اليوم: الأربعاء19 شعبان 1440هـ الموافق: 24 ابريل 2019

المغتصب مجرم.. ويعاقَب

الشيخ يوسف سبيتي

حسناً فعل المجلس النيابي اللّبناني عندما ألغى المادّة "255" من قانون العقوبات، التي كانت تعفي "المغتصِب" من العقوبة فيما لو تزوَّج من "المغتصَبة"، وهذا يعني أنَّ "المغتصِب" تنزل بحقّه العقوبة التي يستحقّها، سواء تزوَّج من المغتصَبة أو لم يتزوَّج، فالاغتصاب حالة جرميّة كغيرها من الجرائم التي يعاقب عليها القانون اللّبناني.

المادَّة الملغاة تقول: "إذا عُقِد زواج صحيح بين مرتكِب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها، أُوقفت الملاحقة أو تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة، وانقضاء خمس سنوات على الجناية، إذا انتهى الزّواج إمّا بطلاق المرأة دون سبب مشروع، أو بالطّلاق المحكوم به لمصلحة المعتدَى عليها".

وحيث إنَّ هذه المادَّة كُتِبت في العام 1948م، أي قبل سبعين عاماً، فمن غير الواضح أنَّ المشرِّع كتبها تحت وطأة واقع اجتماعيّ كان موجوداً، أو أنَّ هذه المادّة سمحت بوجود واقع اجتماعيّ، وهل إنَّ هذا الواقع الاجتماعيّ مازال موجوداً، أم هي مجرَّد مادّة في قانون ليس له مفاعيل واقعيّة؟

مهما يكن، فإنَّ إلغاءها خطوة مهمَّة في الاتجاه الصّحيح، لعلّ هذه العقوبة التي يستحقّها "المغتصِب" تخفِّف حالات الاغتصاب من جهة، وتحمي النّساء والفتيات من جهة ثانية.

ولعلَّ المشرِّع لهذه المادّة، أراد التّنبيه إلى أمر اجتماعي يلحظ أن "المغتصَبة" إذا اشتهر أمرها، لن يقدم أحد على الزّواج منها، فأعطى للمغتصِب العفو من العقوبة إذا تزوَّج منها، ولعلَّ الواقع الاجتماعيّ أيضاً، عندما يطلب من المغتصِب الزَّواج من المغتصَبة، قد لاحظ هذه النّاحية أيضاً، لكن هذا كلّه لا يلغي أنَّ هذا الفعل هو جريمة يستحقّ عليها العقاب، وخصوصاً إذا كان المغتصِب أراد بفعله هذا وضع الفتاة تحت أمر واقع، فيما لو لم تكن ترغب بالزّواج منه.

وهنا لا بأس من إلقاء نظرة على الموقف الشَّرعيّ من المغتصِب والزّواج منه، مع أنّ الشّريعة لا تتحمّل تداعيات القانون المدني الّذي كان يلغي عقوبة المغتصب في حال زواجه من المغتصَبة.

المغتصِب مجرم، وهو يستحقّ العقاب على جريمته، وهو أشدّ من الزّنا، لأنه زنا بالإكراه، ولا يوجد ما يخفّف عنه هذه العقوبة، وزواجه من "المغتصَبة" لا يلغي هذه العقوبة.

لكن هل هناك ما يمنع شرعاً هذا الزّواج؟

لا بدَّ من الإشارة قبل ذلك، إلى أنَّ الزّواج هو فعل اختيار بين الطّرفين، وقد يشكِّل الاغتصاب عند المغتصَبة حالة نفسيَّة تجاه "المغتصِب"، ما لا يسمح لها بالارتباط بمجرم اعتدى عليها، لأنَّ الزواج يحتاج إلى وضع نفسيّ مستقرّ تنشأ عنه حالة من المودَّة والرّحمة المتبادلة بين الطرفين، فإذا فقدت هذه الحالة، فلن يكون وضع الزّواج مستقراً على المستوى النّفسي، ما قد يؤثّر سلباً في العلاقة الزوجيّة، وقد يؤثّر أيضاً في تربيتها للأولاد، لأنهم يحتاجون إلى استقرار نفسيّ داخل البيت، ليكونوا هم أسوياء أيضاً على المستوى النفسي.

لكنّ هذا الزواج إن حصل، وبرضا "المغتصَبة" واختيارها، وتجاوزاً لهذه المحنة التي مرَّت بها، ولو بالاستعانة بمختصّ نفساني واجتماعي، باعتبار أنَّ عدم زواجها من "المغتصِب" قد يضرّ بها في المستقبل من النّاحية الاجتماعية، ففي هذه الحالة، الزّواج صحيح، لكن لا يلغي العقوبة.

أمّا أذا رفضت الزّواج به، لأنّه بنظرها إنسان مجرم، لكن حصل ضغط عليها وإكراه لها للقبول به زوجاً، ففي هذه الحالة الزّواج باطل.

تبقى الإشارة إلى أمرين:

الأوَّل: أنَّ الواقع الاجتماعيّ المؤسف والمضرّ الّذي ينظر نظرة سلبيّة إلى المغتصَبة، ولا يشجِّع على الزّواج منها، يجعلها بين نارين؛ نار الزَّواج من المغتصِب، ونار الوضع الاجتماعيّ. لذا، القضيَّة لا تقف عند إلغاء المادّة القانونيّة، فلا بدَّ أيضاً من علاج النَّظرة الاجتماعيّة إلى المغتصَبة، وهذه لا يكفيها إلغاء مادّةٍ من هنا أو وضع قانونٍ من هناك، وليس من السَّهل التخلّص من هذه النَّظرة، بل إنّها تحتاج إلى تربية اجتماعيَّة خاصَّة، ولا بدَّ أيضاً من اتخاذ خطوات تثقيفيَّة وإرشادات من منظّمات المجتمع المدني.

الأمر الثّاني: وجوب استصدار قانون يجرِّم فعل الاختطاف بهدف الزَّواج كأسلوب ضغط يمارسه الخاطف للقبول به زوجاً.

إنَّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضَّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن العلاج بالقرآن؟! مسؤوليَّة الإنسان بحجم قدراته كيف نكون الملتزمين بولاية المهديّ (عج)؟! الثَّقافة سبيل المسلمين لمواجهة "الإسلاموفوبيا" ما معنى أن نأمر أهلنا بالصَّلاة؟ فضل الله: لا يجوز أن يتحمَّل الفقراء فاتورة الإصلاحات اللّقاء السّنويّ العامّ للمبلِّغين في مؤسّسة المرجع فضل الله (رض) على القيادات الكفّ عن تغطية الارتكابات وتدارك ما فاتهم من مسؤوليّات هل هناك اغتصاب زوجيّ؟ منهج الإمام زين العابدين (ع) في الدَّعوة ومواجهة الانحراف 7 شعبان 1440هـ/ الموافق 12 نيسان 2019م
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر