اليوم: الخميس6 جمادى الثانية 1439هـ الموافق: 22 فبراير 2018

التنوّع الدّينيّ في ظلّ التحدّيات الرّاهنة*

السيد جعفر فضل الله

نعلم جميعاً أنّنا نمرُّ بواقعٍ غير مسبوقٍ؛ نختصره بأنّه الواقع الّذي تُخرج فيه المجتمعاتُ البشريّة كُلَّ ما فيها من أفكارٍ وأساليب واتّجاهات وسلوكيّات، كمّاً ونوعاً، وقد باتَ ذلك النّتاج عصيّاً على الحصر والضّبط، ولا سيّما مع انتشار وسائل الاتّصال الحديثة والمتطوّرة والذّكيّة، حتّى بات الفردُ الواحدُ قناةً تبثُّ مباشرةً على الهواء حتّى من الغُرف المغلقة، والكهوف المظلمة.

ثمّة مظاهر عديدة ساعدت في تعميق الأزمة؛ قد يكون من أهمّها:

1ـ ضعف تأثير المؤسّسات الدّينيّة المركزيّة والكبرى، وذلك بسبب عوامل عديدة، ربّما كان من أهمّها، عدم انخراط تلك المركزيّات في تطوير نفسها، أو خطابها الدّيني، لمواكبة المجتمعات المتغيّرة بوتيرة سريعة، بحيث لم تعد الوسائل التقليديّة قادرة على الإجابة عن أسئلتها المطّردة، وإشكالاتها المتنامية، حتّى في ما خصَّ الدّين نفسه. وربّما يكمن الخطر بالنّسبة إلى هذه النّقطة، أنّ كثيراً من هذه المؤسّسات الدّينيّة، لا يزال غير واع لوجود مثل هذه الفجوة، وبالمستوى المطلوب.

2ـ إضعاف المركزيّات السياسيّة في عدد من الدّول العربيّة الّتي تحرّكت فيها الشّعوب مُطالبةً بحرّياتها وبتطوير نظامها السياسيّ، حيث دخلت جهات سياسيّة إقليميّة ودوليّة على خطّها بهدف حرفها عن مسارها. وربّما يكون أحد أهمّ العوامل المساعدة على زيادة الضّعف، هو الطّفرة في الانتقال من الاستبداد المطبق ـ بما يختزنه من ثقافة مأزومة ومنغلقة ـ إلى الحرّية المنفلتة مدعومةً بكلّ وسائل الاتّصال والتّواصل الحديثة.

3ـ الجماعات المأزومة في نشأتها وتربيتها وأساليبها، والّتي يُطلق عليها اسم الجماعات التّكفيريّة، والّتي أتاحت لها وسائل الاتّصال الحديثة القدرة على التّواصل والوصول إلى داخل البيوت، والتّأثير في العقول الصّغيرة والكبيرة على حدٍّ سواء. ويمكن أن نلمح لدى هذه الجماعات سطحيّة في الفكر والمعايير المقاربة للواقع، وانغلاقاً في الظّروف المجتمعيّة عموماً، وتوسّل هذه الجماعات المحافظةَ على ذاتها عبر ممارسة الإلغائيّة والإقصائيّة ضدّ الآخر (بالخطاب العنفيّ نفسه، أو بممارسة العنف وصولاً إلى القتل وسفك الدّم)؛ كما أنّ الجماعة التكفيريّة تمثّل وحدةً إيمانيّة، وبالتّالي، لا يقتصر تكفيرها على المختلف دينيّاً، بل يطاولُ حتّى المتّفق معها مذهبيّاً.

4ـ ضمور الإحساس الجامع، والمتمثّل بالقضايا الكُبرى المشتركة الّتي تهمّ المنطقة، أو شعوبها، أو الأمّة؛ حتّى تمّ التّنازع في شأن العدوّ الخارجيّ، وإذا كنّا لا نزال غير قادرين على تفعيل نقاط وحدتنا الذاتيّة، فضمور الإحساس بالقضايا الكُبرى، يُفقدنا الوحدة عبر فكرة العدوّ المشترك الخارجيّ. ومن الطبيعيّ عندئذٍ أن يكون البديل هو تقلّص صورة العدوّ إلى حدود المحلّة والقرية وحتّى العائلة والجوار، فضلاً عن البلدِ والكيان السياسيّ الجامع.

ودورُنا هو أن نعمل على تجذير نوعٍ من الثّقافة، تبقى ـ ولو كامنةً ـ في الوجدان الشّعبي، لتعطي الحياة عندما تتبدّل الظّروف والأوضاع، ويأتي جيلٌ يُمكنه أن يحمل رسالتها.

وربّما يكون من المفيد لنا إثارة التّفكير في نقاط عدّة:

أوّلاً: التّركيز على النّقاط المشتركة التي تهمّ المسلمين والمسيحيّين بعيداً عن سياسة تسجيل النّقاط، وإدارة الحوار حولها في الأطر الّتي تملك مساحةً أكبر من الحرّية قياساً بالأطر الرسميّة الدّينيّة أو السياسيّة، وذلك بهدف تشكيل ثقافة مشتركة، يُمكن إنزالها إلى الأرض عبر التّثقيف الدّيني المتوجّه إلى الرعيّة والشّرائح الشعبيّة بشكل خاصّ.

ثانياً: الإصرار على إخراج أصحاب الفكر التّكفيريّ، إلى أيّ دينٍ انتموا، إلى الهواء الطّلق، وهذا يتطلّب إقامة الحوارات المتنوّعة حول مواضيع ذات اهتمام مشترك، ولو نسبيّاً؛ والهدف من ذلك، أن تحتكّ تلك الجماعات بالآخر الحقيقيّ، لا بالآخر المتصوّر والمتخيّل الّذي أمّنته له ثقافته التكفيريّة. وهذا يجعلنا نؤكّد على الحوار الإسلامي ـ الإسلامي من دون استبعاد أحدٍ، وعلى الحوار الإسلامي المسيحي كذلك.

ثالثاً: استثمار مبادئ التّسامح والرّحمة وغيرها في المسيحيّة والإسلام، في سبيل التّخفيف من حدّة الحالة الإلغائيّة الّتي يُراد جعلُها مناخ العصر كلّه.

رابعاً: الحفاظ على الكيانات السياسيّة الحاليّة بكلّ عناصر قوّتها ضدّ مشاريع التّقسيم والتّفتيت، عبر إشاعة ثقافة المواطنة، حتّى لو شابتها بعضُ الشّوائب الّتي يُمكن تأجيلها، لأنَّ الهدف هو مقاومة تلك المشاريع التقسيميّة والتفتيتيّة، حتّى لا نرجع قبائل متناحرة، باسم الدّين والطّائفة والمذهب.

خامساً: ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في التّعبير عن الكفاءات، وذلك في إطار الوطن، وإحلاله مكان ثقافة المحاصصة الطّائفيّة؛ لأنّ السارق والمرتشي والمرتهن لا دين له ولا مذهب ولا طائفة، وإنّما هو مستغلٌّ للدّين لتحقيق أطماعه وجشعه وأنانيّته، وذلك بعيدٌ كلّ البعد عن قيم السّماء في كلّ الأديان. وبذلك لا يتسلّم زمام إدارة العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة، أو يؤثّر فيها، الّذين لا يحملون قيم الإسلام والمسيحيّة، والّذين يعمدون ـ عادة ـ إلى منطق اللّعب على التناقضات، ليحافظوا على امتيازاتهم الضيّقة ومنافعهم الشخصيّة.

سادساً: عدم نقل أيّ مواجهة إعلاميّة أو ثقافيّة من مواجهة منطق التّكفير إلى مواجهة الإسلام؛ لأنّ هذا قد يستفزّ المشاعر الشعبيّة، الّتي غالباً ما تتحرّك على السّطح، وستُحرج القوى العقلانيّة والمعتدلة، ممّا بتنا نراه على شكل مزايدات جهات موصوفة بالعقلانيّة على الخطاب التّكفيريّ، لكسب رضى الشّارع الّذي يُراد له أن يبقى غرائزيّاً في تفاعله مع القضايا المُثارة من حوله.

سابعاً: تأكيد الوجهة العقلانيّة للدّين؛ بل التّطابق بين حركة الدّين (القيم والشّريعة) وحركة الكون (نظام الخلق)؛ لأنّ الكلّ من عند الله، وهذا الإصرار على عقلانيّة الدّين هو الّذي يضيّق المساحة على أيّ اتجاه غير عقلانيّ يفصل بين الدّين والعقل، فيفقد بالتّالي أدنى مستوى من المعايير القيميّة. ولهذه الوجهة دورٌ فعّال في تخفيف العصبيّة؛ لأنّ هناك تناسباً عكسيّاً بين العقلانيّة والعصبيّة، فكلّما ارتفعت الأولى انخفض منسوب الثّانية، وارتفاع الثّانية دليل على انخفاض الأولى.

ثامناً: تأكيد الخطاب الدّيني والثقافي المسيحي على القيم الّتي لا تجعل المؤمن المسيحيّ بعيداً عن قضايا المنطقة الكُبرى، وفي مقدّمها القضيّة المركزيّة، وهي فلسطين؛ نقطة الارتكاز في التاريخ الإيماني الإسلامي والمسيحي على حدٍّ سواء.

أخيراً: التّلاقي العمليّ المشترك على مستوى المركزيّات الدينية المؤثّرة، وتحديداً الفاتيكان والأزهر والنّجف وقمّ وغيرها، في سبيل إشاعة الأجواء الانفتاحيّة العالميّة، والّتي من شأنها أن تقاوم المشاريع الشيطانيّة تجاه المنطقة. ومع أنّ ثمّة عقبات تعوق الطّريق إلى ذلك؛ إلا أنّ لهذه النّقطة أثراً كبيراً، ليس على المستوى النّفسيّ فحسب، بل على مستوى انفتاح النّتاج المعرفي الدّيني والمذهبي، في مقابل الانغلاق الفكريّ الّذي انغلقت فيه كلّ جماعةٍ دينيّة على معارفها ومناهجها، وهذا ـ في حدّ ذاته ـ اختزالٌ لمنطق العلم نفسه الّذي يأبى إلا الانفتاح على كلّ فكرةٍ، بغضّ النّظر عن المجال الّذي أنتجت فيه.

 

*مداخلة ألقيت في اجتماع الرابطة الكهنوتيّة في إكليريكية مار أغسطينوس في كفرا (عين سعادة ـ لبنان).

المصدر: جريدة السفير اللّبنانيّة

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن هل يقرأ المؤمن القصص العاطفيّة؟! كنيسة سويدية تدعو لرفع أذان الجمعة الإيمان وفعل الخير توأمان لا ينفصلان. 30 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 16 شباط 2018م السّبت أوّل أيّام شهر جمادى الثانية 1439 هـ فضل الله ببناء الإنسان وتعزيز القوة والوحدة ننهض بالوطن زعيم اليمين المتطرّف فى إيطاليا يدعو لإغلاق 800 مسجد منبر الجمعة: 23 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 9-2-2018م مؤذّنون في معهد موسيقيّ متى يصبح حبّ المال شرّاً؟! أسمع بسبِّ الذَّات الإلهيَّة.. كيف أتصرّف؟
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر