اليوم: الثلاثاء3 ربيع الاول 1439هـ الموافق: 21 نوفمبر 2017
Languages عربي
العلامة السيد علي فضل الله استقبل السفير البريطاني في لبنان وبحث معه آخر التطورات في لبنان والمنطقة السيد علي فضل الله: نؤيد كل سعي مخلص لاستقرار لبنان وتعزيز مناعة الوطن السيد علي فضل الله: نخشى تأثر السلم الأهلي في المرحلة القادمة من انعكاسات الصراع الإقليمي الحاد حماس: رفض أميركا تجديد ترخيص مكتب المنظمة انحياز سافر لإسرائيل الجيش الإسرائيلي أعلن عن اعتقال 21 فلسطينياً في الضفة الغربية رويترز: وزير إسرائيلي يكشف عن اتصالات سرية بالسعودية فايننشال تايمز: كبار المستثمرين في العالم يوقفون استثماراتهم في السعودية إنشاء أول بلدية نسائية لخدمة المجتمع النسائي في المدينة المنورة المحكمة الاتحادية في العراق تقضي بعدم دستورية استفتاء إقليم كردستان محافظ كركوك: اليونيسيف ستتولى تأهيل وإعمار مشاريع في قضاء الحويجة فقدان 3000 حاوية نفايات تبرعت بها بلدية طهران لبلدية كربلاء وزير الداخلية الفرنسي: سنمنع المسلمين من الصلاة في الشوارع تكريم كلب عسكري في بريطانيا ومنحه ميدالية تقديراً لجهوده الأناضول: إلقاء القبض على رئيس برلمان إندونيسيا بتهمة فساد مجهولون يرسمون صليباً على مسجد في السويد وول ستريت جورنال: أمريكا على وشك حرب تجارية مع الصين جرائم الإنترنت تكبد دول العالم 550 مليار دولار سنوياً 14 قتيلاً و35 جريحاً بحادث سير في كولومبيا بيع أكبر ألماسة في العالم في مزاد بسعر 34 مليون دولار إندبندنت: طبيبان يحسمان وفاة رضيع بجرعة ماريجوانا بعد عامين من الجدل شركة تطور مظلة ذكية تتنبأ بحالة الطقس بريطاني يدفع 100ألف يورو ليحول وجهه إلى وجه كلب بعد كل المعاصي.. كيف أنفتح على الله؟ من دروس الرَّسول(ص): ليس أحدٌ فوقَ النَّقد منبر الجمعة: 28 صفر 1439هـ/ الموافق: 17 تشرين الثّاني 2017م لقطع الطّريق على كلّ السّاعين للفتنة في الواقع الإسلاميّ الأحد القادم أوّل أيّام شهر ربيع الأوَّل 1439هـ حائرٌ بين أهلي وزوجتي! فضل الله: المشكلة ليست في تدخّلات الآخرين بل في كوننا أرضاً رخوة أولادي يمنعون زواجي! توتّر في باريس والسّبب.. الصّلاة في الشّارع أيّ علاقة كانت بين الحسين(ع) والله؟! هل أتفرّغ لتربية أولادي أم لمتابعة عملي؟!
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
المرجع فضل الله: من قواعد الدّعوة التدرّج في العمل
محمد عبدالله فضل الله
١٥/٧/٢٠١٧
/
21 شوَّال 1438هـ

العمل الدعوي وتجاربه الواسعة والغنيّة التي اضطلع بها على مدى عشرات السنين سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض)، كان كفيلاً أن يعكف عليه العاملون في المجال الدعوي الإسلامي، للإفادة منه على مستوى التنظير والتطبيق.

السيد فضل الله ينطلق من ضرورة التقيد بقواعد تحكم عمل الداعية، حتى يكون عمله مستقيماً، وحركته مضبوطه وهادفة، ولها الأثر المثمر. ومن هذه القواعد، التدرج في العمل الدعوي، بمعنى التعامل بحكمة مع معطيات الواقع وظروفه، وعدم التسبب مباشرة بهزات تنعكس سلباً على الدعوة وتفشلها، مستعرضاً لما جرى مع الرسول الأكرم(ص) في عمله الدعوي، والذي شكّل القدوة الحسنة على المستويات كافّة.

يقول المرجع فضل الله:

"من المفيد لنا، ونحن نستعرض خطوات الدّاعية التي يجب أن يخطوها في طريق العمل، أن نستفيد من تدرج الدعوة الإسلامية في التبليغ، لنجعل منها قاعدةً للعمل.

فهي، فيما نفهم، ليست طريقة تنبع من الظروف الآنيّة أو المحلية التي عاشت فيها الدعوة في بدء الرسالة، وإنما تنبع من طبيعة أيّ تنظيم للحياة وللعقيدة وللعمل يراد له البقاء والاستمرار والخلود، انطلاقاً من مبدأ الإعداد النفسيّ للأمّة قبل إحاطتها بالحزام الكلّيّ للفكرة، لأنّ العقيدة، أيّ عقيدة كانت، عندما تستهدف تغيير الواقع الفكري والحياتي للأمّة الذي يعني نقل الأمّة من أجوائها السابقة إلى أجواء العقيدة الجديدة، وتبديل مفاهيمها الاجتماعيّة والروحيّة، وتطوير عقليّتها في اتجاه ذلك، إن العقيدة ـ عندما تستهدف ذلك كلّه ـ لا بدّ لها من القيام بعملية التغير والتحوّل بشكل تدريجي، لتعتاد الأمّة أجواءها الجديدة شيئاً فشيئاً، دون هزة عنيفة أو ردّ فعل شديد تفرضه المفاجأة وتدعو إليه الطفرة.

ومما يؤكّد انطلاق هذا الموقف في تدريجيّة التشريع الإسلامي من قاعدة عامّة وخطّة شاملة، أنّ القضيّة لم تقتصر على التدرج في مفردات التشريع بإنزال الأحكام على دفعات، وإنما تمثلت في التدرج في طبيعة كلّ حكم بنفسه، فلم يحاول الإسلام مفاجأة الناس بالحكم، بل حاول تهيئة الأجواء النفسية وإعدادها إعداداً خاصّاً على مراحل...

ولن ينفع العمل من دون الحكمة في اعتماد الأسلوب الذي ينسجم مع طبيعة القاعدة، ويأخذ بيدها للتنفيذ بوعي ودقّة من دون إثارة التعقيدات، فعلى مستوى التّشريع، وما يحمله من قيم ومفاهيم، لا بدَّ من إخراجها إلى حيّز الواقع العمليّ، ومن التدريج في عرض الأفكار بشكل يجعل الناس منفتحين عليها، ومتفاعلين معها، بما يترك الأثر الإيجابيّ في نفوسهم وقلوبهم، ويجعلهم في حوار ومصارحة ومكاشفة مع أنفسهم، حتى يقارنوا بين أوضاعهم وما ينبغي أن يكونوا عليه.

يقول السيّد فضل الله(رض)، مستعرضاً أمثلةً من سيرة الأئمة(ع)، بما يضيء على الموضوع أكثر:

"ومادمنا قد وصلنا بهذا الأسلوب إلى مستوى القاعدة، فيمكننا استخدامه في مجال التبليغ وعرض الدّعوة على الناس، فلا نحاول تقديم التّشريع إليهم دفعةً واحدة، بل نتدرّج فيه تبعاً لقوّة الإيمان عندهم، ولتدرّجهم في العقيدة، فلا نحمل على صاحب الخطوة الأولى ما نحمله على صاحب الخطوة الثانية، وهكذا... لتنسجم الدّعوة مع عقلية المخاطبين ومستواهم ودرجة إيمانهم.

ويرشدنا إلى ذلك ما رواه عبد العزيز القراطيسي عن الإمام الصّادق(ع)، قال: قال لي أبو عبدالله:

"يا عبد العزيز، إنّ الإيمان عشر درجات بمنزلة السلّم، يصعد منه مرقاة مرقاة، فلا يقولنَّ صاحب الاثنين لصاحب الواحدة لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشرة، فلا تسقط من هو دونك، فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق، ولا تحملنَّ عليه ما لا يطيق فتكسره، فإنَّ من كسر مؤمناً فعليه جبره".

ويوضح لنا الإمام الصَّادق(ع) هذه الفكرة في حديثٍ آخر بمثل ذلك في حديثه مع بعض أصحابه، وكان خادماً له. قال: بعثني أبو عبدالله في حاجة ـ وهو بالحيرة ـ أنا وجماعة ومواليه، قال: فانطلقنا فيه، ثم رجعنا مغتمّين، قال: وكان فراشي في الحائر الّذي كنا فيه نزولاً، فجئت وأنا بحال، فرميت بنفسي، فبينا أنا كذلك، وإذا أنا بأبي عبدالله قد أقبل، فقال: قد أتيناك ـ أو قال: جئناك ـ فاستويت جالساً، وجلس على صدر فراشي، فسألني عمّا بعثني إليه، فأخبرته، فحمد الله تعالى، ثم جرى ذكر قوم، فقلت: فداك، إنّا نتبرّأ منهم، إنهم لا يقولون ما نقول، قال: فقال: يتولّونا ولا يقولون ما تقولون وتبرؤون منهم، قال: قلت نعم، قال: هوذا عندنا ما ليس عندكم، فينبغي لنا أن نبرأ منكم. قلت: لا ـ جعلت فداك ـ قال: هوذا عند الله ما ليس عندنا، أفتراه أطرحنا؟ قلت: لا والله ـ جعلت فداك ـ ما تفعل؟ قال: فتولّوهم ولا تبرؤوا منهم، إنّ من المسلمين من له سهم، ومنهم من له سهمان، ومنهم من له ثلاثة أسهم، ومنهم من له سبعة أسهم، فليس ينبغي أن يحمل صاحب السّهم على ما عليه صاحب السّهمين، ولا صاحب السّهمين على ما عليه صاحب الثّلاثة، ولا صاحب الثلاثة على صاحب الأربعة، ولا صاحب الأربعة على ما عليه صاحب الخمسة، ولا صاحب الخمسة على ما عليه صاحب الستّة، ولا صاحب الستّة على ما عليه صاحب السّبعة.

وسأضرب لك مثلاً: إنّ رجلاً كان له جار، وكان نصرانيّاً، فدعاه إلى الإسلام وزيّنه له، فأجابه، فأتاه سحيراً، فقرع عليه الباب، فقال له: من هذا؟ قال: أنا فلان، قال: وما حاجتك؟ فقال: توضّأ والبس ثوبيك ومرّ بنا إلى الصَّلاة، قال: فتوضّأ ولبس ثوبيه وخرج معه، قال: فصلّيا ما شاء الله ثم صلّيا الفجر، ثم مكثا حتى أصبحا، فقام الّذي كان نصرانياً يريد منزله، فقال له الرجل: أين تذهب، النّهار قصير، والذي بينك وبين الظهر قليل؟ قال: فجلس معه إلى أن صلّى الظّهر، ثم قام وأراد أن ينصرف، فقال له: هذا آخر النّهار وأقلّ من أوله، فاحتبسه حتى صلّى المغرب، ثم أراد أن ينصرف إلى منزله، فقال: إنما بقيت صلاة واحدة، قال: فمكث حتى صلى العشاء الآخرة، ثم تفرّقا، فلما كان سحيراً غدا عليه، فضرب الباب عليه، فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان، قال وما حاجتك؟ قال: توضّأ والبس ثوبيك واخرج بنا نصلّي، قال: اطلب لهذا الدّين من هو أفرغ مني، وأنا إنسان مسكين وعليّ عيالي.

فقال أبوعبد الله الصّادق(ع): أدخله في شيء وأخرجه منه، (أو قال) أدخله من مثل هذه وأخرجه من مثل هذا".

وانطلاقاً مما تقدَّم، يشير سماحته إلى الخطأ الّذي قد يصيب العمل الدّعويّ في حال لم يتسلّح الدّعاة بالحكمة والخبرة الكافية في التّعامل مع الظّروف، ومحاولة استعياب الناس والتأثير في عقلياتهم، والنّفاذ إلى نفوسهم بالشّكل الصّحيح، وخصوصاً في المجال العقيديّ الّذي يعتبر من المجالات الحسّاسة للإنسان، والّذي لا بدَّ من التعامل معه بغاية المهنيّة والمعرفة والخبرة. ويعرض سماحته أمثلة حية من قضايا التاريخ الإسلامي والعقيدي على ذلك:

" أ ـ وعلى ضوء ما قدّمناه، نستطيع أن نقرّر خطأ الأسلوب الذي يحاول عرض التشريع دفعةً واحدة أمام مختلف المستويات، أو تبليغ بعض نقاط العقيدة دون بعض لبعض الناس، وذلك لأنّ التشريعات مترتبة في الخفّة والثقل، فلا يصلح دعوة الناس إلى ما يثقل عليهم تركه بادئ ذي بدء، لاعتيادهم على ممارسته أو حاجتهم إليه، بل ينبغي دعوتهم إلى ما يسهل عليهم امتثاله، لخفّته على طباعهم وقربه إلى حياتهم، لأنّ امتثال التكليف الشّديد، يتطلّب قوّة لا يملكها الإنسان بادئ ذي بدء، ومرونةً يحتاج إلى الاعتياد عليها.

أمّا امتثال التّكليف الخفيف، فيهيّئ له هذه القوّة، تماماً كما يتدرج الرّياضيون في رفع الأثقال، من الأوزان الخفيفة إلى الأوزان الثّقيلة، حسب مراتبها، لأنّ حمل كلّ وزن يعطي الجسم حمله في المرتبة الأولى.

ب ـ وفي جانب العقيدة، نلاحظ أنَّ نقاط العقيدة وأصولها متدرّجة، فلا يمكن فهم مسألة النبوّة بشكل منفصل عن مسألة الألوهيَّة، ولا يجوز عرض مسألة الإمامة بمعزل عن مسألة النبوّة، كما لا معنى لعرض مسألة وجود الله وعدله وقدرته وحكمته، منفصلة عن بعضها البعض، لارتباط كلّ جانب من هذه الأمور بالجانب الآخر.

ولذلك، فإنّ من الخطأ الواضح، عرض مسألة الإمام المنتظر الّذي تعتقد به الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، منفصلة عمّا يتقدّمها من أصول العقيدة والمذهب، لأنها لن تُفهَم إلا في هذا المجال، ككلّ نتيجة يحتاج فهمها إلى مقدّماتها.

ج ـ ومن بين هذه القضايا الّتي ينبغي فيها ملاحظة طبيعة الارتباط بين الجوانب المتعدّدة، قضية (الخوارق للعادة من معجزات الأنبياء والأوصياء)، فقد دأب الكثيرون من الخطباء والوعاظ والعلماء، على ذكرها والتحدّث بها في المجالس العامّة التي تضمّ المستويات المختلفة في الفكر والعقيدة والإيمان، ممن يفهم جذور هذه القضايا، وممن لا يعرف شيئاً من ركائزها، الأمر الّذي يولّد في نفوس مستحدثي الإيمان، أو البعيدين عنه، فكرة الخرافة عن الدّين، بالنظر إلى أنّ قضيّة المعجزات مرتبطة بفكرة الإيمان بالله من جهة، وبالإيمان بالغيب من جهة أخرى، وفهم طبيعة النبيّ أو الوليّ الذي تتمّ هذه القضيّة على يديه، ومعرفة الظروف التي تحدث فيها هذه الأمور، ومدى ارتباطها بقدرة الله التي لا تقف عند حدّ.

فإذا لم تكن هذه الجوانب معروفة عند السّامع، فلا يمكن له أن يفهم طبيعة المعجزة، إلا على أساس أنها من الأساطير التي تتعلّق بها الأديان لخداع السذّج والبسطاء من النّاس. وبكلمة واحدة: إنّ على الداعية والمبلّغ أن يفكّر قبل أن يقوم بواجب الدّعوة والتبليغ، بأنّ من الممكن أن يكون المجلس الّذي يتحدّث فيه، مشتملاً على مختلف المراتب والدّرجات في الإيمان، ليجعل حديثه منسجماً مع الخطّ المشترك بين هذه المراتب، لئلّا يفاجأ بالإنكار بادئ ذي بدء.

وقد ورد في بعض الأحاديث ما مضمونه: "لا تحدِّث بما تتسابق العقول إلى تكذيبه". وفي الحديث النبويّ الشّريف: "إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم"، وفي ذلك إشارة إلى طبيعة المضمون والشّكل والعرض".

ويعود سماحته مستعرضاً لبعض النماذج التطبيقية للقاعدة في العمل الدعوي، وهنا الكلام عن السيرة النبوية الشريفة، وما فيها من أمثلة حية ورائعة، ترشدنا إلى كيفية العمل في كل الظروف والمواقع، بغية خلق جوّ دعويّ مؤثّر وفاعل ومرن، يفهم الشخصية الاجتماعية، ويستوعب العقل الجمعيّ، ويعمل على تهذيبه وتطويعه بطريقة مميَّزة وفريدة:

"وقد نلاحظ في الأحاديث التي تتحدَّث عن سيرة النبيّ محمد(ص)، أنه كان يدرس عقليّة الشخص الذي يريد هدايته وإرشاده، ويتعرّف إلى ظروفه وإلى طبيعة المجتمع الّذي يعيش فيه، والجماعات الذين يرتبط بهم، والعادات التي يعتادها، ثم يعطيه التّوجيه بالمقدار الّذي ينسجم مع هذه الأمور جميعاً. وهذه بعض النّماذج الحيّة من هذه السّيرة العظيمة:

ففي بعض الأحاديث المرويّة في سيرته: أنّ شخصاً جاء إلى النبيّ(ص) وقال له: إني لا أستطيع القيام بأداء الصّلوات الخمس، ولكني أستطيع الالتزام بأداء ركعتين في اليوم، فما كان من النبيّ(ص) ـ فيما يقول الحديث ـ إلا أن وافق معه على ذلك.. ومضى الرّجل في أداء الركعتين كلّ يوم، حتى ذاق حلاوة الصّلاة، وانسجم مع أجوائها الروحيّة، وعرف قيمتها وفائدتها، فرجع إلى الصّلوات الخمس يؤدّيها بكلّ إخلاص وخشوع..

فما هو السرّ في ذلك كلّه؟ إننا نحسب أنّ النبي قد أدرك ببصيرته النافذة، ونظره الثاقب، أنّ هذا الإنسان لا يعرف قيمة الصّلاة ولا يفهم معناها، ولذا فهو ينظر إليها نظرته إلى الأعباء الثقيلة عليه، التي لا يؤدّيها إلا كما يؤدّي الأشياء المفروضة عليه من خارج ذاته، دون إرادة أو رغبة.. ولذا فقد حاول التّخفيف من هذا العبء، مهما أمكن بهذه الطّريقة، ولاحظ النبي(ص) إزاء هذا الواقع، أنّه إن لم يوافق على التّخفيف في المرحلة الأولى، فسوف لن يربح شيئاً من هذا الرجل، ولن يكون أمره بالصّلوات الخمس شيئاً عملياً على كل حال.

فأراد(ص) أن يجعله يعيش أجواء الصّلاة وروحانيتها، بعيداً من الشعور بالثقل والتعب، فرضي منه بما يطلب، ليضع قدمه على أول الطريق، فيعرف ما في الدّرب من ألوان المتع الروحية، ليسير فيه طواعيةً واختياراً دون ضغط أو إكراه.

وهكذا رأينا النتيجة التي قدّرها النبيّ(ص) منسجمةً مع الغاية الطبيعيّة لهذا الأسلوب الرائع الحكيم. أمّا الفكرة التي نستطيع استفادتها من هذا الحديث، فهي أنَّ على الدّاعية والمبلِّغ، أن يستعمل أفضل الأساليب وأقربها للسّير بالشّخص الذي يدعوه نحو بداية الطريق، ليطّلع على ما فيه من خير وراحة وطمأنينة، فيسعى إليه بعد ذلك بنفسه.

وربما نجد في السيرة النبوية الشريفة، بعض الأحاديث الّتي تدلّنا على المرونة التي تلاحظ وتدرس طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، في إعطائه بعض التّعاليم دون بعض، تبعاً للأهمية التي تتميّز بها، أو للنتائج الكبيرة التي تنتج منها، أو للشّمول لكثير من الأعمال المرتبطة بمختلف جوانب الّتشريع، ما يجعل من ربط الإنسان بتشريع معيّن، عمليّة ربط بكثير من التشريعات الأخرى..

كما نلاحظ ذلك في القصّة التالية التي رواها في الكافي: عن أبي عبدالله جعفر الصادق(ع)، قال: "قال رجل للنبيّ(ص): يا رسول الله، علّمني، قال: اذهب ولا تغضب، فقال الرجل: قد اكتفيت بذلك. فمضى إلى أهله، فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفاً ولبسوا السّلاح، فلما رأى ذلك، لبس سلاحه ثم قام معهم، ثم ذكر قول رسول الله(ص): لا تغضب، فرمى السّلاح، ثم جاء يمشي إلى القوم الّذين هم عدوّ قومه، فقال: يا هؤلاء، ما كانت لكم جراحة أو قتل أو ضرب، فعليَّ في مالي، وأنا أوفيكموه، فقال القوم: فما كان لنا فهو لكم، ونحن أولى بذلك منكم، قال: فاصطلح القوم، وذهب الغضب".

فكيف اختار النبيّ(ص) هذه الوصيّة؟ وكيف تمتدّ هذه الوصيّة إلى مجالات متنوّعة ترتبط بعدّة جوانب من التّشريعات التحريميّة وغيرها؟

ربما كان السرّ في ذلك كله، أنّ النبيّ(ص) قد لاحظ طبيعة المجتمع العشائري الذي يخضع لتقاليد العصبية التي تثيرها الكلمة الحادّة، وتهزّها اللّحظة الخاطفة، وعرف حاجة الإنسان الذي يعيش في هذا المجتمع إلى أن يملك أعصابه ليتصرّف بهدوء، بعيداً من نوازع العصبية ومواقفها، فاختار لهذا الإنسان وصية ترك الغضب، لأنها تمثّل الضمانة الوحيدة التي يستطيع معها الإنسان تفادي كلّ آثار العصبيّة من القتل والنهب والاعتداء على الآخرين، وغير ذلك من الأمور التي حرّمها الله، وأراد سلامة المجتمع منها في كلّ مجالاته وأوضاعه.. وقد رأينا كيف استطاعت هذه الوصيّة أن تؤتي ثمارها في اللّحظات الحاسمة الّتي عاشها هذا الإنسان مع قومه وأعدائهم في أشدّ المواقف إثارةً للغضب، وهو موقف المعركة الّتي تتفجّر فيها الأحقاد بشكلٍ غير معقول.

وقد اكتفى النبيّ(ص) بهذه الوصيّة، ولم يضف إليها شيئاً، لأنه رأى ـ بثاقب نظره ـ أنّ العصبيّة هي المشكلة الأولى في المجتمع الّذي يعيش فيه هذا الرّجل، بحيث لو تفادى آثارها ونتائجها، لاستطاع أن يجعل من نفسه إنساناً مستقيماً طيّباً، لفقدان المشاكل الأخرى التي تثير الإنسان نحو الشرّ، وتقوده نحو الهاوية، بالمستوى الذي يرتفع إلى مستوى هذه المشكلة الكبيرة.

وهكذا استطاعت هذه القضيّة أن تعطينا درساً في مراعاة الظّروف الطبيعيّة التي يعيشها الإنسان أو المجتمع الّذي يُراد إصلاحه، وملاحظة أكثر المشاكل تعقيداً وإلحاحاً على حياة الشّخص، لمعالجتها بالدَّرجة الأولى، وإعطائها الأفضليَّة في التوجيه، من أجل أن يكسب الإنسان بممارسة عمليّة المقاومة فيها، قوّة يستطيع أن يتغلب معها على بقيّة المشاكل بسهولة.

قد يتساءل البعض: لماذا يُراد منا أن نتدرج في التبليغ، وملاحظة ظروف الأشخاص، ودراسة مستوى عقيدتهم وإيمانهم، إذا كانو مسلمين يؤمنون بالإسلام ونظمه؟ فقد يكون لهذا التدرج مبرّر في نطاق العمل الذي يتحرك في وسط غير إسلامي، نظراً إلى ابتعاده عن واقع العقيدة الإسلامية وروحيتها، أمّا المسلمون، فإنهم يؤمنون بكلّ تشريع أنزله الله على قلب النبيّ محمّد(ص)، فلا نحتاج معهم إلى أية عملية "ديبلوماسية" في هذا المجال.

ولكن.. فات هؤلاء أنّنا نشعر بالحاجة إلى ذلك، حتى في مجتمع المسلمين الذي يعيش معنا الآن، من دون أن يعني مفاهيم الإسلام وإيحاءاتها، وإنما يتقبّله بشكل تقليدي، لا يتصل بالمضمون من قريب أو من بعيد، بل ربما يتعدّى ذلك إلى اعتقاده بعض المفاهيم الخاطئة والأفكار المنحرفة باسم الدّين، الأمر الذي يجعل عمليّة مخاطبته أو التحدّث معه في شؤون العقيدة أمراً مطلوباً، ما داما يشتركان في طبيعة الانحراف العمليّة عن الخطّ المستقيم.

ولذلك، نجد من الخطأ الكبير عرض مفاهيم الإسلام جملةً واحدة أمام أبنائنا وبناتنا الّذين عاشوا في أجواء غير إسلاميّة، أو تبنّوا بعض الأفكار المنحرفة، أو استسلموا لعادات محبّبة إلى نفوسهم، محرَّمة في الشريعة، وذلك كالتحدث عن تحريم الغناء لمن تعلّقت نفسه به حتى أصبح جزءاً من مزاجه، أو الحديث عن موضوع حلق اللّحية وتحريمها في بعض الاجتهادات الفقهيّة، مع الأشخاص الذين يعيشون في مجتمع كانت هذه العادة جزءاً من تقاليده العامّة التي يصعب على الإنسان التمرّد عليها، أو الحديث عن حرمة لبس الخاتم المصنوع من الذّهب، مع الأفراد الذين اعتادوا ذلك في أوضاعهم الخاصّة، أو غير ذلك من الأحكام الشرعيّة الثابتة في الشريعة بشكل قطعي، أو بشكل راجح يتبّناه أكثر الفقهاء والمسلمين، ولكنّها تنتج ردود فعل عكسيّة في حالة التركيز عليها بشكل ابتدائيّ مع الأفراد أو الجماعات التي لم تلتقِ بروح الإيمان، ولم تنفتح على القواعد العامّة التي ارتكزت عليها الأحكام الشرعية، مما يجعلها وحدة مترابطة في نتائجها وآثارها، لأنّ ذلك قد يسبّب لهم الارتباك والضّلال، وينتهي بهم إلى الجحود والنكران، لأنها تتحدى الإنسان في بداية الموقف، في أكثر الأشياء إلحاحاً على مزاجه، أو في أصعب الأمور تعقيداً في موضوع الاجتناب عنه والترك له، في الوقت الّذي لم ينفتح الإنسان على المعاني الكبيرة والأجواء الخيّرة التي تدعوه إلى التّضحية، أو تبرّر له احتمال المشقّة والألم والعذاب النفسيّ...". [من كتاب "خطوات على طريق الإسلام" ص 19-26].

من هذه الإطلالة، يحاول سماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، أن يلفت انتباه الدّعاة إلى ضرورة الاستفاده من سيرة الرّسول الأعظم(ص) والأئمة الأطهار(ع)،  الذين أعطونا دروساً عملية في الدّعوة، بما يبرز أصالة العمل الدّعويّ المستند إلى التخطيط والتقعيد والحكمة والمرونة في التّعامل مع الواقع، بما يضمن النّتائج، ويوصل الأفكار بطريقة سلسة تفتح مدارك النّاس وقلوبهم وعقولهم، وتضعهم أمام مسؤوليّاتهم بشكل تلقائيّ. فكم نحتاج إلى حكمة الرسول(ص) والأئمة(ع) في عملنا الدّعوي الّذي يتعرّض لمزيد من التحديات والتعقيدات!.

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.


مواضيع اخرى للكاتب

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
كتاب معلم الشيعة الشيخ المفيد"
مسؤوليّتنا في غياب المهديّ والتّعاطي مع الزّمن
الدّين عقيدة وشريعة وأخلاق
زيارة عاشوراء في الميزان

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر