اليوم: الجمعة2 ذي الحجة 1443هـ الموافق: 1 يوليو 2022

صلاة الجمعة وأحكامها

محمد عبدالله فضل الله

صلاة الجمعة من الصّلوات المهمّة التي دعا إليها الشّرع الحنيف، وحضّ عليها، لما فيها من فائدة روحيَّة وعباديَّة عالية عند الله تعالى. وتبقى بعض التّساؤلات موجودةً حول وجوب إقامتها وشروطها، والتّفاصيل المتعلّقة بذلك، وقد طرح الفقهاء آراءهم في هذا الموضوع، ووضَّحوا أحكامه وتفاصيله.

بالنسبة إلى المبنى الفقهيّ لوجوب صلاة الجمعة، فإنّ المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض) يقول إنَّ صلاة الجمعة واجبة، وإنّ الله تعالى لم يقيّدنا بقيد، بمعنى أنّ الوجوب مطلقٌ بصريح قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ}[الجمعة: 9]، ويشير سماحته(رض) إلى الجدل بين العلماء حول وجوبها ـ صلاة الجمعة ـ بين الوجوب التّعييني والوجوب التّخييري، أي أنَّ الإنسان مخيّر بين صلاة الجمعة وصلاة الظّهر.

ونورد ما ذكره المرجع السيّد فضل الله(رض): "لم يقيّدنا الله تعالى بقيدٍ في ذلك، فلم يقُل إذا كان المعصوم حاضراً، بل أطلق الوجوب، وعندما يطلق الوجوب، فعلينا أن نثبّت الطّاعة في هذا الوجوب، وأمّا شروط إقامتها، فهي واجبة حسب قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، حيث يحرم البيع وقت ذكر الله. وكان هناك جدل بين علماء الشّيعة أو حتى علماء السنَّة، وهو: هل يشترط في صلاة الجمعة وجود دولة إسلاميّة، بحيث يعيّن الخليفة أو الإمام إمام الجمعة، أو لا يفترض وجود الدّولة الإسلاميّة؟ فعلى رأي البعض أنها مشروطة، لأنَّ الشّرط هو وجود الإمام المعصوم أو نائبه الخاصّ، وهذا أمرٌ ليس موجوداً الآن، بحسب الواقع الظّاهر، وبعضهم لا يقولون بذلك، وقد اختلفوا بين من يقول بالوجوب التعييني، وهذا ربما نراه أقرب إلى الحقّ، ومن يقول بالوجوب التّخييري، والرأي الغالب في العصور المتأخّرة، أنَّ الإنسان مخيّر بين صلاة الجمعة وصلاة الظّهر، فهي واجب تخييري، وهناك من يقول بالوجوب التّخييري، ويرى أنّه إذا أقيمت وجب الحضور، وهذا هو رأي السيد الخوئي(قده)، حيث كان يقول بالأحوط وجوباً، فشرط الجمعة أن يجتمع سبعة أحدهم الإمام، وأن يكون هناك من يخطب فيهم، ويكون الإمام عادلاً في دينه، هذه هي الشروط العامّة لصلاة الجمعة".

ويلفت سماحته(رض) إلى أهميّتها (صلاة الجمعة) في ميزان الثّواب عند الله، ما يفترض تأكيد أهمية حضورها والتزامها، يقول: "فلو فرضنا أنّه لا يجب الحضور، لكنّنا يجب أن نعرف ما هي قيمتها في الحسابات العباديّة من حيث الثّواب، ولدينا حديث عن رسول الله(ص) أنَّ أعرابيّاً جاء إليه، وقال: يا رسول الله، حاولت أن أحجّ عدة مرات، ولكن لم أوفَّق من ناحية مادّية، وأريد أن أحصل على ثواب الحجّ، فقال(ص): "عليك بصلاة الجمعة، فإنّها حجّ المساكين"، أي أنَّ الإنسان الذي يصلّيها يُثاب بثواب الحجّ..

فعندما نقرأ الأحاديث، هل نتساءل عن وجوب الحضور أو عدم وجوبه؟ فلو فرضنا أنّ أحدهم يريد أن يقدِّم عشرة دولارات لكلّ من يحضر صلاة الجمعة، أما كنّا رأينا أن البلد لا تتَّسع للمصلّين في يوم الجمعة، وعندها هل نسأل بأنّ حضورها واجب عينيّ أو تخيّري؟ ولكنّ بعض الناس يعيشون العقدة الذاتيّة حتى في موضوع صلاة الجمعة، ويحاولون صدّ الناس عن ذكر الله وعن الصلاة بطريقة معقّدة لا تنفتح على الخير للناس في عباداتهم وقرباتهم إلى الله".

وقد سُئِل سماحته(رض) عن الإتيان بصلاة الظّهر بعد صلاة الجمعة احتياطاً، فأجاب: "نحن نرى أنَّ صلاة الجمعة تغني عن الظّهر، ولذلك إذا صلّى الإنسان الجمعة بشروطها الشّرعيَّة، فلا يجب عليه أن يأتي بصلاة الظّهر". [كتاب "النّدوة"، ج 1، ص 692 ـ 694].

وعن صورة صلاة الجمعة، فهي ركعتان كصلاة الصّبح تماماً، وتتميَّز عنها بأنّ المستحبّ فيها قنوتان: قنوت قبل ركوع الركعة الأولى، وقنوت بعد ركوع الركعة الثّانية، إضافةً إلى خطبتين قبل الصّلاة.

ويشترط لصحّة صلاة الجمعة، على رأي سماحة المرجع فضل الله(رض) أمور:

أن تؤدَّى جماعةً، وأن لا يقلَّ عدد المشتركين في الجمعة عن خمسة أحدهم الإمام، وأن تسبقها خطبتان من قِبَل إمام الجمعة، وأن لا تكون قد أقيمت جمعة أخرى في أقلّ من مسافة فرسخ عنها، وهو عبارة عن خمسة كيلومترات ونصف الكيلومتر تقريباً، وتبطل الصّلاتان معاً إذا بدأتا في الوقت نفسه، مع علم كلّ واحدةٍ بالأخرى، وإلا صحّت السّابقة وبطلت اللاحقة.

ويُستثنى من وجوب حضورها أشخاص:

مَن كان في الحضور ضرر أو حرج أو مشقّة شديدة عليه، المرأة، المريض والأعمى، والشيخ الكبير، المسافر سفراً يوجب عليه التقصير في الصلاة، من كان يبعد عن مكانها مسافة فرسخين يقدّران بحوالى أحد عشر كيلومتراً.. ولكنّ هؤلاء لو تكلَّفوا الحضور صحّت منهم صلاة الجمعة، دون حاجة إلى أن يصلّوا الظّهر بعدها.

لا يجوز لمن وجب عليه الحضور السَّفر عند ظهر يوم الجمعة، إلا إذا كان يمرّ على جمعةٍ أخرى فيصلّي فيها.

يبدأ وقت صلاة الجمعة عند الزّوال، ويمتدّ إلى وقت العصر الفلكيّ المذكور في التّقاويم المذكورة، فإذا لم تُقم حتى ذلك الحين، وجب أداء الصّلاة ظهراً لا جمعة.[كتاب "أحكام الشّريعة"، ص 133 ـ 135].

وقد سُئِل المرجع فضل الله(رض) عن صحَّة الصّلاة خلف غير الشّيعي، وعن نيّة صلاة الجمعة، فأوضح: "يجوز الائتمام بالمخالف في صلاة الجمعة، على أن تسجد على ما يصحّ السّجود عليه، والأحوط وجوباً الإتيان بالظّهر قبل العصر بعد الانتهاء منها، والنيّة محلّها القلب، وهي مجرّد العزم على الفعل، فلو عزم على الصّلاة المذكورة تحقَّقت نيّتها". [المسائل الفقهيّة، العبادات، ص 349].

وعند المرجع السيد السيستاني، صلاة الظهر واجب تخييريّ، لا يتعيّن على المكلّف الحضور فيها، وإن أقيمت بشرائطها، وإن كانت أفضل من أداء الظّهر. [استفتاءات].

وعند أهل السنَّة والجماعة، فإنَّ صلاة الجمعة واجبة بنصِّ الكتاب والسنَّة والإجماع، وبنصّ الآية المباركة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ}، والأمر في الآية للوجوب، وهي فرض عين لا كفاية، وقد وجب على كلِّ إنسانٍ أن يفعله.[فتاوى].

نرجو أن نكون قد عرضنا قدر الإمكان موضوع صلاة الجمعة وأحكامها، وذلك تأكيداً لأهميّتها وفائدتها.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر