اليوم: السبت8 ذو القعدة 1439هـ الموافق: 21 يوليو 2018

المرجع فضل الله: في رحاب بعض وصايا الإمام الرّضا(ع)

محرر موقع بينات

بالعودة إلى أرشيف خطب الجمعة لسماحة المرجع السيِّد محمّد حسين فضل الله(رض)،  نستحضر خطبته الدّينيّة الّتي ألقاها في مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بتاريخ 21 ذو القعدة العام 1426ه/ الموافق 23/12/2005 والتي تحدّث فيها عن بعض وصايا الإمام الرّضا(ع)، وما لها من معان لا بدّ من تمثلها في شخصية المسلم. قال سماحته:

"من كلام الإمام عليّ بن موسى الرّضا(ع)، وهو يؤكِّد العناصر الحيويَّة التي تتمثّل فيها شخصيّة الإنسان المسلم، يقول(ع): "لا يكون المؤمن عاقلاً حتى تجتمع فيه عشر خصال ـ باعتبار أنَّ العقل يقود الإنسان إلى أن يعيش إنسانيّته في مجتمعه، أن يكون شخصاً طيّباً منتجاً فاعلاً خيّراً، ينفتح على النّاس بما يفتح عقولهم وقلوبهم على الواقع الّذي يرتبط بعلاقته بالنّاس وعلاقة النّاس به.

ـ الخير منه مأمولـ إذا عاش في المجتمع، فإنّ المجتمع يتطلّع إليه ليرى أنه الشخص الذي يؤمل منه الخير في كل من يعيش معه ويلتقي به، ففي علاقته بعياله، يأمل عياله منه الخير في علاقته بهم، في رعايته لهم، وفي إحسانه إليهم، وفي قيامه بمسؤوليّته تجاههم، وهكذا عندما يعيش مع مجتمعه الذي قد يكون بحاجة إلى كثير من الخدمات والرّعاية وما إلى ذلك ـ والشرّ منه مأمون ـ فهو إنسان لا يصدر الشّرّ عنه لكلّ الناس، بل يحترمهم باعتبار أنهم إخوته ومواطنوه، يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، ويكره لـهم ما يكره لها.

ـ يستكثر قليل الخير من غيره ـ إذا فعل الآخرون الخير لـه، فإنه يقدِّر لهم ذلك ويحفظه حتى لو كان الخير قليلاً، لأنّه لا يرى لنفسه حقّاً بأن يقوم الآخرون بإصدار الخير لـه ـ ويستقلّ كثير الخير من نفسه ـ أمّا إذا فعل الخير للآخرين، فإنّه لا يستكثره، ولا يعتزّ بأنّه قام بما ينبغي أن يقوم به، أو أكثر مما يجب عليه، بل يشعر بأنّ ما أعطاه الله من الطّاقات هو أمانة الله عنده، وعليه أن يؤدّي هذه الأمانة ـ لا يسأم من طلب الحوائج إليه ـ عندما يقصده النّاس في حاجاتهم، فإنه لا يملّ من استقبال هذه الحاجات، لأنّه يعرف أنَّ حاجة الناس إليه من نعم الله عليه.

ـ الفقر في الله أحبّ إليه من الغنى مع عدوّهـ فإذا دار الأمر بين أن يكون فقيراً من خلال إخلاصه لله وعلاقته به، وبين أن يكون غنيّاً من خلال علاقته بأعداء الله، فإنه يختار الفقر مع الله، لأنَّ الله تعالى هو الذي يغنيه إذا افتقر، وهو الّذي يمنحه رضاه وجنّته ـ والذّلّ في الله أحبّ إليه من العزّ مع عدوّه ـ وإذا دار الأمر بين أن يكون ذليلاً مع الله، وبين أن يكون عزيزاً مع أعداء الله، فإنّه يقدِّم علاقته بالله حتى مع انعدام الجاه الذي يمكن أن يحصل عليه ـ والخمول أشهى إليه من الشّهرة ـ فلا يحاول أن يتطلّب الشّهرة التي تنتفخ فيها شخصيّته ويطغى عند نفسه ـ لا يرى أحداً إلا قال هو خير مني، فإنما الناس رجلان: رجل خير منه وأتقى ورجل شر منه وأدنى، فإذا لقي الذي هو شرّ منه ـ فهل يقول أنا خير منه ؟! ـقال خير هذا باطن وهو خير لـه، وخيري ظاهر وهو شرّ لي ـ فلان قد يكون ظاهره الشرّ، ولكن قد يكون باطنه الخير، وأنا ظاهري الخير، ولكن قد يكون باطني الشّرّ، فلا يستطيع أن يقول إنني أفضل منه ـوإذا رأى الّذي هو خير منه تواضع لـه، فإذا فعل ذلك، فقد علا مجده، وطاب خيره، وحسن ذكره، وساد أهل زمانه بهذه الصّفات".

ويضيف سماحته مستعرضاً مزيداً من الكلمات والوصايا، بأنّ المؤمن لا يمكن إلا أن يكون مستبشراً، يشعر بمحبّة الآخرين، ويسعى في خدمتهم وإسعادهم، وهم المحسنون في أقوالهم، فلا يقولون إلّا خيراً، وفي أعمالهم، فلا يسيؤون إلى أحد من عباد الله:

"وفي حديث الإمام الرّضا(ع) قال: "حدّثني أبي عن آبائه عن عليّ(ع) أنّه قال: دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد"، فقد كان النبيّ(ص) يراقب حركة الناس في مجتمعه، فيرى أنّ الكثير منهم يحسد بعضهم بعضاً، فيتمنى كلّ واحد منهم أن يزيل الله نعمته عن الآخر لينقلها إليه، أو يرى النّاس يبغض بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً، فأراد النبيّ(ص) أن يقول لهؤلاء النّاس: إن هاتين الخصلتين ليستا من خصال الإنسان المؤمن الّذي يتّقي الله، فالمؤمن لا يحسد أخاه ولا يبغضه. ويقول الإمام الرّضا(ع)، وقد سئل: من هم خيار العباد؟ قال(ع): "الذين إذا أحسنوا استبشروا ـ إذا صدر عنهم الإحسان، سواء كان ذلك في طاعتهم لله، أو إحسانهم إلى الناس في ما يقدّمونه لهم من عطاء وخدمات، فإنهم يستبشرون ويدخل الفرح على نفوسهم، لأنهم أطاعوا الله في ذلك كله ـ وإذا أساؤوا استغفروا ـ إذا أذنبوا وأخطأوا وأساؤوا إلى الآخرين، استغفروا الله ليغفر لهم ذنوبهم فيما أساؤوا به ـ وإذا أُعطوا شكروا ـ فهم الشّاكرون لكلّ من يقدّم لهم العطية ـ وإذا ابتُلوا صبروا ـ إذا ابتلاهم الله ببلاء في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، فإنهم يصبرون ولا يجزعون ـ وإذا غضبوا غفروا".

وختم سماحته خطبته الدِّينيَّة بتأكيد ما ورد في كلمات الإمام الرّضا(ع) من أهميّة التفقّه في الدّين، وحسن تدبير المعيشة وتنظيمها، والصّبر على المصائب والبلايا، هذه الميزات التي تعبّر عن أصالة منهج أهل البيت(ع)، والتي لا بدّ من أن نكرّسها في حياتنا، بما يؤكّد التزامنا المسؤول والحريص على خطّ الإسلام الأصيل:

وعن الإمام عليّ الرّضا(ع) أنه قال: "لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان، حتى تكون لديه ثلاث خصال: التفقّه في الدين ـ أن يحمل ثقافة العقيدة والشّريعة والمنهج، ليبلّغها إلى النّاس، حتى تكون دعوته دعوة وعي وخير في ذلك كلّه ـ وحسن التّقدير في المعيشة ـ أن يعرف كيف ينظّم أموره ومعيشته، فلا يكون مسرفاً ومبذِّراً ـ والصّبر على الرّزايا".

هذا هو منهج أهل البيت(ع)، وهذا هو خطّ علي بن موسى الرّضا(ع)، فإذا زرتموه في مرقده في "مشهد"، فعليكم أن تتذكّروا كلّ هذه الكلمات، وأن تنفتحوا على هذا الخطّ الإسلامي الأصيل، وذلك هو معنى ولايتنا لأهل البيت(ع)، أن نسير حيث ساروا، ونقف حيث وقفوا، وأن ننفتح على كلّ الحقائق التي أرادوا لنا أن ننفتح عليها".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ثانوية الإمام الحسن تكرّم طلّابها الناجحين في الشهادتين المتوسّطة والثانوية اختبار قرآني لمرشَّحي الانتخابات في إندونيسيا منبر الجمعة: 7 ذو القعدة 1439هـ/ 20 تموز 2018م إقرار قانون "القوميّة" الصّهيوني الاهتمام بالصّحّة من أولويّات الإسلام ابني يشاهد صوراً إباحيّة؟! ثانويّة الرّحمة تكرّم طلابها المتفوّقين الاجتماع السنوي لهيئة أمناء الإشراف على مؤسَّسات السيّد فضل الله الذّكرى السنويّة الثامنة لرحيل السيّد فضل الله في الدنمارك الإمام الصّادق(ع).. إمام العلم والحوار منبر الجمعة: 29 شوّال 1439هـ/ 13 تمّوز 2018م
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر