اليوم: الاثنين3 جمادى الثانية 1439هـ الموافق: 19 فبراير 2018

المرجع فضل الله(رض): الزّهـراء(ع) القدوة على مرّ العصور

محرر موقع بينات

بالعودة إلى الذاكرة، وإلى ارشيف خطب الجمعة، نستحضر ما كان ألقاه المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض) في خطبة صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بتاريخ 22 جمادى الثانية العام 1420ه/ الموافق 1/10/1999. وقد تحدّث في الخطبة الدينيّة عن أهمية ولادة السيّدة الزهراء(ع) التي شكّلت القدوة للرجال والنساء معاً، بما مثلته من الأخلاق الرسالية العالية:

"يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً}. بالأمس، كانت ذكرى ولادة سيّدتنا، سيدة نساء العالمين، السيدة الجليلة المعصومة فاطمة الزهراء(ع)، هذا اليوم الذي أُريد له أن يكون يوم المرأة المسلمة، باعتبار أن ليس هناك امرأة مسلمة يمكن أن تكون قدوةً للرجال وللنساء معاً، ولا سيّما للنساء، كفاطمة (ع)، لأنها تجمع كل الصفات التي يكبر فيها الإنسان ويعظم، ويقرب من خلالها إلى ربّه، ويتحرك في الحياة على أساس القيام بمسؤوليّته".

وعن روحانيّة الزّهراء وأخلاقيّتها، يقول سماحته:

"كانت فاطمة الزهراء (ع) الإنسانة التي ارتفعت بروحانيتها إلى الله تعالى، فعاشت معه في ابتهالاتها ودعواتها وصلواتها، وتحدّثت إليه في كل آلامها وأحزانها وحاجاتها في الحياة. إنها الإنسانة التي امتلأت علماً، وهي التي نهلت فكر الإسلام وثقافة القرآن، من الينبوع الصافي الطاهر للإسلام؛ من عقل رسول الله(ص) وقلبه وفكره وتجربته. وكيف لا يكون ذلك، وهي التي عاشت معه وتربّت على يديه، حيث كان الوحي ينـزل عليه وهي في بيته، كما أنها تعلمت هي وعلي(ع) من رسول الله(ص)، وعاشا كلّ معانيه الروحية والفكرية.

لقد حملت الزّهراء(ع) كلّ أخلاق رسول الله(ص)، فكانت الرؤوفة العطوفة والرحيمة بالآخرين، وكانت الصّابرة على كلّ تعقيدات الحياة ومشاكلها الخاصّة والعامّة. وكانت(ع) الابنة كأفضل ما تكون البنات لآبائهنّ، والزوجة كأفضل ما تكون الزوجات لأزواجهن، والأمّ كأفضل ما تكون الأمّهات لأبنائهن، والمسلمة كأفضل ما تكون المسلمات لمجتمعهن، كما أنها لم تدع فرصة إلاّ واستفادت منها، فكانت المعلّمة لنساء عصرها، والمحدّثة عن رسول الله(ص)، حيث رُوي عنها - من الرجال والنساء - أحاديث كثيرة عن رسول الله(ص). وكانت(ع) الصادعة بالحق، فوقفت أول امرأة مسلمة بين الرجال، لتخطب خطبةً فيها الكثير من علم الإسلام وفقهه واحتجاجاته".

وتابع سماحته متحدّثاً عن الوعي العالي للسيّدة الزهراء(ع)، وسيرتها الغنية التي لا بدّ من الارتفاع إلى مستواها في تمثّلنا لأخلاقياتها:

"لقد بلغ الوعي لديها درجة اتّسعت لكلّ المرحلة التي عاشتها، فقد كانت - وهي الثكلى برسول الله(ص)، والمظلومة من خلال ما جرى لها، مع ما ألقي عليها من مسؤوليّة - كانت تخرج لتدافع عن الحقّ، تارةً باستقبالها للمسلمين والمسلمات، وأخرى ـ كما تقول بعض الرّوايات - بالطواف على جموعهم لتحدّثهم عن حقّ عليّ(ع)، كان كل هذا يعيش في شخصية شابّة لم تبلغ العشرين من عمرها على أشهر الرّوايات، أو لم تبلغ الثّلاثين من عمرها على روايات أخرى. لذلك، فإنّ إنسانة تملك هذه الشخصية، حريّ بها أن تكون قدوةً للمرأة المسلمة، ولا سيّما أنها سيدة نساء العالمين. من هنا، على كلّ نساء العالمين أن يقتدين بها ويتعلّمن منها، وأن يعشن المسؤوليّة من خلال سيرتها وحياتها، وأن يرتفعن إلى مستوى الطّهر الذي ارتفعت إليه. وعليه، فإن إعزاز رسول الله(ص) لها لم يكن إعزاز أب لابنته، وإن كان للعاطفة دورها في علاقة الأب بابنته، ولكنّه إعزاز الأب النبي الذي رأى بابنته تجسيد رسالته، ولهذا حدّثنا عنها وهو يراقب كلّ فكرها فلا يرى في فكرها إلا الحقّ، ويراقب كل خطواتها فلا يرى في خطواتها إلاّ خطوات الحقّ، ويراقب كلماتها، فلا يرى في كلماتها إلا كلمات الحقّ، ويراقب كل شؤونها، فيرى فاطمة الإنسانة التي ترضى لرضى الله وتغضب لغضبه، ولذلك كان يرضيه ما يرضيها لأنه يرضي الله، ويغضبه ما يغضبها لأنه يغضب الله، فهي المعصومة التي لم تقدّم رجلاً في فكر أو قول أو عمل، ولم تؤخّر أخرى، إلا من خلال ما تعلم أنّ فيه رضى الله تعالى.

لذلك، فإن الإمام الخميني(رض)، الذي أراد ليوم ولادة الزهراء(ع) في العشرين من جمادى الآخرة أن يكون يوم المرأة المسلمة، قد بلغ الغاية من ذلك، لأن ليس هناك امرأة مسلمة أو غير مسلمة جمعت من الفضائل الروحية والثقافية والحركية ما جمعته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع)".

وأضاف سماحته داعياً إلى رعاية طاقات المرأة والعمل على تنميتها، وإلى تكامل دور الرجل والمرأة:

"وفي ضوء ذلك، ينبغي لنا - وقد أراد لنا رسول الله(ص) أن نعظّم الزّهراء (ع) كرمز للمرأة المسلمة، ونرفع من شأن المرأة في كلّ منطلقاتها - أن ننمي طاقات المرأة، فقد عمل رسول الله(ص) على تنمية طاقات الزهراء(ع)، وعمل عليّ على تنمية طاقات زينب(ع)، وهذا ما يوجب علينا جميعاً - رجالاً ونساءً - أن نعمل في سبيل أن يتكامل الرّجل مع المرأة علماً، ليكون للمرأة طاقة العلم كما للرّجل، وحركةً في المواقع التي يرضاها الله، ليكون للمرأة التحرّك إلى جانب تحرّك الرجل. إنّ الله تعالى أراد للمرأة أن تكون بنتاً ترعى والديها، وزوجة لزوجها، وأمّاً لأبنائها، ولكنه أراد لها أن تكون واعيةً للإسلام ولحركة المسؤوليّة في الحياة، وقد خسر المسلمون - كما خسر غير المسلمين في كلّ التاريخ - طاقات المرأة، عندما عملوا على إبقائها جاهلةً ومتخلّفةً، تعيش على هامش حياة الرّجل، على أساس أنَّ دور المرأة هو في البيت، ولكن ألا ينبغي أن يتحلّى من في البيت بالوعي والعلم والثّقافة؟! كيف يمكن للمرأة الجاهلة أن تربي الأولاد المنفتحين على المعرفة، وكيف يمكن لها أن تملأ حياة زوجها وحياتها بالذّات؟!

إنّ الله تعالى خلق للمرأة عقلاً وطاقةً كما خلق للرّجل عقلاً وطاقة، وأراد لهما أن يتكاملا في كلّ مجالات الحياة، ولذلك، فإنّ الإسلام، بكلّ شريعته، نـزل للمرأة والرّجل على حدّ سواء، فقد كلّف الله تعالى، في الخطوط العامّة التي يُكلّف بها النّاس في عباداتهم ومعاملاتهم وأوضاعهم، كلّف المرأة بما كلّف به الرّجل، في الصّلاة والصّوم والحجّ والخمس والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا أراد للمرأة أن تنطلق في كلّ ما يتعلّق بحياتها من إرادتها، فليس لأب أو لزوج أو لأخ أو ولد أن يضغط على إرادة المرأة فيما لا تريد، وليس لأحد أن يجبرها على زوج لا تريده أو على معاملة في أموالها لا توافق عليها، فالزّوج الذي يصادر مهر زوجته أو راتبها أو إرثها سارق، ولا يحقّ لأحد أن يضغط عليها في أيّ موقف من المواقف، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً مما لا تريده، كما ليس لأحد أن يجبر الرّجل على ما لا يريد، فللمرأة إرادتها المستقلّة، وللرّجل إرادته المستقلّة، الزواج بالإكراه باطل، سواء أُكره عليه الرجل أو المرأة، البيع بالإكراه باطل، وهكذا في كلّ المعاملات".

والمرأة كائن منتج وفاعل في الحياة، وهي والرجل متساويان عند الله تعالى:

"إن الله تعالى أراد للمرأة أن تكون إنساناً فاعلاً في الحياة، وأن تشاطر الرّجل في النتاج الإنساني، في إنتاج العلم والواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، طبعاً كلٌّ بحسب ظروفه، فنحن لا نقول للمرأة أن تترك بيتها، كما لا نقول للرّجل أن يترك بيته أو عمله، لكن هناك مساحة للأب خارج نطاق عمله الأبوي، ومساحة للأمّ خارج نطاق عملها الأمومي، لا بدّ من أن يعطي الرجل والمرأة جهدهما فيها من أجل المجتمع كله، ولذلك رأينا أن الله تعالى يقول: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض - يتناصرون ويتعاونون ويتساعدون - يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، فكما أنّ هناك معروفاً سياسياً وفقهياً واجتماعياً واقتصادياً، فإنّ هناك في المقابل منكراً من هذا القبيل أيضاً.

وعندما ندرس ما حدّثنا به الله تعالى في القرآن الكريم في الخطوط العامّة التي يريد للمرأة ـ كما للرجل ـ أن تتّصف بها، فإننا نرى أنّه لم يفرّق بين المرأة والرّجل فيما يريد إعطاءه لهما. ولنقرأ هذه الآية المباركة في سورة (الأحزاب): {إنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصّادقين والصّادقات والصّابرين والصّابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدّقين والمتصدّقات والصّائمين والصّائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذّاكرين الله كثيراً والذّاكرات أعدّ الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً}، فالله تعالى عندما تحدث عن كل هذه النماذج، فإنه تحدّث أنّ الرّجل والمرأة يتساويان عند الله في ما يمنحهما من الأجر ويعطيهما من المغفرة، وعندما يكلّف الله الرجل والمرأة، فإنه لا يفرّق بينهما، وهذا ما نلاحظه في الآية الكريمة: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم - فالرجل والمرأة أمام أوامر الله ونواهيه، لا يملكان أن يفكّرا في إمكانية القبول أو الرفض، ولذلك ليس هناك أمام الله كلمة "أنا حرّ" - ومن يعصِ الله ورسوله - في ما أمر الله ورسوله به أو في ما نهيا عنه -فقد ضلّ ضلالاً مبيناً}، وفي الجانب الآخر،فإن الله لا يضيع {عملَ عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى}".

وختم سماحته(رض) الخطبة الدينية بدعوته إلى رفع شأن المرأة في المجتمع، بما يناسب وضعها، ويرتقي بها إلى القرب من الله تعالى:

"في يوم المرأة المسلمة، لا بدّ لنا من أن نعمل جميعاً لنرفع شأن المرأة المسلمة في المجتمع الإسلامي، ولنواجه التحدّيات الصّعبة في كل المجتمع الكافر والمستكبر الّذي يستخدم المرأة في غير مواقع رضى الله، ويعمل على انحرافها لتبتعد عن إسلامها فكراً وروحاً وسلوكاً. إنّ الله تعالى ضرب مثلاً امرأة فرعون الّتي رفضت كلّ سلطانه لتقترب من الله، ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين. إنّ الله يريد للمرأة أن ترتفع إلى مستوى القرب منه، ويريد للرّجل أن يرتفع إلى مستوى القرب منه، {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن كنيسة سويدية تدعو لرفع أذان الجمعة الإيمان وفعل الخير توأمان لا ينفصلان. 30 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 16 شباط 2018م السّبت أوّل أيّام شهر جمادى الثانية 1439 هـ فضل الله ببناء الإنسان وتعزيز القوة والوحدة ننهض بالوطن زعيم اليمين المتطرّف فى إيطاليا يدعو لإغلاق 800 مسجد منبر الجمعة: 23 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 9-2-2018م مؤذّنون في معهد موسيقيّ متى يصبح حبّ المال شرّاً؟! أسمع بسبِّ الذَّات الإلهيَّة.. كيف أتصرّف؟ فضل الله وحدة مكوناتنا الداخلية تحمي أوطاننا
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر