وفي عدَّة تيّارات، وعندما يدور الصّراع في هذا المجال بين مختلف التيّارات.

في هذا المجال، لا بدَّ من أن تكون لدينا المقاومة الفكريّة، ولا بدّ من أن يكون لدينا المقاومون المفكّرون، لأنَّ هذه الساحة هي ساحة الدّعوة، وساحة الدّعوة ليست فقط في أن تثير الفكرة مع النّاس وفي أذهان النّاس، ولكن أن تواجه كلّ علامات الاستفهام التي يرسمها الناس أمام دعوتك، وكلّ مواقف التحدّيات الفكرية التي يثيرها الآخرون أمام فكرتك وحركتك أيضاً، التي تتحدَّى الفكر الآخر وتثير علامة الاستفهام أمام الفكر الآخر، ولهذا، فإنَّ ساحة الدّعوة تتحرك في خطين؛ خطّ يتحدّى الفكر الآخر، وخطّ يواجه تحدّيات الفكر الآخر.

- طرح "الإسلام أوّلاً"

ومن هنا، فقد نحتاج في المقاومة الفكريّة أوّلاً، إلى أن نجعل الإسلام فكراً يطرح نفسه في السَّاحة كأحد أفكار الصِّراع، لأنَّ الآخرين بفعل النظرة الغربيّة الّتي استحدثت عن الدّين، يرون الدّين حالة غيبيّة وحالة شخصيّة، لا حالة فكريّة بكلّ ما للفكر من حركة في الواقع، ولهذا، فليس للإسلام عندهم أيّ مضمونٍ سياسيّ، وليس له أيّ مضمونٍ اقتصاديّ أو اجتماعيّ، أو ما إلى ذلك من العناوين التي يطرحها الفكر في ساحة الصّراع في الحياة!

لهذا، فإنَّ المسألة الأولى الَّتي تنتظر المقاومة الفكريَّة، هي أن يطرح الإسلام في السَّاحة كبنيانٍ فكريٍّ متكاملٍ يملأ السَّاحة، ويواجه كلَّ الأفكار الّتي تريد أن تملأها، بصفته الشّاملة، لا الإسلام الّذي يمثّل زاويةً من زوايا السّاحة، يفسح لها الآخرون المجال عندما يريدونها أن تكون هامشاً من هوامش واقعهم، أو أن تكون ضحيّة من ضحايا واقعهم، ثم يعيدونها إلى المخزن أو يعيدونها إلى الزّاوية.

وفي هذا الجوّ، كنا نطرح ونحن في ساحة المقاومة الفكريّة، وبطريقة الصّدمة للواقع، في بلدٍ يبادر المسلمون قبل غيرهم إلى أن يُبعدوا أيّ شيءٍ إسلاميّ عن حركة الحكم وعن حركة السّياسة، لهذا نحن عندما طرحنا ولا نزال نطرح الإسلام كمشروعٍ فكريّ يختزن في داخله قضايا الفكر الفلسفيّة، ليناقش الآخرين فيما هي الفلسفة الماديّة والفلسفة الروحيّة، وفيما هي كلّ قضايا اللاهوت التي يختلف فيها النّاس، وفلسفة الكون، ومعنى الكون، وما إلى ذلك، ويختزن في داخله أيضاً القضايا الاجتماعيّة فيما يتحرَّك فيه النَّاس في طبيعة علاقاتهم، ويختزن في داخله القضايا الاقتصادية والقضايا السياسية، ويطرح نفسه ليحكم الساحة كلّها، ليحكم المسلمين وغير المسلمين.. قلناها بطريقة الصّدمة الفكريّة، ونحن نعرف طبيعة لبنان، ونعرف طبيعة المشاكل الّتي تقف ضدَّ أن يكون الإسلام دولةً في لبنان، ونحن نعرف طبيعة المنطقة وطبيعة التحدّيات والخطوط الحمر المرسومة في السَّاحة، ولكنّنا أردنا أن نرجع الإسلام إلى ساحة الصّراع، ألا يكون الإسلام مجرّد هامش من هوامش واقع المسلمين يتحرّك في دوائر مجالس مليّة، ويتحرّك في دوائر محاكم شرعيّة، ويتحرّك في دوائر أوضاع بروتوكوليّة، لا دخل لها بساحة الصّراع كلّها.

- الاستعمار والإسلام السّياسيّ!

ولهذا، فإنَّ المسلمين، كلّ المسلمين الّذين يتحركون في ساحة ما يسمَّى بالإسلام السّياسيّ، من علماء دين ومن سياسيّين ومن فعاليّات اجتماعيّة، هؤلاء لا يسمحون للإنسان بأن يربك السّاحة، إنهم يتحدَّثون بالإسلام في مساجدهم، ويتحدَّثون بالإسلام في نواديهم الثقافيَّة. أمّا في السَّاحة العامّة السياسيّة، فإنهم يريدون أن يثبتوا وطنيّتهم واعتدالهم، ويريدون أن يثبتوا انفتاحهم وتسامحهم وما إلى ذلك، لأنّنا لا نريد الإسلام أن يحكم لبنان، لأنّ للبنان وضعه الخاصّ، كما يقولون!!

وهكذا لو كانوا في بلادٍ أخرى، كما نلاحظه في بعض مشايخ الأزهر وغير الأزهر أيضاً، الّذين يقولون نحن لا نريد للإسلام أن يحكم السّاحة؛ الإسلام دين تسامح ودين رحمة ودين اعتدال، وليس دين عنف، باعتبار أنهم يريدون للواقع أن يتحرَّك بعيداً عن الإسلام، ويأخذون بالمقولة الّتي زرعها الكفر المتنوّع والاستكبار الطّاغي في بلاد المسلمين ليمنع المسلمين من أن يكونوا عنصر حركة مضادَّة في السّاحة بإسلامهم.. قد يسمح للمسلمين بأن يكونوا حركة معارضة في داخل السياسة من مواقع مفردات المعارضة الموجودة في التيّارات السياسيّة والفكريّة الأخرى، ولكنّه لا يريدهم أن يكونوا عنصر معارضة من خلال فكرهم الإسلاميّ وخطّهم الإسلاميّ.. يمكن أن يفسح المجال للمسلمين في لبنان، للطائفة الإسلاميّة الشيعيّة، وللطائفة الإسلاميّة السنيّة أو لغيرهما، بأن يطالبوا بحقوق المسلمين على أساس القانون اللّبناني، وعلى أساس الديمقراطيّة، وعلى أساس الماركسيّة، وعلى أيّ أساسٍ آخر، ولكن لا يسمح للمسلمين بأن يطالبوا بالإسلام ليحدِّد حقوق النّاس وليرعى حياة النّاس.. هذه المسألة لا تتَّصل بوضع لبنان الخاصّ فيما فرضه الواقع من وضعٍ في عمقه، ولكنَّها تتَّصل بالقرار الّذي انطلق من دوائر الكفر ومن دوائر الاستكبار، ليمنع الإسلام من أن يكون عنصر تحدٍّ في السّاحة، أو عنصر فكرٍ شاملٍ يواجه فكر الآخرين في السَّاحة.

هكذا أريدت المسألة، وانطلق الكفر السياسي الّذي يتمظهر في أكثر من حزب وفي أكثر من محور سياسيّ، ليؤكّد هذه المقولة التي بدأت من الاستعمار، ولكن أخذها بعض الذين يحاربون الاستعمار ويحاربون الإسلام في هذا المجال، ويحاولون أن يعطوا الإسلام دوراً في تقوية الاستعمار في المنطقة أو في غير المنطقة.

كذلك، رأينا أنَّ الآخرين أيضاً يتحدّثون عن الإسلام كنهجٍ طائفيٍّ في السَّاحة، لا كنهجٍ فكريّ سياسيّ، ولهذا، عندما كنّا نقول "الإسلام"، كانت الصَّيحات تتعالى: إنّكم تثيرونها طائفيّة، وسيرتفع صوت يقول إنّنا نريد المسيحيّة. وهكذا أريد للسَّاحة أن تعيش حرب الأعصاب، ليتنازل المسلمون، وليقولوا عفواً أو سماحاً، إنّنا اندفعنا بعاطفتنا، ونحن ننسحب من ذلك، لأنَّنا نريد أن نكون وطنيّين.

لهذا، لا بدَّ لنا من أن نثير هذا الفكر في السَّاحة، فكرة الإسلام، وفكرة الدَّولة الإسلاميَّة، حتى لو لم يكن عندنا إمكانيَّة أن نؤسِّس الدَّولة في أيِّ موقعٍ في وقتٍ قصير، لأنَّنا نريد أن نطرح فكرنا، وأن يرجع فكرنا إلى ساحة الصِّراع، نريد أن نظلَّ نصارع في السَّاحة على أساس أنّنا فكر عامل للسّاحة، ونريد أن نثير في وعي المسلمين، كلّ المسلمين، أنَّ المسلم لا يمكن أن يكون مسلماً، ومنتمياً إلى أيِّ حزبٍ عقيديٍّ في أيّ دائرة من الدَّوائر.

انتماؤك إلى أيِّ حزبٍ عقيديٍّ يختلف عن الإسلام في قواعده الفكريَّة وفي خطواته الفكريَّة، يعني أنَّك لست مسلماً، وهذا لن نستطيع أن نثيره بكلّ الخطوط التي تتحرك في واقعنا السياسي وفي واقعنا الإسلاميّ التقليديّ، عندما ندفع إلى الساحة محوراً سياسياً يتحدّث عن حقوق النّاس فقط، أو عن خدمات الواقع فقط، أو عن بعض الجوانب الهامشيّة في السّاحة فقط، ليأتي الآخرون ليقولوا إنّنا مع هذه الحقوق ومع هذه الخدمات، ولكن تعالوا معنا، لأنّنا نطالب بها بشكل أفضل وبشكل أكثر فاعليَّة.

إنّنا نريد في المقاومة الفكريّة أن تقوم لنصدم السّاحة، حتى لو لغتنا السّاحة، حتى لو أثارت في وجوهنا كلَّ الكلمات، فقد تعوّد الإسلام منذ البداية أن يُثار في وجهه ذلك، ولكنّ الفرق أنّ المشركين وحدهم كانوا يثيرون الاتهامات في وجه الإسلام المقاوم من ناحيةٍ فكريّة، والآن بعض المسلمين وبعض رموز المسلمين يواجهون الإسلام المقاوم الّذي يريد أن يطرح نفسه في السَّاحة كفكرةٍ تشمل السَّاحة كلّها، باسم التطرّف وباسم الجنون وباسم التعصب وباسم التزمّت، وبكلّ هذه الأسماء التي أريد لها أن تكون لوناً من ألوان حرب الأعصاب والحرب النفسيّة التي أثيرت أمام النبيّ محمّد(ص).

وفي هذا المجال، قد نحتاج ونحن نحرّك هذه الساحة، نحرّك هذا الشّعار وهذه المقولة في السّاحة، إلى أن ندخل في حوارٍ مع المسيحيّين بالذّات، هذه الفزّاعة الّتي يطلقها المسلمون الخائفون واللّبنانيّون الخائفون عندما يطلق الإسلام. نريد أن نقول للمسيحيّين في ساحة الفكر أيضاً: تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم، خاطبونا كمسيحيّين عندما نخاطبكم كمسلمين، لا تخاطبونا باسم المسيحيّة كلبنانيّين أو كعلمانيّين، أو كأيّ شيء آخر، إنكم تخافون على المسيحيّة؟! ماذا تقول المسيحيّة؟ هل في المسيحيّة نظريّة حكم؟ هل في المسيحيّة مشروع سياسي، هل في المسيحيّة شريعة كاملة؟

ويجيبون: المسيحية فعل إيمان، المسيحيّة ليست لهذا العالم، إنها لملكوت آخر، ما لله لله وما لقيصر لقيصر. إنّنا نقول لهم: لن ندخل معكم في صراعٍ حول الله، وإن كنّا نختلف في التصوّر لله، لكن لن ندخل معكم في صراع بهذا الشّمول لله ونحن نواجه القيصر، وأنتم لستم القيصر من موقع أنّكم مسيحيّون، ولا تريدون أن تكونوا القيصر، ولكن تريدون أن تتعاملوا مع القيصر، نحن المسلمين نريد أن نكون القيصر، نريد أن ننفتح مع الله، ومن خلال الله إلى الحياة، لأننا نملك شريعةً كاملة للحياة، تحلّ مشاكل المسلمين وغير المسلمين، وتعمل على أن يكون الإسلام هو القيصر؛ القيصر العادل، والقيصر المنفتح على كلّ مشاكل الإنسان في الحياة.

دعونا نحارب القيصر، وسنكون لكم أفضل القياصرة، لأنّكم عشتم معنا عدّة قرون، وعرفتم معنى التّعايش في الحياة الإسلاميّة عندما يحكم الإسلام بطريقة غير جيّدة، فكيف إذا حكم الإسلام بطريقةٍ جيّدة!

علينا أن لا نهزم أمام الشّعارات الّتي تريد أن تجهض تقديم فكرنا الإسلامي إلى ساحة الصراع، علينا أن نُجهض ذلك بأن ندخل في حركة هذا الشّعار المضادّ، لنقول إنكم تقولون إنّ الدولة الإسلاميّة تجتذب شعار الدولة المسيحيّة، فماذا نفعل؟! نحن نقول ليست هناك دولة مسيحيّة فيما هو المعنى للمسيحيّة. نعم، هناك دولة للمسيحيّين لا يعتمدون المسيحيّة أساساً في دولتهم، وذلك هو الّذي ندخل فيه ساحة الصّراع معهم بصفتهم بشراً، تماماً كما ندخل ساحة الصّراع مع الماركسيّين، أو مع القوميّين، أو مع الاشتراكيّين، أو مع أية فكرة نختلف فيها مع الآخرين في أيّ خطّ من الخطوط.. لا بدَّ من أن نكون في وعيٍ لكلِّ هذه الأمور، ولا بدَّ من أن نتوفّر على دراسة مفردات هذه الأمور.

وإنما جعلت هذه المسألة العنوان الأوّل في حديثنا هذا، لأنَّ هذه هي المسألة التي يمكن من خلالها أن نعتبر أنفسنا مقاومة فكريّة، لأنَّ الآخرين عندما يعتبروننا حالة غيبيَّة وحالة هامشيّة لا دخل لها في ساحة الصّراع، فمعنى ذلك أنّنا لن نكون مقاومة فكريّة، ولن ينظر إلينا في هذا الاتجاه وبهذا المنظور، وإنما يُنظَر إليها كحالةٍ تعيش على هامش الحالات السياسيّة والفكريّة الموجودة في الواقع، لتكون مجرَّد احتياطيّ يستخدمه الاستعمار بلحاظ بعض المفاهيم، وتستخدمه الماركسيّة بلحاظ بعض المفاهيم، ويستخدمه الرجعيّون بلحاظ بعض المفاهيم.

النّقطة الثّانية الّتي أريد أن أثيرها في هذا الحديث الّذي لا يتَّسع لكلِّ أحاديث المقاومة الفكريّة، لأنَّ أحاديث المقاومة الفكريّة تشمل السّاحة كلّها. النقطة الثّانية التي أريد أن أثيرها، هي الّتي تُثار في هذه الأيَّام في أكثر من موقعٍ من المواقع الفكريّة الّتي تتحدّث عن العنف، وتتحدَّث عن علاقة العنف بالإعلام وعلاقته بالواقع السياسيّ، وتتحدَّث عن المشكلة اللّبنانيّة فيما يواجهها من مشاكل ومن تحدّيات وصعوبات في حلّها، ولا تزال السَّاحة تفسح المجال لأكثر من محاضرة، ولأكثر من محاضر، لأنَّنا رأينا في أكثر هذه الأحاديث الّتي أريد لها أن تتحرَّك في السَّاحة الآن، أو تتحرَّك في المستقبل من خلال تخطيطٍ فكريٍّ يجتذب المفكِّرين إلى هذه الدَّائرة، لاحظنا أنَّ توجيه الانتقادات وتحميل المسؤوليَّة في هذا العنف كلّه يتوجَّه للحالة الإسلاميَّة، باعتبار أنَّ الحالة الإسلاميَّة طرحت نفسها وتطرح نفسها كعنصرٍ فاعلٍ في السَّاحة ينطلق من فكر إسلاميّ كامل ويواجه كلَّ تحدّيات السّاحة في مواقع الاستكبار.

إننا نلاحظ أنَّ هؤلاء يريدون أن يواجهوا المسألة على هذا الأساس؛ على أساس أنَّ الحالة الإسلاميّة هي الّتي أربكت الواقع، وهي الّتي منعت الحريّة، وأنَّ الحالة الإسلاميّة هي التي تتغذَّى بالوضع الاقتصاديّ المنهار، وتحاول أن تغذّيه، وهي المسؤولة عن ذلك، وأن الحالة الإسلاميّة هي التي تقود التطرّف وتمنع من السَّلام، وما إلى ذلك من كلماتٍ يقولها الذين يحسبون أنفسهم على الصّفّ الإسلامي، ويعتبرون أنفسهم في خطِّ المواجهة للتحدّيات التي تتحدّى المسلمين، ولكنَّهم فيما نظنّ ـ ولنا شواهد على ما نظنّ ـ يخضعون لخطّةٍ طويلةٍ تأخذ مواقعها في بعض السّاحات العربيّة الرّجعيّة المعقَّدة من التيّار الإسلاميّ في أكثر من صعيد، وتأخذ قوّتها أيضاً من بعض الخطوط السياسيَّة المرتبطة بأكثر من موقعٍ إقليميٍّ ودوليٍّ في مواجهة الحالة الإسلاميّة، لإضعافها في نفسها عندما تثار القضايا الفكريّة ضدّها، ليصوَّر لها أنّها لا تملك فكراً، وعندما تُثار المشاكل الّتي يعيشها النَّاس ضدّها على أساس أنها المسؤولة.

لا نريد أن ندخل في الخلفيَّات، وإن كنَّا لا نريد أن نمرّ مروراً عابراً عليها، لأنَّ طبيعة هذه الخلفيَّات تعرّفنا طبيعة التحدّيات الّتي نواجهها كمسلمين فكريّاً، من خلال التحديات التي نواجهها كمسلمين استكبارياً، لأنَّ الموقع الاستكباريّ يتحرّك في الدّوائر الفكريّة أيضاً.

ما نريد أن نثيره أمام هذه الكلمات الّتي لا مجال لنا لمناقشتها بشكلٍ تفصيليّ، أنَّنا نريد أن نواجه مسألة العنف عندما تطرح مسألة العنف في السَّاحة، ومسألة السَّلام عندما تطرح مسألة السَّلام في السَّاحة؛ ما موقعنا كمسلمين من العنف، هل نحن مع العنف أو نحن ضدّه؟ هل نحن مع السَّلام أو نحن ضدّه؟!

ربما يريد الآخرون منَّا جواباً مبسَّطاً، نعم أو لا، ولكنَّ مسألة العنف والرِّفق، ومسألة السَّلام والحرب في الحياة كلِّها، منذ أن بدأت الحياة وحتى تقوم السَّاعة، ليست مسألة بسيطة لنبسِّطها بالكلمات الّتي تريد أن تواجه اتهاماً أو تريد أن تواجه تحدّياً بطريقةٍ سريعة.

نحن نقول عندما يُراد لنا أن نجيب؛ هل نحن كمسلمين مع العنف أو ضدّه، نحن نجيب" نعم" و"لا" معاً، نحن مع العنف ونحن ضدّ العنف، لأنَّ الحياة كلَّها تتحرَّك من خلال العنف عندما يكون العنف حاجة الحياة، وتتحرَّك مع الرِّفق عندما يكون الرّفق حاجة الحياة، ونحن جزء من الحياة، جزء من مفردات الكون، هناك الرّيح العاصفة وهناك الرّيح الرخيّة، هناك البحر الهائج وهناك البحر الهادئ، هناك الزلازل والبراكين، وهناك الأرض المستقرّة الثّابتة، وهكذا في كلّ الحياة عنف ورفق، ونحن لا بدَّ لنا من أن نواجه العنف ونواجه الرّفق، ليكون كلّ واحد منهما أسلوباً طبيعيّاً من أساليبنا الّتي تعمل على أن نحركها في السَّاحة.

لماذا ذلك؟! لأنَّ الإنسان إذا كان صاحب فكر، أو صاحب قضيَّة، أو صاحب موقف، أو موقعٍ، أو ما إلى ذلك، أو صاحب حاجة، فإنَّ هناك ظروفاً وأشخاصاً تفرض نفسها عليه بطريق القوَّة، كما نلاحظه الآن بالنِّسبة إلى الشّعوب الصَّغيرة المستضعفة، وبالنِّسبة إلى الشّعوب الكبيرة التي تحكمها دولٌ مستكبرة.

في هذا المجال، قد تصطدم مصالحنا الاقتصاديّة مع مصالح الاستعمار، وقد تصطدم حاجاتنا الحياتيَّة مع حاجات الاستعمار، وقد تصطدم مواقعنا الاستراتيجيَّة بمواقع الاستعمار الاستراتيجيَّة، وقد تصطدم مواقفنا السياسيَّة بمواقف بعض القوى الموجودة في منطقتنا أو الموجودة في بلدنا، ويريد الآخرون أن يعملوا على أساس مواجهة كلِّ هذه الأمور بطريقة القوّة التي يملكونها، فكيف يمكن أن يكون الرّفق هو الأسلوب الّذي تواجه به هذه التحدّيات؟!

- ليس في الحياة أسلوب اللاعنف

نحن عندما نطرح العنف، لا نطرح أسلوباً واحداً للعنف، ولكن نقول، عندما يفرض عليك الآخرون عنفهم بكلّ الوسائل، فإنّ عليك أن تفتّش عن كلّ الوسائل التي تقمع بها عنفهم، سواء كانت من شكل وسائلهم أو كانت من شكل آخر، ونحن قد طرحنا مراراً أنَّ على الشّعوب المستضعفة أن تفتّش عن أسلحتها الخاصّة، وأن تكتشف أسلحة خاصّة، وأن تبدع أسلحة خاصّة تفاجئ المستكبرين الّذين يطلّون على الشّعوب المستضعفة بوسائلهم التّدميرية.

نحن لا نستطيع أن نقول سلاماً لمن يطلق علينا الرصاص لينهي حياتنا. قد تكون عندنا بعض القيم الأخلاقيّة التي تقول: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[1]، {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}[2]، ولكنّ ذلك عندما يبقى لك وجودك، وتستطيع أن تخطّط للمستقبل، ليكون صبرك مرحلة، ولا يكون آخر المراحل، وليكون عفوك بدايةً لإعطاء مجال للسّاحة لأن تلتقط أنفاسها، ولا يكون العفو وسيلةً من وسائل الذّلّ الذي يريد الآخرون أن يفرضوه عليك في الساحة.

لهذا، نحن مع العنف لكلّ من يفرض علينا العنف في الداخل وفي الخارج، ولكن لن نندفع إلى العنف عشوائيّاً، لن يكون العنف حالة انفعال، ولن يكون العنف عندنا ردّ فعل، ولكنّنا نحرّك العنف عندما نجد أنّ الذين يحركون العنف ضدّنا يريدون أن يسقطوا الساحة كلّها. أمّا عندما يكون العنف وسيلةً من وسائل إشغالنا عن القضايا الكبيرة حتّى لا نواجهها، عندما تكون المسألة في هذا الاتجاه، فنحن أوَّل المنهزمين في السَّاحة، نحن ننهزم ـ بطريقة فنيّة طبعاً ـ عن كلّ المعارك الصغيرة التي تريد أن تشغلنا عن المعارك الكبيرة.

- لسنا إرهابيّين

نحن عندما نريد أن نحرِّك العنف كمسلمين، ونحن نتحدَّث عن نظرة إسلاميَّة في دائرة المفهوم الإسلاميّ للعنف من ناحية فكريّة، فيما نريد للإسلاميّين أن يحركوه في السّاحة، نحن عندما نؤمن بهذا العنف، فنحن نرتكز فيه على خطّة، وفي ضمن الخطَّة، نعتبر أنَّنا نملك حرّيّتنا في أن نحركه في أيّ بلدٍ من بلدان العالم، عندما تكون هناك أيّة تحديات في السّاحة، لأنّ طبيعة المعركة الّتي تنطلق فيها قضايانا المصيريّة تسمح لنا بذلك.

ولا يتبادر إلى ذهن أحدٍ أن يخلط بين كلمة العنف الّتي نحركها كوسيلةٍ من وسائل الصّراع في ساحات قضايانا الأساسيّة، من قضايا الحريّة أو العدالة أو ما إلى ذلك، وبين مسألة الإرهاب بصورته البشعة الفرديّة التي تعتمد القضايا الشخصيّة، ونحن لا نعتبر أيّ عملٍ تقوم به الشعوب المستضعفة ضدّ الشعوب المستكبرة في ساحة الصّراع من أجل الحرية وفي ساحة الضّغوط المتبادلة، لا نعتبر ذلك إرهاباً.

إذا كان يُقال إنّ الأبرياء قد يسقطون، فالحروب دائماً يسقط فيها الأبرياء، القضايا الكبيرة هي الّتي تحكم إنسانيَّة الأسلوب وعدم إنسانيّة الأسلوب.

نحن لا نقع تحت ضغط الحرب النفسيّة وحرب الأعصاب الّتي يريد فيها المستكبرون أن يثيروا بعض كلمات القاموس السياسيّ ليهزمونا بها، فلقد تعوّدنا على هذه الأساليب، علّمنا رسولنا(ص) عندما قيل له إنّه مجنون، وإنّه ساحر، وإنّه كاذب، وإنّه شاعر، وإنّه كاهن، وما إلى ذلك من الكلمات، {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}[3]، علّمنا أن نقف ولا نشعر بأيّ انفعال أمام هذه الكلمات، بل نتحدَّث مع الآخرين فكرياً عندما يُسمح للفكر أن يتحرّك في الساحة.

لهذا، ليقولوا إنّنا إرهابيون، متطرّفون، متوحّشون، مجانين... لا ننهزم من الكلمات، هي كلمات نأخذ منها المعنى الإيجابي، وهي أنّنا استطعنا أن نكون قوّةً تُزعج الساحة، لأن من يسبّك معناه أنه يخاف منك، ومعناه أنه منزعجٌ منك، نأخذ هذا المدلول ونترك كلّ المداليل الشعورية تضيع في الهواء، لأنّنا نعرف أنفسنا أننا طلاب حرية، ولسنا إرهابيّين، وأننا نعمل من أجل قضيَّة الإنسان من خلال القواعد المتوازنة، ولسنا متزمّتين، وأنّنا ننفتح على الرّأي الآخر، وإن كنَّا لا نلتزم برأيه. لهذا فلسنا متعصِّبين، فليقولوا ما يقولون، لأنّنا نعرف أنفسنا، ولا نريد أن نأخذ ثقتنا بأنفسنا من الآخرين، لو جاؤوا بكلِّ الاتهامات في العالم، فنحن أعرف بأنفسنا منهم، ولو جاؤوا بكلّ المدائح الّتي يمدحوننا بها في العالم، فنحن أعرف بأنفسنا منهم، نحن لا نطغى بالمدح، ولا نسقط بكلمات الذّمّ، وهذا ما يجب أن نختزنه في شخصيَّتنا الإسلاميّة.

ونحن مع الرفق، والإسلام عرّفنا في دائرة العلاقات الإنسانيّة التي تقوم على أساس الصّراع في الفكر الإنساني: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[4]، {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[5]، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[6]، وما إلى ذلك من الكلمات الّتي ننطقها في الساحة ونؤكّد بها أسلوبنا في السّاحة.

نحن سلميّون بكلِّ ما للكلمة من معنى، عندما يريد أن يصارعنا الآخرون من موقع الأساليب العقلانيَّة والأساليب العلميَّة، وما إلى ذلك من الأمور الّتي يمكن أن نصل من خلالها إلى الرّأي الصّحيح، نحن لا نلوِّح بالعنف لمن يحمل لنا غصن الزّيتون، بل نحمل له أكثر من غصنٍ عندما يحمل لنا غصناً واحداً، لأنّ الله أمرنا بذلك، وأمرنا بأن نفتح عقول النّاس وقلوبهم ومشاعرهم على الحقّ، وأن نعطيهم الفرصة ليفكّروا فيما عندنا، وأن نعطي لأنفسنا الفرصة لنفكّر فيما عندهم، حتى نستطيع أن نتوازن في عمليّة الصّراع في الحياة، بل إنّنا نتبنّى في بعض الحالات عمليَّة التحوّل السياسي من مواقع غير إسلاميّة إلى مواقع إسلاميّة في بعض الظروف. قد نؤمن بالتحوّل السياسيّ من موقع غير إسلاميّ إلى الموقع الإسلاميّ في مسألة الحكم أو في مسألة السّلطة، ربما نختار في بعض الظروف الملائمة عملية التحوّل السياسيّ من مواقع سلميّة في هذا المجال، ليس من الضروريّ دائماً أن نقلب الواقع بطريقة الثّورة، بل ربما نختار غير الثّروة طريقاً على حسب طبيعة الظروف الملائمة، لأننا نسير في الحياة على أساس الحكمة: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ}[7]، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}[8]، والحكمة هي أن تراعي مقتضيات الأحوال، وأن تراعي طبيعة الظروف، وأن تراعي طبيعة السّاحة، وتحرّك كلّ أساليبك على حسب مقتضيات الساحة وعلى حسب مقتضيات الظّروف.

- بين العنف والرّفق

نحن مع العنف ومع الرّفق. نحن نعتبر العنف في الحياة استثناءً، ولا نعتبر الرّفق قاعدة، بل للحياة خطَّان، خطّ تتحرَّك فيه لتواجه العنف بالعنف، وخطّ تتحرَّك فيه لتواجه الرّفق بالرّفق، أو لتواجه العنف بالرّفق في بعض الحالات، إنها طبيعة الحياة، وإن كانت طبيعة الرفق قد تكون أوسع في بعض الحالات، وطبيعة العنف قد تكون أوسع في بعض الظّروف، تلك هي قصّة ما نعيشه في الحياة من ظروف تتحرّك فيها وسائلنا وأساليبنا وقضايانا في داخلها.

ليس هناك أيّ موقع من مواقع السّلام مع العدوّ، لأنَّ وجود إسرائيل ليس شرعيّاً من جميع الجهات

هل نحن مع السِّلم أو نحن مع الحرب؟!

نحن مع الحرب عندما تكون قضايانا عرضةً للذين يريدون أن يفرضوا الأمر الواقع علينا بالحرب، ولهذا، فنحن مثلاً في المسألة الإسرائيليَّة، لا نعتبر أنّ هناك أيّ موقع من مواقع السلام في خطَّتنا الإسلاميّة، ليس هناك أيّ موقع من مواقع السّلام مع العدوّ، لأنَّنا نعتبر أنّ وجود إسرائيل ليس شرعيّاً من ناحية إسلاميّة من جميع الجهات، وأنّها أخذت فلسطين على أساس قوّة الأمر الواقع، ونحن لا نعترف بالرّضوخ للأمر الواقع؛ قد نرضخ له وقتاً، ولكنَّنا نحرّك القوّة في مواجهته في وقتٍ آخر.

نحن نعتبر أنَّ المسألة الإسرائيليَّة هي من المسائل الّتي لا بدَّ من أن نثوّر المنطقة كلّها وغير المنطقة، من أجل إزالة إسرائيل؛ نحملها خطّةً نعمل على أن نسير فيها، ولو إلى مئة سنة، تماماً كما فكّر اليهود في مدى ما يقارب المئة سنة، ولهذا، فليست مشكلتنا الّتي نفكِّر فيها الآن هي كيف يعود السَّلام إلى المنطقة، ولكنَّ المشكلة هي كيف نحرّر المنطقة من إسرائيل، ولهذا، فنحن ضدّ كلّ دعوة للسّلام على حساب القضيّة الأساسيّة، وهي المسألة الفلسطينيَّة، لأنّنا نعتبر المسألة الفلسطينيّة واجهةً لكلّ قضايانا الأساسيّة ومستقبلنا في المنطقة كلّها.

وهكذا، نجد أن لا مجال للهدنة مع الاستعمار، نحن نعرف توازن القوى ونعرف طبيعة الحرب، ولهذا فنحن لا نريد أن نضخِّم قوّتنا بطريقة عنتريّة أو بطريقة انفعاليّة، لنقول إننا نستطيع أن نهزّ الاستعمار بخطبة، أو بتظاهرة، أو بمسيرة، أو بالحصول على موقع، أو بمقاطعة بعض بضائعه، لكنّنا نقول إنّنا عندما نملك الإمكانات التي نستطيع من خلالها أن نثوّر المسلمين والمستضعفين، ولو بطريقة معيّنة، فإننا نستطيع أن نربح اليوم موقعاً من مواقع الاستعمار، ونقوّي موقعاً من مواقع الحرية، ونربح غداً موقعاً من مواقع الاستعمار، ونحاول أن نقوّي موقعاً من مواقع الحرية، حتى نستطيع أن نبلغ مواقع القوّة.

نحن لسنا مثاليّين في هذا المجال، لأنّنا نعرف في الدائرة الاستعماريّة نفسها في صراع القوى، أنَّ قوّةً كانت طاغية تحوّلت إلى قوّة صغيرة، وأنّ قوّةً كانت صغيرة تحوّلت إلى قوّة طاغية، والإسلام يؤكّد لنا ذلك من خلال القرآن: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[9]، والإسلام عندما يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ}[10]، فمعنى ذلك أنّه يطلق مسألتنا في العالم من خلال مواجهة كلّ أعدائنا وأعداء الله في العالم، ومعنى ذلك أنّه نداء لتطوير القوّة وتوسيع القوّة والاتجاه بالمسألة في حجم الزّمن، لتكون المسألة مسألة الصِّراع على مدى الزّمن، ولا تكون المسألة مسألة الصّراع على مدى مرحلة معيّنة.

ولعلّكم تستذكرون الحكمة القائلة فيما روي عن أمير المؤمنين(ع): "اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً"[11]، فنحن نعمل للحريّة في دنيانا، وللعزّة في دنيانا، وللعدالة في دنيانا، نعمل على أساس أن تكون خطواتنا في هذا الاتجاه، نتحرَّك كما لو كنّا لا نموت، أن نتجدَّد كلّما بليت قوانا، أمّا في مسألة الآخرة، فنحسب حساب الخطوات والكلمات والأوضاع كما لو كنّا نموت غداً، بذلك نحكم الخطّة من خلال مسؤوليّتنا أمام الله ونحدّها ونعمّقها ونثيرها، ونبدع القوّة فيها من موقع امتدادنا مع الحياة كلّها.

نريد مقاومة فكريَّة ننطلق فيها من مواقعنا الفكريَّة للإسلام، ليكون الإسلام الفكر الَّذي يصارع الأفكار الأخرى في السّاحة

- حساب الحرب والسِّلم

إنَّنا مع الحرب عندما تكون الحرب هي الحلّ الوحيد لقضايانا، أمّا عندما يكون السَّلام هو الحلّ الّذي يمكن أن نحلَّ به القضايا، أو عندما تكون الحرب مشكلة مرحليَّة لبعض القضايا الكبرى، فإننا نجمِّد الحرب، ونحرّك قضيَّة السّلام، فالحرب بحساب والسّلام بحساب، والعنف بحساب والرّفق بحساب، تلك هي مسألة الإسلام الَّذي يتحرَّك في خطّ التّوازن بين المادّة والرّوح، وبين الفرد والمجتمع، وبين العنف واللّين، وبين السّلام والحرب، وبين كلِّ شيء وشيء آخر. ليس هناك حالة مطلقة في الإسلام إلا الله، الله وحده المطلق، وكلّ القضايا في الإسلام نسبيَّة؛ أخلاقيّات الإسلام نسبيَّة، ومفاهيم الإسلام التي تتحرك في قضايا الحياة نسبيَّة فيما خطَّطه الله من شرائعه وفي حدوده من مفاهيمه، ليست نسبيَّة أمام الهوى والمزاج، ولكنَّها نسبيّة أمام الخطوط المتحركة المرنة في الإسلام.

إنّنا نريد، أيها الأخوة والأخوات، مقاومة فكريَّة ننطلق فيها من مواقعنا الفكريَّة للإسلام، ليكون الإسلام الفكر الَّذي يصارع الأفكار الأخرى في السّاحة. ولهذا، نريد أن نؤكِّد لكلِّ إخواننا وأخواتنا، أن لا تكون لهم شخصيَّة إلا الشَّخصيّة الإسلاميَّة التي يعلنونها ويصرّحون بها، سواء قبلكم الآخرون أو نبذوكم.. قولوا إنَّنا مسلمون: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ ـ ولم يقبلوا وأعرضوا ـ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}[12].

قولوا لكلِّ النّاس إنّكم مسلمون، لا من موقع العقدة في هذه الصِّفة، ولا من موقع الطّائفيَّة في هذه الصِّفة، ولكن من موقع فكر، ومن موقع المعنى والمضمون الّذي يتمثَّل في هذه الصّفة.

ابحثوا عن مواقع اللّقاء مع الآخرين، وابحثوا عن الفواصل التي تميّزِكم عن الآخرين، فكما أنَّ الآخرين يحافظون على فواصل الشَّخصيَّة في فكرهم، فلا تتسامحوا في فواصل الشخصيَّة في فكركم وفي شخصيَّتكم.

حاولوا أن تراقبوا الّذين يريدون أن يحرفوا الإسلام عن مواضعه، عندما يريدون أن يجعلوا الإسلام معرضاً تعرض فيه كلّ الأفكار وكلّ الاتجاهات. لم يُعرض في الإسلام إلا الإسلام؛ إلا فكر الإسلام وإلا شريعة الإسلام، ومن موقع الإسلام، نتعايش مع الآخرين إذا طرحت فكرة التّعايش، وبالحدود الإسلاميّة، ومن موقع الإسلام نتحاور مع الآخرين إذا طرحت فكرة الحوار، ومن مواقعنا الفكريّة.. لن ننغلق على الآخرين عندما نقول إنّا مسلمون، ولكنّنا ننفتح عليهم من مواقع الانفتاح الّذي لا يجعلك تعيش ميوعة الفكرة وتعيش زلزال الموقف.. الانفتاح الّذي يجعلك تقف في مواقعك، وتراقب الآخرين، وتحاور الآخرين في مواقعهم.

هذا بعض الحديث عن المقاومة الفكريَّة الَّتي نريدها أن تتحرَّك في خطِّ المقاومة الإسلاميَّة المجاهدة، كما نريد للمقاومة الإسلاميّة الجهاديّة، أن تتحرَّك في خطّ المقاومة الفكريّة.

لنكن المقاومين الإسلاميّين الدّعاة المجاهدين، العاملين على أن نركّز الحياة على قاعدة الحريَّة والعدالة كما يريد الله، وعلى أن ننطلق لنحتوي الحياة كلَّها، ولتتكامل لنا شخصيّتنا، حتى لا يخدعنا أحد، وحتى لا يضلّلنا أحد..

*محاضرة لسماحته في مصلّى الإمام الحسن(ع) ـ القنطاري.


[1] [البقرة: 237].

[2] [النحل: 126].

[3] [الفرقان: 5].

[4] [الإسراء: 53].

[5] [العنكبوت: 46].

[6] [فصّلت: 34].

[7] [النّحل: 125].

[8] [البقرة: 129].

[9] [آل عمران: 140].

[10] [الأنفال: 60].

[11] وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 17، ص 77.

[12] [آل عمران: 64].


مواضيع اخرى للكاتب

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
كتاب معلم الشيعة الشيخ المفيد"
مسؤوليّتنا في غياب المهديّ والتّعاطي مع الزّمن
الدّين عقيدة وشريعة وأخلاق
زيارة عاشوراء في الميزان

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر