اليوم: الأحد12 صفر 1440هـ الموافق: 21 اكتوبر 2018

المرجع فضل الله عن واقع الخطاب الإسلامي

محمد عبدالله فضل الله

الخطاب الإسلامي في معناه وغاياته وآلياته وآثاره، كان ولايزال من المواضيع الفكرية المهمّة والأساسية التي تعرّض ويتعرّض لها العلماء والباحثون، كونه يدخل في صميم حركة الإسلام في إبراز قيمه ومواقفه.

فالخطاب معيار مهمّ يدلّل على مستوى فهمنا وحركتنا في خلق أساليب تعبّر بالفعل عن أهداف الإسلام وتوضيحها كما يجب، حتى لا نقع في الإرباك والشبهات، وندخل في دائرة الضعف والاستهداف من المغرضين.

فالخطاب، بحسب العلامة المرجع السيد فضل الله(رض)، هو إطلالة على واقع الإنسان كله، وعلى حركته كلها، وهو يقوم على الحكمة، لذا، فالمطلوب أن يتصف هذا الخطاب بنقاط ضرورية وحيوية، كالكلمة الطيبة التي تفتح المدارك على الحقّ بما لا يثير الحساسيات، من خلال السعي لامتلاك حسّ المعاصرة في مقاربة كلّ القضايا، ومنها السياسية، إذ لا بدّ للمسلم في سياسته من أن ينطلق من قواعده الإسلامية في المسألة السياسية، ويضع الأساليب المناسبة لذلك، بما يوجِّه المواقف التوجيه السّليم، بحيث يتّضح مدى استيعابه للغة عصره ومتطلّباته على الصّعد كافّة، ويبعده، بالتالي، عن الانحراف والتيه والسّقوط، فمن بين ما يهدف الخطاب الإسلاميّ، تحويل الأعداء إلى أصدقاء، وخلق جو من العقلانية التي تخفف الكثير من المتاعب للحياة. يقول السيد فضل الله(رض):

"الخطاب الإسلامي يمثّل إطلالة الإسلام من خلال مفكّريه أو دعاته على واقع الإنسان كله، من أجل أن يخاطب عقل الإنسان وقلبه وحياته، بالمفاهيم الإسلامية المتحركة التي تحكم حركة العقل والقلب والحياة، ولذلك، فإن من الطبيعي أن يكون الخطاب الإسلاميّ منسجماً مع المفاهيم الإسلاميّة الأصيلة، ومتحركاً في دائرة الأسلوب الإسلامي الّذي يؤكّد الحكمة التي تمثّل وضع الشّيء في موضعه، والموعظة الحسنة التي تمثّل الفكرة التي تفتح قلب الإنسان، من خلال عناصرها الحميمة التي تتحرّك في دائرة الشّعور الإنسانيّ، لتحتضنه بإيحاءاتها وبلفتاتها وبحماساتها وبمضمونها الفكري، الذي ينفتح عليه العقل والقلب معاً.

وهكذا، لا بدّ في الخطاب الإسلامي من الكلمة الطيّبة التي تفتح شخصية الإنسان على الفكرة، من دون أن تثير فيها الحساسيّات السلبيّة والحالات المتشنّجة المعقّدة، وبذلك، فإنّ الخطاب الإسلاميّ لا بدّ من أن يدخل دائماً في عملية استنفار لكلّ الكلمات، ليتمكّن الإنسان من التّمييز بين الكلمة السيّئة والكلمة الحسنة، وليختار الكلمة الألين التي تختصر الطريق إلى عقل الإنسان وقلبه، من خلال اختصارها لكلّ الحواجز والتّعقيدات التي قد تفرض ابتعاد الإنسان عن الفكرة وتعطّله عن وعيها، وهذا ما عبّر عنه الله سبحانه وتعالى في قوله: {وقُلْ لعبادي يقولوا الّتي هي أحسن}".

ويضيف المرجع فضل الله في معرض وصفه لما يكون عليه خطاب المسلم المعاصر والواعي لواقعه وما يحتاجه:

"وهكذا نطلّ على الأسلوب بالمعنى العام الذي قد تختزنه كلمة الحكمة، ولكنه قد يحتاج إلى بعض التفاصيل، فنحن بحاجة إلى أن يكون للخطاب الإسلامي في ذهن الذي يطلقه، إلى جانب القيمة الفكرية والسلامة الفكرية ـ حسّ المعاصرة ـ الحسّ السياسي الذي يجعله يلتقط المسألة السياسية في الواقع، ليخضعها للمسألة السياسية في الإسلام، في عملية امتصاص قد لا يستطيع الفكر أن يحتويها، ولكن يمكن للقلب أن يحتويها، ليعبّر عنها بطريقة فكرية أو عاطفية.

وهكذا، نجد أنه لا بدّ من حسّ اجتماعيّ، بحيث يعيش الإنسان من خلاله في مجتمعه، وهو يتمثّل في شخصيته الإحساس بمجتمعه بالمستوى الّذي يستطيع أن يتفهّم خلجات المجتمع ونبضاته وإيحاءاته، حتى في الجوانب الحميمة من علاقاته، لكي يتمكّن من خلال هذا الحسّ الاجتماعيّ، أن يملك الكلمات التي تمثّل الخطاب الإسلاميّ ـ الاجتماعي، وليدخل إلى عمق الشخصية الاجتماعية بشكل ميسّر، لا يثير أية مشاكل مما يمكن أن يثيره النّاس الذين يطلقون الكلمة من خلال التّجريد، بعيداً من الواقع الذي تتحرك فيه.

وهكذا، قد نلاحظ في هذا المجال، أنّ الإنسان الذي يوجّه الخطاب السياسي، يمتلك حسّ المعاصرة، بحيث يفهم عصره، من حيث تطلّعاته وخطوطه وأوضاعه العامّة على كلّ المستويات، لأنّ الإنسان الذي لا يفهم عصره، لا يستطيع أن يفهم لغة الناس الذين يخاطبهم، فالمعاصرة لغة، باعتبار أنّ اللّغة ليست مجرّد حالة صوتية، بل هي حالة ذهنية.

وعلى هذا الأساس، لا بدّ للخطاب الإسلامي السياسي من أن يملك حسّ المعاصرة، ليستطيع الإنسان أن يخاطب عصره من خلال ذوق العصر وفهم العصر وإحساس العصر، ولا أقول أن يسقط الإنسان أمام تأثيرات مفاهيم العصر، ولكن أن يتحرك من خلال وعيه لذهنية العصر التي تمثّل نقاط الضعف والقوّة في شخصية العصر كله، وهذا هو الذي نستوحيه من قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. فإننا نفهم أنّ على الإنسان أن يتحدّث في خطابه الإسلامي بالطريقة التي يستطيع أن يحوّل فيها أعداءه إلى أصدقاء. ومن الطبيعيّ أنّ ذلك يفرض الكثير من الدقّة في الفكر والإحساس والأسلوب واللّغة والحركة وإطلالة الشخصيّة التي تتحرك في واقع الناس، من أجل أن تجتذب ما لا يستطيع أن يجتذبه الكلام". [كتاب "خطاب الإسلاميّين والمستقبل"، ص 14-15].

هل من يهتمّ اليوم بواقع الخطاب الإسلامي وترشيده كما يجب، وخصوصاً في المسألة الاجتماعية والسياسيّة؟

إنّ علينا التحلي بالحكمة والوعي في تبسيط الخطاب وعصرنته، حتى نكون فعلاً ممن يعيشون عمق الشخصية الإسلامية في تحسّسها لآمال الناس وآلامهم، وينطلقون بأمانة من أجل تنزيل الخطاب منزلة الواقع، لا أن نعيش في خطابنا الغربة والانفصال عن القضايا الحياتيّة الملحّة. 

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ الإمام الكاظم(ع): مواجهة الطّغاة حتّى الشّهادة منبر الجمعة: 10 صفر 1440هـ/ 19 تشرين أول 2018م عائلتي تنتقدني دوماً.. ماذا أفعل؟ العلامة فضل الله نعى المحسن الكبير الحاج كاظم عبد الحسين مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر