اليوم: الأربعاء4 جمادى الأولى 1443هـ الموافق: 8 ديسمبر 2021

عاشوراء: حكاية قيم تتوارثها الأجيال

فاطمة خشّاب درويش- خاص بينات

لعلّ من أبرز الإشكالات التربويّة التي يواجهها الأهل مع تجدّد ذكرى عاشوراء الإمام الحسين(ع)، تتمثل بكيفيّة تقديم هذه الذكرى للأطفال الذين غالباً ما يربطون هذه المناسبة ببعض المظاهر الشكليّة، كلبس السواد والبكاء. غالباً ما يسأل الطّفل عن سبب البكاء وعن تفاصيل كثيرة لها علاقة بهذه الذّكرى الأليمة، يحار بعض الأهل في هذه المواقف، منهم من يتجنّب الدّخول في تفاصيل ما جرى في كربلاء، فيما لا يتردّد البعض الآخر في ذكر ما جرى، دون مراعاة لعمر الطّفل وانعكاسات ذلك على الناحية النفسيّة، مستخدماً مصطلحات الذّبح والقتل وما إلى ذلك من توصيفات.

وبين متردّد في توضيح صورة ما جرى في كربلاء، وآخر مستسهل تقديم الوقائع بقساوتها، يبرز السّؤال الأهمّ: كيف يجب أن نقدّم عاشوراء الإمام الحسين(ع) لأطفالنا؟ بأيّة صورة، ووفق أية معايير؟

عاشوراء ...نهج الصالحين

لا يمكن فصل التعاليم والمفاهيم التي حملتها ثورة الإمام الحسين(ع) عن المفاهيم الإسلامية التي أوصانا بها الله سبحانه وتعالى، ورسوله(ص)، والأئمّة(ع)، فما قام به الحسين(ع) يندرج في إطار رفض الظلم ومواجهة الفساد ورفض البيعة للحاكم الظالم، مفاهيم عظيمة يفترض أن نركّزها في العملية التربوية لأطفالنا، حتى يشبّ الطّفل على حبّ الحقّ ورفض الظلم ومواجهة الفساد أينما كان.

يؤكد سماحة الشيخ زهير قوصان أهميّة تنشئة أطفالنا على المبادئ الإسلاميّة التي من شأنها أن تصوغ شخصيّة متوازنة قويّة ومتميّزة، لها القدرة على المواجهة من خلال حضورها البارز في مختلف مواقع الحياة، مشدّداً على ضرورة أن يعي الآباء والأمّهات أهميّة الدّور المنوط بهم، لجهة تعريف أولادهم على الدّين وتعاليمه، حتى يربوا على حبّ الله ورسوله والأئمّة(ع). ويقول: "من أسس التربية الصّحيحة، أن نؤدّب أطفالنا على الخلق السّليم والأدب الرّفيع، يجب أن يكون همّنا الأساس أن نعرّف أبناءنا إلى الله وحقيقة التوحيد، بالطّريقة التي تتناسب مع قدراتهم على الفهم والاستيعاب، أن نربّيهم على المفاهيم الاعتقادية بشكل تدريجيّ، حتى يصلوا إلى مرحلة البلوغ والتّكليف، وقد يتحصّنوا بمعارفهم الإسلامية التي تساعدهم على خوض الحياة ومواجهة تحدّياتها".

وأمّا عاشوراء، فيدرج سماحة الشّيخ قوصان هذه الذّكرى في إطار العلاقة مع أهل بيت النبوّة(ع)، الّتي يجب أن يحرص كلّ مسلم على غرسها في صدور أبنائه وعقولهم وقلوبهم، فالإمام الحسين حفيد رسول الله، صلوات الله عليه، استشهد دفاعاً عن الإسلام، ضحّى بأهله وعياله حتى يبقى الإسلام، لم يبخل بتقديم النّفس فداءً للإسلام العظيم، وعلينا أن نربّي أولادنا على هذا الدرب.

المفاهيم الدينيّة.. أسلوب حياة

تؤكّد الأستاذة فاطمة نصر الله، المتخصصة في الإدارة التربوية، أنّ "الإنسان يولد ولديه كافّة الاستعدادات للنموّ المتوازن والنّماء المطلوب. ويعتبر الاستعداد الرّوحيّ من أهمّ الاستعدادات المتوفّرة لديه، والّتي يطلق عليها عامّةً عنوان "الفطرة"، إذ إنّ الإنسان بطبيعة خلقه يميل ويأنس للنّشاطات الروحيّة، والتي نقوم بها على شكل التزامات تطبيقيّة تعبديّة تارةً، وتارةً أخرى سلوكية تواصلية. من هذا المنطلق، يمكننا القول إنّ المفاهيم الدينيّة هي أسلوب حياة لدى الإنسان، ومن خلالها، يمكن أن تتشكّل لديه منظومة القيم الّتي تعتبر حاكماً على تصرّفاته".

وتضيف: "يحتلّ الطفل في منظومة اهتماماتنا المساحة الكبرى، وعليه، فإننا نجد أنفسنا أمامه ملزمين على تظهير المفاهيم الدّينيّة على الأقلّ من خلال أسلوبين، الأوّل، وهو التّلقيني المباشر والبسيط، والثّاني من خلال النّمذجة (القدوة) الّتي نلعب بها نحن الكبار الدّور الأهمّ، من خلال ما تقدّمه شخصيّاتنا من مفاهيم دينيّة تعكسها تصرّفاتنا".

وحول أثر المفاهيم الدّينيّة التي يتشرّبها الطّفل في صغره في شخصيّته، تعتبر الأستاذة نصر الله أنّ هذه المفاهيم هي الطريقة والأسلوب التي نشكّل بها شخصيات أبنائنا، إن من حيث المعتقدات، أو السلوك، أو اللّغة الكلاميّة، أو حدود العلاقة مع الآخر شكلاً ومضموناً.

على الأهل تجنيب أطفالهم المشاهد الدّمويّة المقزّزة التي لا علاقة لها بالحسين وثورته

عاشوراء مدرسة الأجيال

يحذّر الشيخ قوصان من مغبّة استغراق بعض الأهل في تقديم عاشوراء من خلال المشاهد الدمويّة المقزّزة، ولا سيّما مشاهد التطبير والنّدب العنيف، لما لذلك من تأثير سلبي في نظرتهم إلى الدين، فضلاً عن الصّدمات النفسيّة التي تسبّبها هذه المشاهد، والتّي لا علاقة لها بالحسين وثورته، بل هي أمور مستحدثة لم تثبت شرعيتها، ويتوقّف سماحته عند القيم العالية والغنية التي تشملها الثورة الحسينية، والتي لها الدور الكبير في بناء شخصيّة أطفالنا بطريقة سليمة، ويوضح ذلك بالقول: "إذا أحسنّا التعاطي مع أطفالنا، وعرّفناهم مسألة العدل والظلم، الحقّ والباطل، العزّة والذلّ، بطريقة تتناسب مع مراحلهم العمريّة، نكون قد زرعنا القضية الحسينية في نفوسهم، سيشبّون على حبّ الحسين وأهل البيت(ع) وسيكونون دعاة للحسين بغير ألسنتهم، من خلال سلوكيّاتهم وتصرّفاتهم في هذه الحياة".

مسؤوليّتنا كأهل كبيرة في زمن الخرافات والمبالغات.. وعلينا التّوازن في تفكيرن

على حبّ الحسين(ع)

لم نكن نعلم أنّ السيّدة مريانا نشار تعيش تجربة قاسية مع ابنتيها إيمان وإسراء بسبب فقدان زوجها وهما في عمر الثّلاثة أشهر، سألناها عن كيفية التعاطي معهما في عاشوراء، وكيف تقدّم لهما هذه الواقعة، لم نتوقّع أن تكون عاشوراء حاضرةً إلى هذا الحدّ في فكر طفلتين لم يتجاوز عمرهما بعد السّبع سنوات، وهذه كلماتها التي تعبّر عن مدى حضور المفاهيم الحسينيّة في حياتهما. تقول:

"في عمر الثّلاثة أشهر، توفي زوجي في عارض صحّي مفاجئ، وجدت نفسي في هذه الحياة مع ابنتيّ دون الزّوج والأب والمعين، وعلى الرّغم من مساندة الأهل الّذين يقدّمون كلّ أشكال الدّعم والمساندة إلا أنّ الحياة صعبة بلا شكّ بغياب الأب والسّند، حينها تذكّرت مصاب السيّدة زينب(ع)، واستمدّيت القوّة والصبر من صبرها وعزيمتها ورباطة جأشها في كربلاء. وعند سؤال ابنتيّ عن الوالد، أذكر لهما رقيّة طفلة الحسين(ع) وأطفال الحسين والقاسم. الحياة تتطلّب منّا الصّبر والرّضاء بقضاء الله، أذكر كم ضحّى الإمام الحسين من أجل الإسلام، فهو رفض الظّلم وواجهه، أعلّم ابنتيّ أن تواجها الظّلم أينما كان، أن لا تصمتا إذا ما وجدتا ظلماً وكذباً وافتراءً. مسؤوليّتنا كبيرة في زمن الخرافات والمبالغات، ونحن الّذين تربّينا تحت منبر المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، الّذي علّمنا أن نتوازن في  في تفكيرنا في كلّ شيء. عاشوراء هي عقل وعاطفة، ولا يمكن أن ننجرّ إلى تربية أولادنا على التعصّب".

كيف نقدّم عاشوراء لأطفالنا؟

تقدّم الأستاذة فاطمة نصر الله لكلّ الأهل المهتمّين بتقديم عاشوراء لأطفالهم بأسلوب تربويّ هادف، النّصائح التّالية:

- الاستفادة من الزمن القليل المتاح لمناسبة عاشوراء لخلق أجواء من التواصل الوجداني بين الأبناء والإمام الحسين، ولا سيّما أنّ طبيعة العلاقة معه(ع) تحكمها العاطفة الّتي قد يصعب تفسيرها في الكثير من الأحيان.

- الأطفال يدركون الأشياء حولهم من خلال الأدوات والوسائل، ما يلزمنا أن نحضّر وسائلنا الخاصّة التي تتماشى مع فهمهم وإدراكهم، مثال: القصّة، المسرح، اللّباس الأسود، الشّعارات، وغيرها...

- الالتفات إلى عدم ترك الأمور مبهمةً بنظر الأطفال، فالمفاهيم العاشورائية المتمثلة بالتضحية والإيثار وطاعة الله وغيرها، تحتاج إلى مصاديق عمليّة، ما يحتّم على الآباء والمربّين ضرورة ربط هذه المفاهيم بالواقع المعاش، من خلال الفئات المجاهدة التي تدافع عن الأوطان وتبذل نفوسها في سبيل ذلك.

- من المفيد جدّاً تسليط الضوء على الفئات العمرية المختلفة التي تواجدت مع الإمام الحسين(ع) في كربلاء، ومنها الأطفال، كعبد الله الرّضيع والقاسم ورقيّة وغيرهم، وذلك بهدف تماهي الأطفال مع هذه الشخصيّات، وهذا الذي يحصل عادةً لديهم في حال مواكبتهم لأيّ قصّة تلقى على مسامعهم.

- أن يلجأ الآباء والمربّون إلى خلق مساحة للحوار الهادف مع الأولاد بمختلف أعمارهم، وذلك للوقوف على القاعدة المعرفيّة المتوفّرة لديهم عن نهضة عاشوراء الإمام الحسين(ع)، والعمل على تنميتها من جهة، وتصويب المعلومات غير الدّقيقة أو الخاطئة من جهة أخرى.

أعزائي القرّاء، باختصار، إنّ ثورة الإمام الحسين(ع) وما جرى في كربلاء، لا يمكن حصره بحدود الواقعة الجغرافيّة ونتائجها العسكريّة، عاشوراء هي قيم إنسانيّة ورساليّة استطاعت بفعل قيمتها أن تتجاوز كلّ الأطر والحواجز المذهبيّة والطائفيّة والعرقيّة، وهي حكاية العزّ والإباء التي تستحقّ بجدارة أن يتوارثها الأجيال عبر الأزمان.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر