اليوم: الأحد12 صفر 1440هـ الموافق: 21 اكتوبر 2018

من دروس عليّ(ع) في معاينة الدّنيا

محرر موقع بينات

بالعودة إلى الذّاكرة، نستحضر بعض مواعظ المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله(رض)، والتي تطرّقت إلى قضايا روحيّة وأخلاقيّة وفكريّة عامّة. فقد تناول في خطبة الجمعة، والّتي ألقاها بتاريخ 4 ربيع أوّل العام 1420ه/ الموافق 18/6/1999، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بعض كلام أمير المؤمنين(ع)، لافتاً إلى معانيها ودروسها، داعياً الجيل الطّالع إلى أن يعيش مع القرآن والرسول وأهل البيت الكرام، تأكيداً لالتزامهم وانفتاحهم على الحقيقة الصّافي. جاء في كلام سماحته:

"في كلام أمير المؤمنين عليّ(ع) الفكر والحكمة والموعظة، وعندما نستمع إليه(ع) يتكلم، فإننا نستمع إلى الحقيقة الصافية النقية، ولا سيما في مواعظه التي تمتلئ بالروحانية الفيّاضة المتصلة بالله تعالى من دون حواجز، وتنفتح عليه ـ سبحانه ـ من خلال المعرفة الكليّة به، فقد قال عليّ(ع) وهو يتحدّث عن معرفته بالله: "لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً"، لأنه(ع) عرف الله عزّ وجلّ معرفة، بحيث لو أزيلت كلّ الحواجز التي تتمثل في السماء والأرض، فإن يقينه يبقى في مستواه. ويُروى عن رسول الله(ص) أنّه قال مخاطِباً أمير المؤمنين (ع): "يا عليّ، ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا".

لذلك، لا بدَّ لكم دائماً - أقولها للجيل الطالع من شبابنا ولكبار السنّ ولنسائنا - أن تعيشوا مع القرآن الكريم ومع رسول الله (ص) في كلماته، ومع أهل البيت (ع)، فإنكم بذلك تنفتحون على الحقيقة كلّ الحقيقة، وعلى الخير كلّ الخير، وعلى خطّ الاستقامة في كلّ مجالات الحياة.. فتعالوا نستمع إلى بعض كلمات عليّ(ع) التي يحدثنا فيها كيف نعيش الدنيا في استعدادنا للآخرة، حتى نليّن قلوبنا، ونبعدها عن هذه القسوة التي تغلّفها، وعن الاستغراق في الدنيا حتى كأننا خالدون فيها، ظنّاً أنّ سعادتها هي السعادة، وشقاءها هو الشقاء، ولكن عليّاً(ع) يحدّثنا بطريقة أخرى، فيقول:

"أمّا بعد، فإنّ الدنيا أدبرت - لأننا في كلّ يوم نستدبر يوماً آخر، أين الأمس وأين السنون الماضية من عمرنا؟ كانت مقبلة عندما وُلدنا، ومع مرور الزمن أخذ عمرنا يُدبر - وآذنت بوداع - أنذرتنا بأنكم سوف تودّعونني إن عاجلاً أو آجلاً، وقد أنذرت من كان قبلنا، فأين آباؤنا وأمّهاتنا وأجدادنا؟ لقد أنذرتهم الدنيا، وأكّدت أنه لا بدّ من يوم أودعكم وتودعونني فيه، وسوف تودّعنا ونودّعها - وإن الآخرة قد أقبلت - لأنّ كلّ يوم يذهب من الدنيا، فإننا نستقبل يوماً من الآخرة - وأشرفت باطّلاع - بحيث تأتينا بغتة، لأنّ الإنسان لا يعرف متى يأتيه الموت - ألا وإنّ اليوم المضمار - أي ساحة السباق التي تُدرّب فيها الخيول -وغداً السباق - إلى رحمة الله والجنة - والسبقة الجنة - لمن عمل للجنّة - والغاية النار - لأن الذي لا يعمل للجنّة، فإن آخر مصيره إلى النار - أفلا تائب من خطيئته قبل منيَّته - فالله تعالى فتح باب التّوبة، فتُب إلى الله، وهو الذي أعطى الوعد بأن يقبل منك - ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه"، فاعمل لنفسك قبل أن يأتي اليوم الّذي تُلحد فيه في قبرك وتقف في حشرك.

ويتابع أمير المؤمنين(ع) النداء: "ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل - لأن لكل أمل نهاية - فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد نفعه عمله، ولم يضرّه أجله - فمن عمل في أيام الفرصة، فأدى واجباته ولم يؤجّلها، فإنّ عمله سوف ينفعه، وعندما يأتيه الأجل، فإنه يكون مستعدّاً لهذه اللّحظة - ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد خسر عمله - لأنّه لم يشارك في السّوق في أيّام الموسم - وضرّه أجله. ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة، ألا وإنّي لم أرَ كالجنّة نام طالبها ـ الله يحدثنا عن الجنة وما فيها من سعادة ورخاء، ولكنّ الإنسان يتغافل عنها، مع أنه في الدّنيا يحارب من أجل متر واحد من قطعة أرض، فيبيع الجنّة بشربة خمر وبشهوة محرَّمة وبكلمة سباب وشتائم وحقد وكلمة تأييد لظالم - ولا كالنّار نام هاربها - فعجباً لبعض الناس الذين يحذّرونهم من الحريق وهم غارقون بالأحلام - ألا وإنّه من لا ينفعه الحق يضرّه الباطل - لأنّ البعض يزعم أنَّ الحقّ لا يطعمه خبزاً ولا يعطيه ما يريد، ظناً منه أنَّ الباطل ينفعه بينما فيه كلّ الضَّرر - ومن لا يستقيم به الهدى، يجرّ به الضّلال إلى الرَّدَى. ألا وإنّكم قد أمرتم بالظَّعن - السّفَر - ودُللتم على الزّاد -{وتزوَّدوا فإنَّ خير الزّاد التقوى} - وإنَّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتّباع الهوى - بأن يعطي نفسه ما تريد وتشتهي - وطول الأمل، وتزوَّدوا في الدّنيا من الدّنيا - من عملك وتقواك - ما تحرزون به أنفسكم غداً".

بعدها، يتعرض سماحته لمسألة اتباع الهوى الّذي يعمي عن رؤية الحقّ، ويمنع من السّير بما يقتضيه:

"وقد شرح الإمام عليّ(ع) هذا المقطع الأخير من ندائه بكلمة قالها في موضع آخر، جاء فيها: "أيّها النّاس، إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتّباع الهوى، وطول الأمل، فأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ - لأنّ هوى النفس وشهواتها تبعد الإنسان عن مواقع رضى الله تعالى وطاعته، وعن مواقع الحقّ في علاقتك مع الناس ومع الحياة كلّها، وقد قال الله تعالى: {وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النّفس عن الهوى* فإنَّ الجنَّة هي المأوى} - وأمّا طول الأمل، فيُنسي الآخرة، ألا وإنّ الدنيا قد ولّت حذّاءً - سريعة - فلم يبقَ منها إلا صُبابة كصبابة الإناء اصطبّها صابّها - ونحن نصبّ من عمرنا ولم يبقَ منه إلا القليل -ألا وإنَّ الآخرة قد أقبلت، ولكلّ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا، فإنّ كلّ ولد سيُلحق بأمّه يوم القيامة - فإن كنت من أبناء الدّنيا، فإنّ الدنيا قد ذهبت، وليس لك شيء فيها، وإن كنت من أبناء الآخرة، فإنها تضمّك وتحتضنك، ولاتزال بك حتى تدخلك الجنّة - وإنَّ اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".

هذه موعظة عليّ(ع) التي لم تقتصر على المرحلة التي عاش فيها، وإنما هي للإنسان كلّه وللزّمن كلّه، فتعالوا نأخذ من وعظ عليّ(ع) وروحانيّته ومعرفته بالله، فإنّنا عندما نلتزم عليّاً(ع)، فإننا نلتزم النّور والنّبأ والحقيقة، وإذا التزمنا عليّاً(ع)، التزمنا محمّداً(ص) معه، وإذا التزمناهما، فإنّنا نلتزم الله تعالى، لأنّ محمداً رسول الله، ولأنّ عليّاً وليّ الله، ولأنّ الله ربنا وحده لا شريك له.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ الإمام الكاظم(ع): مواجهة الطّغاة حتّى الشّهادة منبر الجمعة: 10 صفر 1440هـ/ 19 تشرين أول 2018م عائلتي تنتقدني دوماً.. ماذا أفعل؟ العلامة فضل الله نعى المحسن الكبير الحاج كاظم عبد الحسين مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر