العلامة السيد علي فضل الله رعى حفل إفطار جمعية المبرات الخيرية الذي أقامته في مبرة الإمام علي(ع) في معروب في الجنوب السيد علي فضل الله: هدف الصوم أن يشعر الإنسان بإنسانيته إزاء معاناة الناس السيد علي فضل الله: علينا أن لا نرفع الذين يتعاملون مع مستقبل الوطن بحسابات طائفية ومصالح شخصية السيد علي فضل الله: لن نستطيع أن نبني مجتمعنا إلا بالإنسانيين هيومن رايتس ووتش تناشد لبنان عدم العودة لتطبيق عقوبة الإعدام لوموند بعد جرائم السلاح المتفلت: لبنان ليس بلداً بل غابة هآرتس: السيسي التقى نتنياهو وهرتسوغ سراً في قصره في نيسان/أبريل الماضي نواب ألمان يرفضون لقاء وزير الأمن الإسرائيلي في القدس كونها محتلة المغرب ترسل طائرات محملة بمواد غذائية إلى قطر داعش يدعو أتباعه إلى شن هجمات في كل العالم خلال شهر رمضان الإمارات تطرد صومالياً من مسابقة قرآنية بحجة دعم بلاده لقطر هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودي تمنع استيراد أجهزة "بي إن سبورت" وبيعها السياحة الأردنية: 2.6 مليون سائح منذ بداية العام الجاري وفاة 279 في السودان منذ أغسطس/ آب 2016 بسبب الإسهال زعيمة ميانمار: تحقيق الأمم المتحدة بشأن مسلمي الروهينغا سيؤجج التوترات العرقية صحيفة أمريكية: ترامب يمنع المخابرات السرية من الاطلاع على ما يحدث في البيت الأبيض محكمة أميركية اتهمت ترامب بالتمييز العنصري بين البشر بسبب إحدى تغريداته ارتفاع عدد البريطانيين الذين حصلوا على الجنسية الألمانية في 2016 بنما تطبع مع الصين وتقطع علاقتها بتايوان تقرير طبي: امرأة من بين 20 تصاب بعدوى زيكا في الولايات المتحدة دراسة: الجنين يبدأ تمييز الأشكال والوجه وهو في رحم أمه عندما أكتئب لا أصلّي يوم القدس العالمي.. مسيرات في إيران والعالم لإحياء المناسبة في وداع الشَّهر الكريم رئيسة بلديّة ضاحية نويكولن تحذِّر من صيام الأطفال! لنحمل رسالة الوحدة والتَّضامن والقواسم المشتركة المبرّات مسيرة زاخرة بالعطاء وسعي دائم للتّنمية الإنسانيّة بلجيكا: للنهوض بمكانة المرأة المسلمة حملة وطنيّة قرآنيّة في مالیزیا فضل الله: ظاهرة خطيرة ناتجة من التّحريض على المسلمين ليلة القدر في مسجد الحسنين(ع) منبر الجمعة: 21 رمضان 1438هـ/ الموافق: 16 حزيران 2017م
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
كلّ صوت يرتفع ضدّ المقاومة يمثِّل انتصاراً لإسرائيل
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
١٨/٨/١٩٩٢
/
18 ذو الحجَّة 1412هـ

المرجع فضل الله في ذكرى أسبوع والدته:

كلّ صوت يرتفع ضدّ المقاومة يمثِّل انتصاراً لإسرائيل

 

إنَّ الإنسان، مهما تقدَّم سنّه في الحياة، يشعر أمام فقد أبيه بأنَّه فقد طاقةً متعدّدة الأبعاد في الحياة كانت تتحرّك معه وتحركه ليعيش معها طفلاً وشابّاً وكهلاً، فيغني تجربته في العقل وفي الفكر وفي الحركة وفي الحياة. لذلك، يشعر الإنسان باليتم آنذاك؛ يتم الأب ويتم الصّديق ويتم الأخ ويتم الأستاذ، هكذا كان شعوري عندما فقدت أبي، الَّذي كان أباً وصديقاً ومعلّماً وحبيباً ورفيق حياة.

خسارة فقد الأمّ

وعندما يفقد الإنسان أمّه وهو كبير، يشعر بأنّه شاخَ وكبُر أكثر، لأنّه كان يعيش طفولته مع أمّه، فالأمّ تبقى مع ولدها حتى لو نيف على السّتين، تبقى معه كأمّ تهدهده في مهد حياته، كما كانت تهدهده في مهد طفولته، ترعاه، تحنو عليه، تحوطه، تخاف عليه من أيّ سوء، تماماً كما لو كان طفلاً صغيراً. الأمّ لا تستطيع أن تتصوَّر ابنها إنساناً انفصل عنها، وإن كان لها وعي دوره، لأنَّها تعيش حنانها الأموميّ لتشعره بأنّه لا يزال طفلاً..

ومن منّا لا يحبّ أن يعيش طفولته مع أمِّه في كلِّ حنان الأمّ! فقسوة الحياة، ولا سيَّما للّذين يواجهون تحدّيات الحياة ومشاكلها، تحتاج إلى لمسة أمّ، وذلك هو الذي يعطي الإنسان في حياته كلّ الغنى، ويزيده قوّةً دون أن تتحدَّث أمّه عن القوّة، ويزيده إرادةً وصلابةً دون أن تفلسف له إرادة الحياة أو صلابة الحياة، لأنّه يتصلَّب أكثر عندما يثق بالحياة أكثر، ولأنّه ينطلق في إرادته أقوى وأعلى عندما يتخفَّف من نقاط الضّعف.

هكذا شعرت ـ أيها الأحبّة ـ أنّني فقدت طفولتي الآن عندما فقدت الأمّ الّتي عشت حياتي معها، وكان لها أكبر الدَّور في كلّ ما أنا فيه روحاً وعاطفةً ووعياً وإيماناً وحياطة حياة.

التّوازن في الحزن

ولكن هل نتوقَّف أمام الجانب العاطفيّ لنستغرق فيه؟ هل نبقى مع خصوصيّاتنا ليعيش كلّ إنسان مع الجوانب المأساويّة في خصوصيّاته، أو مع جوانب الفرح في خصوصيّاته؟ القضيّة ليست كذلك، لأنَّ الحياة لا بدَّ من أن تستمرّ، ولأنَّ قضيَّة المأساة في حياتنا لا بدَّ من أن تبقى مجرَّد شعورٍ نعيشه، ومجرَّد إحساسٍ بالألم نختزنه، ولكن لا بدَّ من أن نعيش حركة المسؤوليَّة في حياتنا، فلا وقت لنا للحزن وللاستغراق في الألم. وكلَّما ازددنا وعياً لله ولسنَّة الله في الكون، استطعنا أن نفهم مسألة الحزن أنها قصَّة شعور يمكن أن تنطلق في القلب ليحزن، وفي العين لتدمع، ولكن لتستمرَّ الحياة ولتستمرَّ المسؤوليَّة في الحياة.

ما الّذي نفهمه من الأمومة ومن الأبوّة معها؟ مع أنّ قصَّة الأمومة تعطي الإنسان الكثير الكثير مما يتَّصل بشخصيَّته العاطفيَّة، ربما أكثر مما تعطيه الأبوَّة، ولكنّهما سواء.. ما الذي نستفيده ـ أيها الأحبة ـ في حركة حياتنا؟ هذه الحياة التي تتحرّك بقساوتها لتضغط علينا أفراداً وجماعات، وهذه الحياة الّتي نزيد من قسوتها عندما نحمِّل أنفسنا الكثير الكثير مما يمكن أن نتحرَّك به في قضايا الحقد والعداوة والبغضاء..

إنَّ القضيَّة هي أنَّنا نعمل على إنتاج القساوة للحياة أكثر مما تنتجه ظروف الحياة القاسية.. فنحن نقسو في علاقاتنا ومعاملاتنا وسياساتنا، نقسو تماماً كما لو كان الإنسان يتحوَّل إلى حديد..

القضيَّة الّتي يمكن أن نرصدها في كثيرٍ من مواقع حياتنا، ما يتحدَّث عنه بعض الشَّعراء، أنَّ هناك قلباً قدَّ من صخر، وأنَّ هناك إحساساً تحوَّل إلى حديد، قد يتحدَّث الشّعراء عن ذلك في مسألة القوَّة والشَّجاعة، ولكنّنا قد نتحدَّث في مجال العاطفة الإنسانيَّة، {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ}[1]، القضيَّة هي هذه: ما الَّذي نفهمه من قضيّة الأمومة؟

نحن نستغرق مع أمّهاتنا ومع آبائنا في ما نختزنه من روحيَّة العاطفة التي يبذلها لنا آباؤنا وأمّهاتنا، ولكنّنا لا نقف لنتعلَّم من الأمومة درس الحياة في ما هو معنى حركة الإنسان في الحياة، ولا نقف لنتعلَّم من الأبوَّة درس الحياة، في ما هي قصَّة الأمومة وقصَّة الأبوَّة في حياتنا؟ هي قصَّة العطاء بلا مقابل، قصَّة المحبَّة دون أيّة فلسفة لكلِّ نتائج المحبَّة.. هي قصّة الحنان الَّذي تتنفّسه في حياتك كما هي الشّمس عندما ينطلق منها شلاّل النّور، وكما هو الينبوع عندما يتدفَّق.. هذا الدَّرس الّذي يعطيك أنَّ هناك شيئاً في الحياة يعطي دون أن ينتظر ماذا يأخذ، وأنّ هنا شيئاً في الحياة يحنو دون أن يتصوَّر ما هو ثمن هذا الحنوّ..

العطاء دون حساب

قد نحتاج ـ أيّها الأحبَّة ـ في الحياة العامَّة، ونحن نعيش عمراً مع أمَّهاتنا، إلى كلِّ هذا السّلوك الإنساني الرَّحب الّذي ينفتح على ما أودعه الله في الإنسان من بعض أخلاق الألوهة.. الإنسان بشرٌ وعبد، ولكنَّ الله جعل في الأمّ وفي الأب معنى من صفاته "تخلّقوا بأخلاق الله". ومن أخلاق الله، أنّه يعطي بلا حساب، ويرزق بلا حساب، ويغفر بلا حساب، ويدبّر ويرعى الإنسان بلا حساب، والأمّ في عطائها لا تفهم درس الحساب، والأب في عطائه لم يتعلَّم درس الحساب.

إذاً، من أين أخذنا دروس الحساب هذه؟ في أوَّل صفٍّ دخلناه في حركة الحياة، وفي أوّل مدرسةٍ دخلناها في حركة الحياة، كان العطف بلا حساب، والعطاء بلا حساب، والخدمة بلا حساب، من أين تعرّفنا وتعلّمنا أنّنا نعطي بحسابات دقيقة، ونكفّ عن العطاء، فمهما كانت حاجة الإنسان إلى العطاء، نكفّ عن العطاء، لأنّ الحسابات لم تكن مضبوطة، ولأنَّ هناك خللاً في الحسابات.. لماذا أيّها الأخوة لا نتعلَّم أو لا نستعيد هذا الدَّرس؟ قد نكون مستغرقين فيه استغراقاً لا يجعلنا نعيشه ولا يجعلنا نتفهّمه..

إنَّنا نشعر بأنَّ حياتنا الّتي نعيش ـ كما قلت ـ هي حياة قاسية، هي حياة نمارس فيها حتى أخلاقنا على أساسٍ تجاريّ، وسياستنا على أساسٍ تجاريّ، وعلاقتنا الإنسانيّة على أساسٍ تجاري، وبذلك لم تعد مسألة العلاقات فيما بيننا تعطي معنى الإنسانيّة في العلاقات، ولم تعد السياسة في حياتنا تعطي معنى السموّ في حركة الإنسان في مسؤوليَّته، لماذا؟ لأنَّ القضيّة هي أنَّه ليس هناك اقتصاد السّوق فحسب، ولكن هناك سياسة السّوق، وهناك أخلاق السّوق، وعلاقات السّوق، وبذلك تحوّلنا إلى حياة رأسماليّة، لا في المال الّذي نحركه، ولكن أصبحت قلوبنا تتحرّك ضمن هذا النّظام، وعقولنا ضمن هذا النّظام، وحياتنا العامّة ضمن هذا النّظام.

لذلك، أيّها الأحبّة، قصّتنا هي قصّة الدّاخل الإنساني، من أنت في فكرك؟ ومن أنت في عاطفتك؟ ومن أنت في إحساسك وشعورك؟ ما هي علاقتك بالإنسان الآخر؟ ما هي علاقتك بالحياة؟ ما هي علاقتك بالله قبل الإنسان وقبل الحياة؟ القضيّة أنّنا نخشى أنّنا تحوّلنا إلى أحجار، وعندما نتحوَّل إلى أحجار، يتقن الّذين يلعبون لعبة الأحجار في الشّطرنج كيف يحركونها دون روح.

الخوف من موت الأمّة

الإنسان يعيش ـ كما قلنا ـ حسّ الرّعب واللّوعة أمام فقدان الأمّ والأب وموتهما! ولكنّ هناك موتاً يفزعنا ويرعبنا أكثر من ذلك؛ موت الأمّة، أن تموت الأمّة، أن تشعر أنت، وأن أشعر أنا، وأن يشعر الآخرون بأنهم مجرَّد وجودات منفصلة؛ ألتقي بك من خلال خصوصيَّات وجودي، لا من خلال ما أعيشه معك في الوجود الواحد.. القصَّة هي أن يفقد النّاس معنى الأمّة، وكلّ القضيَّة كانت في كلّ لعبة السّياسة الدّوليَّة على مستوى الثقافة، وعلى مستوى الاجتماع، وعلى مستوى السياسة.. كلّ اللّعبة التي كانت تتحرّك في حياتنا، هي أن لا تولد فينا الأمَّة، ليست المشكلة ما هو حجم الأمَّة، بعض النّاس يتحدَّث عن الأمّة في حجم الأديان، وفي حجم الاتجاهات، ليست القضيَّة أن نناقش الحجم الكبير للأمَّة أو الحجم الصَّغير للأمَّة، القضيَّة هي أنّنا نريد أن نناقش فرديّتنا الَّتي نعيشها بالمستوى الَّذي تضغط فيه على كلّ مواقعنا في الحياة.

المسألة هي عقدتنا الّتي نتحرّك فيها على الطريقة التي قالها ذلك الشّاعر:

ما علينا إن قضى الشّعب جميعاً  أفلسنا في أمان

لقد انطلقت اللّعبة منذ مطلع هذا القرن لتلغي معنى الأمّة الإسلاميَّة، على أساس أنَّ هناك أمّة عربيَّة، وأمّة تركيَّة، وأمّة كرديَّة، وأمّة فارسيَّة، وما إلى ذلك... ثمّ تطوَّرت اللّعبة، فأصبحت المسألة أنّه ليس هناك أمّة عربيّة، هناك أمّة لبنانيّة، وأمّة سوريّة، وأمّة عراقيّة، وما إلى ذلك.. ثم تطوَّرت القضايا، فأصبحت المسائل تنكمش في هذه المنطقة وتلك، كما نعيش في حياتنا منطقة جنوبيّة لا شغل للآخرين بها، ومنطقة بقاعيّة لا شغل للآخرين بها، ومنطقة شماليّة... وهكذا بدأت تصغر القضايا حتى أصبح الإنسان في نفسه أنّه هو أمّة وحده، وهذا الجوّ الَّذي أصبح الكثيرون ينظرون إليه ودخل في عمق تجربتنا الثّقافيّة، وبدأ يعيش في الواقع السياسيّ على أساس أن يفكِّر كلّ إنسان في آلامه الصَّغيرة بعيداً عن آلام الأمَّة، وأن يفكِّر في انتصاراته الصَّغيرة بعيداً عن انتصارات الأمَّة، وفي هذا الجوّ الَّذي نعيشه داخلنا في التّجربة الصَّعبة الّتي عشناها عندما انطلقت المتغيّرات في عالمنا هذا.

أصبحت المرحلة هي مرحلة أن تفتّت النّاس والدّول، وأن تفتّت الشّعوب، وأن يتحرّك التّفتيت في كلّ موقعٍ من المواقع، حتى لا يبقى هناك شيء متماسك في هذا العالم، وحتى لا يبقى هناك شيء متوازن في هذا العالم.

حدود الرّفق والعنف

سمعنا حديثاً وعظيّاً عن مسألة اللّين ومسألة الرّفق، وأنَّ الإسلام دين السَّلام، وليس دين العنف ودين التطرّف ودين الإرهاب. قولوا لي أيّها الأحبَّة، ونحن المعتدى علينا، نحن المقهورون، نحن المهزومون، نحن الَّذين تُنهب ثرواتنا، نحن الَّذين تفتَّت قوانا، نحن الَّذين نتحدَّث دائماً عن اللّين وعن الرّفق وعن الواقعيَّة وعن الاعتدال، دلّوني على صوتٍ في إسرائيل يتحدَّث عن العنف بطريقةٍ سلبيَّة، دلّوني على صوتٍ في إسرائيل يتحدَّث عن الواقعيّة بمعنى الاستسلام للأمر للواقع، دلّوني على صوتٍ واحدٍ في إسرائيل يتحدَّث عن الاعتدال بالمعنى الَّذي يعزل فيه الأمَّة عن المواجهة في أخطر قضيَّة من قضاياها تختصر كلَّ تاريخها وكلّ قضاياها، هل سمعتم صوتاً؟ هناك سياسيّون يتحدَّثون أنَّ العمل معتدل، وأنَّ اللّيكود متطرّف.. ونحن نحتاج في بعض الحالات إلى أن نستمع إلى النّكات الَّتي تخدّرنا، ولكنّ النّكات السياسيّة تخنقنا ولا تخدّرنا.

نحن في كلّ حياتنا، أيّها الأحبّة، وفي كلِّ إسلامنا، نحبّ أن نعيش حياة الرّفق، الله يقول: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[2]، ويقول: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[3]، ويقول: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}[4]، ولكن أن تصبر على أن يحتلَّك الآخرون، أن تعفو عن مصادرة الآخرين لثرواتك ومصادرتهم لكلِّ حريّاتك، أن تدفع بالَّتي هي أحسن في مقابل عدوّك الَّذي أغلق قلبه عن كلِّ معنى للمحبَّة! علينا أن نفصل بين الأمور، فقد أصبحت الدّعوة إلى اللّين مطلقة، وأصبحت الدّعوة إلى الرّفق مطلقة، وعلينا دائماً أن نعرف أنَّ في الحياة رياحاً خفيفة ورياحاً معتدلة ورياحاً عاصفة، وأنَّ كلّ ريحٍ من هذه الرّياح لها فائدتها في الحياة، فلماذا نريد أن نعمل بكلِّ قوّة في أن نبعد كلّ الرّياح التي تعصف في وجه الأعداء؟!..

نحن لسنا دعاة حرب، ولكن أن تُحتلَّ أرضك، معناه أنّ العدوَّ يفرض عليك الحرب، نحن لا ننتظر أن تقصفنا إسرائيل لنقول إنَّ إسرائيل اعتدت؛ إنَّ احتلال إسرائيل لفلسطين عدوان على الشَّعب الفلسطينيَّ، واحتلالها للبنان اعتداء على الشَّعب اللّبنانيّ، دون أن تطلق أية رصاصة.

هناك جماعة من الناس يحبّون جنون الثَّورة، ويحبّون جنون الجهاد، ويحبّون جنون الحريَّة! أيها العقلاء، لا نريد منكم أن تكونوا المجانين، ولكن هؤلاء "المجانين"، إذا سميتموهم كذلك، وسماهم بعض النّاس كذلك في الإعلام العربي، إذا شئتم، إنَّ هؤلاء المجانين يريدون أن يتوجَّهوا إلى أعدائكم ليجعلوكم مستقلّين أكثر، لينطلقوا مع روحكم أكثر، ليعيدوا إليكم روحكم أكثر.. لماذا تتحرَّك كلّ مواقع الواقع السياسيّ والأمنيّ في بلدنا هذا وفي البلدان العربيَّة ضدّ المجاهدين، ضدّ الَّذين يقفون على الثّغور من أجل أن يمنعوا العدوّ من أن يعيش عنفوانه!؟ قد لا يستطيعون بطاقتهم هذه أن يجعلوا العدوّ ينكفئ، ولو انضمّت إليهم الأمَّة لاستطاعوا ذلك، ولكن لماذا تعطون العدوّ فرصة أن تبقى له حريّة العنفوان؟ لماذا تحبّون أن ينظر إليكم العدوّ من فوق؟ اتركوا هؤلاء المجاهدين يقتلون إسرائيليّاً اليوم، ويهجمون على موقع غداً، وينزلون الرّعب في العدوّ في ذاك البلد، حتى يشعر العدوّ بأنَّ هناك أمّة لا تزال تعيش بعض الرّوح في بعض أفرادها.

المقاومة حقّ إنسانيّ

عندما نفقد الرّوح نموت، وعندما تفقد الأمَّة الرّوح تموت، نحن لا نريد أن نتحدَّث عن عنفٍ لنشجِّع على العنف، نحن لا نشجِّع على العنف في حركة الواقع السياسيّ في داخلنا، ولكن نقول للّذين ينظِّرون لمسألة الحريّة ـ وقد سمعنا تنظيراتٍ كثيرةً في هذه الأيّام، في بعض بلداننا العربيّة الإسلاميّة، ممن ينظّرون لحريّة الفكر، وأنَّ على الفكر أن لا يواجه بالعنف ـ نقول لهم إنّ ذلك صحيح.. لكن أيّها المثقّفون، أيها السّياسيّون، عندما تطلقون شعاراً، كونوا واقعيّين في دراسة الظّروف الموضوعيّة الّتي تتحرّك في خدمة هذا الشّعار أو ضدّ هذا الشّعار، القصَّة هي عندما ينطلق أيّ نظامٍ ليقهر تيّاراً، أو ليقهر فكراً، أو ليشجِّع على إيجاد حالةٍ مضادّةٍ لفكر معيّن، وعندما يحاصَر تيّار هنا وتيّار هناك، ولا سيَّما إذا كان إسلامياً، هل الشّعب كلّه مثقّف؟ هل الشّعب كلّه درس مسألة الحريّة في علم الاجتماع؟

عندما تفسح المجال لوضعٍ معيَّن يحاول أن يقهر عقيدة الأمَّة، فقد ينطلق هناك البعض ممن لا يعيشون مسألة الانضباط في مسألة حركة الفكر.. لقد سمعنا بالصَّرعة المعروفة الّتي تقول: "ليس هناك أيّة مجالات للتّنظيمات الإسلاميَّة، الإسلام دين، وعلى الدّين أن يعيش في المساجد بشكلٍ تقليديّ، وليس الحقّ للإسلاميّين وللمسلمين في أن ينتظموا في عمل سياسيّ".

فهناك بعض الدّول العربيَّة تقول: ليس للقوميّات أن تنتظم في تنظيم سياسيّ، لماذا؟ أنت تفكّر بهذه الطريقة، وهناك ثلاثون في المائة من الشّعب يفكّرون بطريقة أخرى، على أيّ أساس أنت كحاكم تصادر حركة هؤلاء الناس، لماذا يكون للماركسيّة حريّة في أن تنتظم في عمل سياسيّ، ولماذا يكون للاشتراكيَّة الحقّ في أن تنتظم في عمل سياسيّ، ولا يكون للإسلاميِّين الحريّة في أن ينتظموا في عملٍ سياسيّ؟ اتركوهم ينتظمون في العمق السياسيّ، وليجرّبوا حظّهم، وحاولوا أن تواجهوهم بعملٍ سياسيٍّ مضادّ، أنتم تتحدّثون عن الديمقراطيّة، ولكن لماذا تكون الديمقراطيّة في دائرة خاصَّة؟

بعضهم يقول، إذا كان هناك حزب إسلاميّ، فمعناها أنَّ الَّذين هم خارج نطاق الحزب ليسوا مسلمين، وإذا كان هناك حزب وطنيّ، فمعناها أنَّ الّذي لا ينتمي إلى الحزب ليس وطنيّاً، هذه كلمات يعوز قائلها فهم كلماته في هذا المجال.

إننا نريد أن نقول: من يزرع الرّيح يحصد العاصفة، عندما تخنق أيَّ تيّار، فلا بدَّ من أن يعبّر عن نفسه. قد يكون بعض النّاس يعبّرون عن أنفسهم بطريقة حضاريّة، وقد يعبّر بعض الناس عن أنفسهم بطريقة بدائيّة، لأنَّ كثيراً من الأنظمة تعبّر بطريقةٍ بدائيَّة، والنّاس يتعلَّمون من الأنظمة في ذلك كلّه.

أيّها الأحبّة، في الظّروف الصّعبة التي نعيشها، والّتي يُراد لنا أن نسقط كأمَّةٍ في كلِّ هذه التَّهاويل الإعلاميَّة والسياسيَّة، ويراد لنا أن نسقط في حركة المقاومة أمام إسرائيل، نعتبر ـ ولا نقولها شعاراً، لكنّنا نقولها بعقل بارد جدّاً ـ أنّ أيّ صوت يرتفع ضدّ المقاومة، أيّاً كانت المقاومة، إسلاميّة ووطنيّة، وإنَّ أيَّ تعقيدٍ لعمليّة المقاومة، يمثّل انتصاراً لإسرائيل.

لا تسقطوا أمام حصار الحاضر، لا تسقطوا أمام تهاويل الحاضر إذا ضاق بنا الحاضر، فإنّ هناك مستقبلاً كبيراً يمكن أن نجد فيه أكثر من أفقٍ للحريَّة، وأكثر من أفقٍ للعدالة، وأكثر من أفقٍ لإغناء إنسانيَّتنا بكلِّ ما نعيشه من غنى الإنسانيَّة.

ادرسوا القضايا من خلال إنسانيَّتكم، ولا تدرسوها من خلال أنانيّاتكم، لأنَّ الإنسان عندما يكون إنساناً سوف يكون أمَّة، سوف يكون كمثل النّور الَّذي ينطلق من الشَّمس، وكمثل الماء الّذي ينطلق من الينبوع.

أيّها الأحبّة، في الختام، أحبّ أن أعبّر عن أعمق مشاعري وأحاسيسي تجاه كلِّ الأخوة والأصدقاء الّذين واسونا في مصابنا هذا.. أسأل الله أن يعظِّم لهم الأجر، وأن يحفظهم جميعاً، وأن يربط على قلوبهم، وأن يوفّقنا جميعاً لمرضاته.

 [الكلمة الَّتي ألقاها سماحة المرجع السيِّد محمّد حسين فضل الله في الحفل التّأبينيّ لمرور أسبوع على وفاة والدته: 18-6-1992].


[1] [البقرة: 74].

[2] [فصّلت: 34].

[3] [البقرة: 237].

[4] [النحل: 126].


مواضيع اخرى للكاتب

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر