اليوم: الاثنين7 شعبان 1439هـ الموافق: 23 ابريل 2018

القدس عاصمة الأديان

السيد جعفر فضل الله

ماذا يعني أنَّ "القدس عاصمة الأديان"؟ وهل القضيَّة المطروحة اليوم للقدس هي قضيّة دينية؛ أم هي قضيّة سياسيّة لها علاقة بالمنظومة الحاكمة للسياسة والعلاقات الدولية؟

هل فعلًا كانت ثمّة مشكلة للأديان في القُدس قبل أن تبدأ عصابات الهاغانا والآرغون والبالماخ والأرجون مجازرها بأهل الأرض في دير ياسين وغيرها من القرى والبلدان الفلسطينيّة؟

هل كانت ثمة مشكلة للأديان قبل أن يُعلن قيام الكيان الصّهيوني العنصري على قسمٍ كبير من فلسطين العام ١٩٤٨؛ وقبل أن يتمّ احتلال ما تبقّى من فلسطين إلّا قسمًا صغيرًا منها في العام ١٩٦٧؟

إنّ المشكلة في لبّها هي مشكلة مشروع استعماريّ بدأ يعبّر عن مشروعه منذ مائة عام مع وعد بلفور؛ لتكون الدولة المنتدَبة على فلسطين هي الدَّولة التي وعدت يهود العالم، الذين كانت لهم دولٌ وجنسيّات وتاريخ في بلدانهم الأمّ، في آسيا وأوروبا وأفريقيا… وغيرها، بوطن "قومي يهودي" يُزرع في قلب المنطقة.

هذا الكيان الذي بقي مرعيًّا من كلّ قوى العالم المصنّف "أوّلًا"، ومحميًّا من كلّ مؤاخذات شرائع حقوق الإنسان، ومُصانًا من كلّ إدانات المنظّمات الدولية وقوانينها، وهو الكيان الذي تقفُ ثقافته على النقيض من ديانات سكّان الكرة الأرضيّة، وهي مجموع المسلمين والمسيحيّين في العالم.. وعندما نقول "ثقافته"، فهذا يعني أنّ الخلل ليس في الأداء حتّى يتمّ ضبطُه بدولة راعيةٍ أو بمجلس أمن، وإنّما هو خللٌ بنيويّ يعبّر عن نفسه كلّما امتلك الأمان الكافي لينشر شرّه على من حولَه وحول العالَم.

إنّ الثّقافة العنصريّة التي لا تتمتّع بها الصّهيونيّة فقط، وإنّما المُراجِع للخطاب الديني اليهودي - بحسب ما آلت إليه - يُلاحظُ أنَّ ثقافتهم استعلائيّة ضدّ كلّ شعوب الأرض، وبالتالي، تخضع منظومة القيم لديهم لما يتوافق مع هذه النظرة، وهو ما نلمح حكايةً عنه في القرآن الكريم: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلّا ما دُمت عليه قائمًا ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل…}[1]، وفي هذا فساد لنظام العام وخروجه من ضبط أيّ معيار قيميّ أو أخلاقيّ عالٍ.

قتلُ الفلسطيني، والعربي، المسلم والمسيحي على حدّ سواء، ليس جريمةً؛ طالما أنَّ هؤلاء في نظرة المحتلّ الدينية "حشرات وأفاعٍ" - كما صرّح الحاخام عوفاديا يوسف، "عملاق التوراة"، كما وصفه نتنياهو في تأبينه العام ٢٠١٣ - "دعا إلى "إبادة العرب بالصّواريخ. يجب أن لا نرأف بهم، ولا بدّ من قصفهم بالصواريخ وإبادة هؤلاء الأشرار والملعونين"… وقال: "أكثروا من ذكر هذه الآية خلال عيد الفصح: "صُبَّ غضبكَ على الأغيار (غير اليهود)، فهذه مناسِبة جدًّا لأوضاعنا؛ لأنَّ أعداءنا يحاولون القضاء علينا منذ خروجنا من مصر وحتى اليوم، ومن دون توقّف". ونحن نعرف أنّ اليهود كانوا في فلسطين وغيرها من بلدان العرب، ومن بينهم عوفاديا نفسه، وإنما كانت حركتهم مقاومةً للاحتلال كردّ فعل.. ودعا الحاخام اليهودي اللهَ إلى أن "ينتقم من العرب، ويبيد ذرّيتهم، ويسحقهم ويخضعهم ويمحوهم عن وجه البسيطة". وفي آب ٢٠٠٤: "اليهودي عندما يقتل مسلمًا، فكأنّما قتل ثعبانًا أو دودة، ولا يستطيع أن ينكر أن كُلًّا من الثّعبان أو الدّودة خطر على البشر؛ لهذا، فإنّ التخلّص من المسلمين مثل التخلّص من الدّيدان، أمرٌ طبيعي أن يحدث". وبعدها، أصّل لذلك تلموديًّا: "إذا دخلت المدينة وملكتَها، فاحرص على أن تجعل نساءها سبايا لك، ورجالها عبيدًا لك، أو قتلى مع أطفالهم".

عندما احتُلّت فلسطين، لم تعد القدسُ عاصمةً للأديان؛ لأنّ كلّ السّياق التاريخي للقضيّة يؤكّد أنَّ "إسرائيل" مشروعٌ استعماريّ مناقضٌ لكلّ تعاليم الأديان، وكلّ قيم الإسلام والمسيحيّة، ومانعٌ لكل وحدةٍ بين أبنائهما، بل هو مناقضٌ لكلّ قيم العالم وشرائع الإنسانيّة. وهذا ما لمحناه في كلّ مشاريع الاستعمار التي لم ننفضْ غبارَها عنّا في كلّ المنطقة؛ حيث وجدنا أنّ المتحكّمين بسياسات العالم لا يهتمّون لشعوبٍ بأسرها، ولا بأتباع دياناتٍ، أن يتمّ ترحيلها من كلّ تاريخها ومجتمعاتها، تنفيذًا لمخطّطاتٍ هدّامة قادتها داعشُ وأخواتها المرعيّة بسياسة "باءٍ تجرُّ وأخرى لا تجرُّ"، بل تنصبُ وتقتلُ وتدمّر!

والقدس حينئذٍ لن تكون "قبلةَ الإنسان" إلّا بهذا المعنى؛ الذي يضعُ الإصبع على القضيّة الجوهريّة؛ فهل نحن أمام مدينةٍ، أم نحن أمام مدينةٍ ترمزُ جدران كنيستها التي تعانق جدران المسجد، وأزقّة الأحياء القديمة، إلى الإنسان الذي تعانقُ روحُهُ السَّماءَ وهو يمشي على الأرض، فتستحيلُ هذه الرّوح لديه إشراقة إنسانيّة على كلّ العالم؟! هذا هو التاريخ المشرق للقدس، عاصمة الأديان، وهذا هو إنسانُ القُدس الذي يُسحَق اليومَ بجرّافات الهدم للبيوت، ورصاص الإعدام للنفوس، وزنازين التّعذيب للطفولة البريئة الّتي تصرخُ اليوم في وجه "عهد التّميمي"، وهي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، وكذلك بالإنسان الذي يُصلبُ مجدّدًا في كلّ يومٍ، عندما يُدفَعُ نحو زقازيق اليأس المطبق على قضيّته، في داخل القدس وما حولها، وفي بلدان الشّتات التي اكتسبَ فيها الإنسان عنوان "اللاجئ"، بينما عنوانُهُ الحقيقيّ هو "المُهجَّر" عن أرضه.

القدس اليوم - بتمثيلها كلّ قضيّة فلسطين، جغرافية وتاريخًا وإنسانًا - هي الوجهُ السّافر للنظام العالمي الرّاهن، نظام وعد بلفور وترامب، واللائحة الآتية ممّن يكملون مشروع الاستعمار.

نظام يحمي فيه عصابات الإجرام ويمنع عنها أيّ محاسبة.

نظامٍ يفتح الحدود لكلّ حركات القتل والتّدمير طالما تخدم مصالحه.

نظامٍ ينادي بالحرّية والقمع على صعيدٍ واحدٍ.

نظامٍ يبتزّ الشّعوب بما يأخذه من جيوبهم ثمّ يمعن في إفقارهم.

نظامٍ تغيبُ عن ممارسته كلّ قيم الأديان الحقيقيّة باسم مصالح السّوق ورهن الشّعوب

نظامٍ تحكم فيه القوّة كلّ قيم العدالة والإنسانيّة، ولا تحكم العدالة فيه القوّة.

القوّة التي لا تقلب الوقائع فحسب، وإنما تقلب المفاهيم؛ فيصبح الأمر أنّ علينا أن نطالب للفلسطينيّين بدولة، وأن نبرهن أنّ المقاومة ليست إرهابًا، وأنّ أصحاب الأرض يحقّ لهم أن يعودوا إلى أرضهم ووطنهم.

هو نظامٌ جائرٌ لا ينسجم مع آيات القرآن والإنجيل، ولا شرعيّة له على منبر مسجدٍ ولا مذبح كنيسة.

ولذلك، إذا أردنا أن ترجع القدسُ عاصمة الأديان وقبلة الإنسان، فلا بدَّ من العمل على إرجاعها إلى شعبها، وإلى تاريخها، وأن يُعلَى الصّوتُ أمام هذا النظام العالميّ الجائر، لا أن نتنازل كمسلمين ومسيحيّين عن إسلامنا ومسيحيّتنا تحت ضغط الأمر الواقع.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* كلمة ألقاها سماحته في قرية السّاحة التراثيّة، بتاريخ الخميس: ٢٨-١٢-٢٠١٧، في مؤتمر تحت عنوان (التّضامن مع القدس، عاصمة الأديان وقبلة الأديان).    


[1] القرآن الكريم، سورة آل عمران: 75.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن تجويد القرآن بإثارة.. هل هو جائز؟! منبر الجمعة: 4 شعبان 1439هـ/ 20 نيسان 2018م الحسين والعبّاس: الإيمان والثَّورة حتّى الشَّهادة ابنتي تحبّ العمل المسرحي والسينمائي! غانا: اعتماد واتساب لتبليغ الأذان بدلاً من مكبّرات الصوت فضل الله: لطيّ صفحة الإهمال ومعالجة التلوّث التوسّل بأهل البيت(ع) فيسبوك سريلانكا.. "أبيدوا المسلمين حتى الرضّع"! منبر الجمعة: 26 رجب 1439هـ/ 13 نيسان 2018م الرَّسول الّذي أعاد للأخلاق اعتبارها أهلٌ يفتِّشون أدراج أولادهم وخزائنهم؟!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر