اليوم: الجمعة11 شعبان 1439هـ الموافق: 27 ابريل 2018

في ذكرى غياب العلّامة الشّيخ أحمد الوائلي

محمد عبدالله فضل الله

تمرّ السّنون، ويبقى الكبار كباراً في قلوبنا وعقولنا، وفي الحياة التي زرعوها كلماً طيّباً ونافعاً يؤتي أكله كلّ حين. إنها ذكرى رحيل كبير من كبار الإنسانيّة والعلم، العلامة الدكتور الشّيخ أحمد الوائلي، الذي لايزال حاضراً في أسماع الواعين والمؤمنين، بما تركه من توجيه ووعظ، ودعوة لله بكلّ إخلاص، وبما أسّس لمنبر حسيني أراده منبراً للعلم والمعرفة في وجه الجهل والتخلف، وأراده منبراً يليق بالإمام الحسين(ع) ونهضته المباركه، وأراده منبراً للثقافة الإسلامية الأصيلة في زمن الترهات والسخافات وزمن انتشار الضّلالات.

لقد كان كبيراً في حياته بما أعطى وضحّى وواجه، وبقي وسيبقى كبيراً في مماته، إذ إنّ ما تركه من تراث علمي ومعرفي وثقافي، يبرز مدى أصالته ومدى موسوعيّته وإحاطته بالأمور، ويبرز مدى خبرته وتمكّنه من الأسلوب الخطابي المميَّز الذي يأسرك لجدته ومرونته وحيويته.

ولقد كان الشّيخ الوائلي موضع تقدير العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، وله في قلبه مكانة خاصّة، لما قدّمه للإسلام من خدمات لا تنسى، وبخاصّة للمنبر الحسيني المبارك. ونستحضر بعضاً من كلام سماحته(رض) في ذكرى غيابه:

"استطاع الشيخ الوائلي أن يفتتح منهجاً جديداً في إغناء المنبر الحسيني، ليكون متحرّكاً بالثقافة المتنوّعة، وليجمع مختلف الطبقات من المثقّفين وغيرهم، ومن أتباع المذاهب والأديان الأخرى، ما فتح لقضيّة عاشوراء أفقاً رحباً ومجتمعاً جديداً، واستطاع الإيحاء إلى بعض الخطباء الناشئين بالاقتداء به في أسلوبه الحضاري.

وربّما واجه هذا الخطيب المجدِّد، كما واجهت الطليعة الإسلاميّة الرساليّة والمثقّفون، مشكلة التراجع لدى القائمين على شؤون المنبر الحسيني، إقامةً وقراءةً، بالارتداد إلى الوراء، واستغلال الناس بإثارة الخرافات والأكاذيب، واستغلال الأصوات المثيرة للبكاء فقط، لاجتذاب الناس على حساب الخطباء الطليعيّين، حتى أصبح الكثيرون من أولئك، هم الذين يتولّون تثقيف الناس بعقائدهم وأوضاعهم، في الوقت الذي لم يكونوا يملكون علماً ينفتح بهم على الحقيقة.

وقد كان خطيبنا الرّاحل (رحمه الله) يتألّم من ذلك كلّه؛ لأنّه كان يرى أنّ الحركة التصحيحية والتغييريّة بدأت بالانحسار في كثير من الأوساط الشعبيّة، التي ترى أنّ العادات التي أدمنها الناس في التعبير عن انفعالهم بالمأساة العاشورائيّة، أصبحت من المقدَّسات، حتى إنّ البعض في الحوزة وخارجها، كان يرى أنها من الشعائر التي تعدّ الوسيلة الوحيدة لارتباط الناس بأهل البيت(ع)، مع أنَّ كثيراً منها لا ينسجم مع أبسط القواعد الشرعيّة، فضلاً عن الجانب الحضاري للإسلام، إذ إنَّ الكثير منها كان يتحرّك في خطّ تشويه القيم الإسلاميّة، بدلاً من أن يشكّل حركةً في رفع مستوى الوعي وحيويّة الوجدان الإسلامي، الذي أراد الإمام الحسين(ع) تأكيده في نفوس الأمّة في زمانه وفي حركة الزمن كلّه.

لقد كان فقيدنا الخطيب المجدّد أديباً في المستوى الرفيع من الثقافة الأدبيّة، وشاعراً مبدعاً في قصائده، التي تنوّعت في مختلف قضايا الأمّة المصيريّة، وفي أوضاعها الاجتماعيّة والسياسيّة، وفي مدائح أهل البيت(ع) ومراثيهم، بطريقة جديدة في مضمونها الإيماني والحركي والولائي. وكان مؤلّفاً في أكثر من موضوع اجتماعيّ وديني وحركي، فكان مالئ الدّنيا وشاغل الناس، وكان الإسلاميّ الحركي الذي واكب الحركة الإسلاميّة، وأيّدها، وشارك في دعمها وتأييد قياداتها، ما جعل من فقده خسارةً كُبرى للإسلام والمسلمين.

وأخيراً، فإنّني أحيّي القائمين على هذا الاحتفال المبارك، وأقدّر جهود العاملين عليه، وأرجو أن يكون قاعدةً وانطلاقةً في سبيل تأكيد خطّ الوعي الرّساليّ المنفتح، الذي كان ينادي به المرحوم الشّيخ الوائلي، ويتحرّك فيه، ويتكبَّد في سبيله المصاعب والمشاقّ؛ فإنَّ ذلك هو الّذي يؤكّد كلّ القيم الإسلاميّة التي تحرّك فيها أهل البيت(ع) على خطى جدّهم رسول الله(ص)؛ ليكون الإسلام حيّاً وفاعلاً في صناعة الشخصيّة الإيمانيّة الرائدة، وليكون قاعدةً تحكم خطوط الحركة في كلّ ميادين الحياة".[من كلمة لسماحته في ذكرى غياب العلامة الشّيخ الوائلي(ره)، بتاريخ 19/11/2008م].

لقد كان الشيخ الوائلي(ره) عاملاً للإسلام، مخلصاً له، متفانياً في سبيل تبليغه بأحسن صورة ومضمون، ولنا فيه كلّ أسوة حسنه لمن يدعو إلى الله ويعمل صالحاً. وإلى روحه كلّ التحية والسّلام.

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها. 

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن مؤسسة الهادي تكرم مؤسسات لتوظيف أشخاص من ذوي الاحتياجات المبرّات نظّمت احتفاليّة الحملة العالميّة للتعلم للجميع فضل الله: لتغيير العقليَّة الَّتي تنتج الخطاب التحريضيّ والمناطقيّ كيف أواجه الكسل؟ مقالة تثير استياء المسلمين في فرنسا تجويد القرآن بإثارة.. هل هو جائز؟! منبر الجمعة: 4 شعبان 1439هـ/ 20 نيسان 2018م الحسين والعبّاس: الإيمان والثَّورة حتّى الشَّهادة ابنتي تحبّ العمل المسرحي والسينمائي! غانا: اعتماد واتساب لتبليغ الأذان بدلاً من مكبّرات الصوت فضل الله: لطيّ صفحة الإهمال ومعالجة التلوّث
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر