اليوم: الجمعة11 شعبان 1439هـ الموافق: 27 ابريل 2018

متى تحفظُ ذاكرتنا الكبار؟

محمد عبدالله فضل الله

الحديث عن الكبار شائكٌ، إذ الوهلة تدعك في وجل ألاَّ تفيهم شيئاً من حقهم، ولدوا كباراً في حياة أرادوها كبيرة بلا حواجز وفواصل تحجب الإنسان عن إبداعه وعن الآخرين المختلفين عنه لوناً أو فكراً وعقيدة.

المرجع الراحل السيّد محمد حسين فضل الله، واحدٌ من هؤلاء الكبار على مساحة وطن الإنسانيّة الشّاسع، إسهاماته وحضوره تركا بصمة مميّزة في عصرنا الحديث. ففي ذكراه السابعة، كأن السبع العجاف بعد رحيله لا تزال شاهدة على مسيرة تجارب سنين وفيرة ستستمر طويلة الأثر بما تحمل من ثقل وغنى في وجوه متعددة.

ترتاح النفس إليه عندما تتذوق خطاباً بعيداً عن التكلف والصنعة في الكلام، حيث تسمعه محاضراً وواعظاً وخطيباً، يحاكي القلب ويخترق شغافه شئت أم أبيت.

رجاحة عقله في وقت دفعه تصادم العقول إلى طرق ما هو محرّم التطرق إليه من نصوص مغلقة، ورفض الاستزلام الصنمي لها، فنبش التراث خبيراً مؤصّلاً للمفاهيم التي اشتاقت إلى من ينفض عنها غبار التحجّر والانغلاق. واتكل على غزارة الثقافة وموسوعيّة العلم ودقّة الاجتهاد، والتزام بالرأي بلا تردّد، وشجاعة في الطرح بلا مهادنة، وصلابة في الموقف بلا انكسار، مستفيداً من تجارب الحياة منذ براعم الطفولة في النجف الأشرف ومحافله الدينية والأدبية، إلى لبنان بلد الغرائب والعجائب، ومختبر التجارب والرجال.

كلامه حول قضايا الدين والإنسان والحياة لم يصبه اليباس، ولم تتسلّل البرودة يوماً إلى خطاباته، في زمن أصبح كل شيء مستهلكاً ومكرراً، بل جاهد كي يبقى الخطاب مساوقاً للمواجهة مع كلّ محاولات الداخل والخارج، من أجل تدمير الذات وإفراغها من لحظتها الزمنية التي تتحسّس بها مسؤولياتها، وعمل على إصلاحها وتغذيتها روحياً وفكرياً، حتى تبقى حية ومتناسبة مع لحظتها ووظيفتها.

الكبار من طراز السيّد فضل الله وأمثاله لا يعيشون لأنفسهم، فماداموا أحياء، لا فرصة أمامهم سوى المواجهة والتضحية، إذ إنّ همتهم ونظرتهم الثاقبة تثقل صدورهم، وتضعهم أمام مسؤوليات فهموا حجمها ونتائجها، فكانوا خير من حمل الأمانة.

لم يكن السيد فضل الله من صنف المجتهدين التقليديين، فتحسّسه لمسؤولياته، واستشرافه لما يحاك ويدور من أحداث محلية ودولية، حرّكت لديه مزيداً من الاندفاعة نحو إحياء الاجتهاد، بما يخدم الإنسان وتحرّره العقلي من الجمود والمألوف الّذي لا يلبي التطلّعات، ولا يصنع إنساناً متمتّعاً بعقل منفتح على اللحظة التاريخية التي تناديه لاستثمارها، بغية تأكيد الهوية الإنسانيّة الشاخصة عبر الحضور المميّز والمتعدّد الجوانب، ومنه الجانب الغيبي الّذي يجب أن يطلّ على مشاكل الأرض وتحدّياتها، بما يبرز أصالة التفكير في مقاربته لقضايا الوجود.

أسلوبه الدعوي شكّل علامةً فارقةً على مستوى الشكل والمضمون، بما جعله موضع تقدير واهتمام، هذا الأسلوب الّذي أضاء على الأساس التوحيدي للإسلام والرسالات السماوية، بما يحفّز على اقتناص اللحظات التاريخية التي تؤسّس لقيم فكرية أصيلة باعثة على النهوض، بغية إحداث التوازن المطلوب على الساحة.

واجه السيّد فضل الله، ولا يزال، كغيره من الكبار، موجات قاسية، وحملات عنيفة، اختلط فيها السياسي مع الشخصي، بغية إضعافه وإلغائه، بما عبّر ويعبِّر عن عقل جمعي مفرط في انشداده للتقاليد والطقوس والتأويلات المرتدية لبوس القداسة. هو عقل رضي أن يقعد عن مهمته في الحوار والتّغيير والتفاعل الإيجابي مع كلّ الطروحات، بما يوسّع من دائرة تمثله للإسهامات الفكرية والثقافية، فقام بمهمة تنوير الناس وتحريكهم نحو مسؤوليّاتهم، وتنبيههم لضرورة فهم الماضي بما يحمل من تراث متنوّع، حتى يقرؤوا الحاضر جيداً، ويحسنوا التعامل مع القضايا بما يستجدّ مستقبلاً. فالسيد فضل الله يريد مخاطبة إنسان لا يعرف الخنوع والخضوع والانزواء، في وقت كانت الروح الانعزالية عن الواقع هي المسيطرة ولا تزال.

تحسّس من خلال فكره الوحدوي الإسلامي، والذي نظّر له وعمل لعشرات السنين، ضرورة تأسيس ذهنية مؤمنة بالوحدة في مواجهة مشاريع التّفتيت؛ تفتيت ثقافة الأمّة وتعليبها في علب المذهبية والتطرف، وإشغال الأنا بأنانياتها الضيّقة، وحبس الذات بعيداً من النظر إلى خارج حدود أهوائها.

تجربة المرجعية لديه ليست بحثاً عن مجد شخصي أو ملء ترفٍ ذهنيّ عابر، بل هي مشروع يمتدّ على مساحة الإنسانيّة، ولديه غاياته الإصلاحية والنفعية على المستويات كافّة. فالمرجعية ليست لقباً دينياً كما يحلو للبعض، بل إنها مرتبة يفرغ من خلالها الفقيه عصارة لحظاته العابقة بالجهد والمشقّة والصّبر، بغية تصحيح مسيرة الناس وسيرهم نحو روح اجتماعيّة واحدة جديرة بتطلّعاتهم.

كلّما كانت المرجعيّة حاضرة لممارسة فعل الأنبياء، كانت ملتصقة أكثر بدورها، ومتحسّسة بشكل أعمق لمسؤولياتها التي تترجم عملاً دؤوباً ومخلصاً لخدمة الناس والحياة، فليست هي مرتبة ملوكية تسلّطية منعزلة عن هموم الناس ومتفرغة لنفسها وما يحيط بها من حاشية.

سيرة المرجع فضل الله تختصر جهداً حثيثاً لأمثال الكبار للنّهوض بواقعهم الذي مزّقته العصبيات والحسابات الأرضية، فكان لا بدّ من النهوض وبعث الروح في جسد الأمّة المريض، عبر إحياء قلب الإنسان بالكلم الطيّب، وصولاً إلى تحريك عقله.

الفقيه الإنسان الذي عاش إنسانيّته مع الناس مربّياً لهم على مشاعر المحبّة التي تعكس إصراراً على تأكيد الكرامة للجميع، في وقت باتت الكرامات مهدورة.

ما يلفت ـ للأسف ـ تعمّد كثيرين الإساءة إلى كبارهم، وحرمان واقعهم، بالتالي، من الإفادة من تجاربهم، وكأنّ نصيب الكبار أن يتحمّلوا الغربة في حياتهم وبعد رحيلهم. ترى، لماذا كلّ هذا التخلف، ورمي أعمال الكبار وتجاربهم بحجارة الجهل، والاكتفاء بالقشور والتسطيح والخنوع، بدل حفظهم والإفادة منهم؟

القضية ليست شخصية، بل ترمز إلى وضع مرير، فالمجتمع الذي يرضى بالشكليات والمظاهر والخطابات الفارغة، وهجران تاريخه المشرق والغنيّ بالتجارب الناجحة، هو مجتمع منحدر، تخلّى عن جذوره، وقعد عن مهامه في مواكبة الزّمن ولغته، وأدمن السّقوط، واعتاد الانحطاط، وهذا بحدّ ذاته خطر كبير لا بدّ من التنبّه إلى آثاره الوخيمة.

نحتاج اليوم فعلاً إلى أمثال المرجع السيّد محمد حسين فضل الله، وكلّ الكبار الّذين يثبتون واقعنا المهزوز، ويرفدونه بحكمتهم التي غلت في زمن التصحّر.

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن مؤسسة الهادي تكرم مؤسسات لتوظيف أشخاص من ذوي الاحتياجات المبرّات نظّمت احتفاليّة الحملة العالميّة للتعلم للجميع فضل الله: لتغيير العقليَّة الَّتي تنتج الخطاب التحريضيّ والمناطقيّ كيف أواجه الكسل؟ مقالة تثير استياء المسلمين في فرنسا تجويد القرآن بإثارة.. هل هو جائز؟! منبر الجمعة: 4 شعبان 1439هـ/ 20 نيسان 2018م الحسين والعبّاس: الإيمان والثَّورة حتّى الشَّهادة ابنتي تحبّ العمل المسرحي والسينمائي! غانا: اعتماد واتساب لتبليغ الأذان بدلاً من مكبّرات الصوت فضل الله: لطيّ صفحة الإهمال ومعالجة التلوّث
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر