اليوم: الخميس6 ذو القعدة 1439هـ الموافق: 19 يوليو 2018

دور المرجعيّة الشيعيّة في عصرنا

محرر موقع بينات

 كعادته في الإطلالة على قضايا الأمَّة المختلفة، ومقاربتها من وجهة نظر إسلاميّة أصيلة، كان سماحة العلامة المرجع السيِّد محمد حسين فضل الله(رض)، قد أدلى بهذا الحديث عن ماضي المرجعيّة الشيعيّة وواقعها ومستقبلها، بتاريخ شباط/ فبراير من العام 1992، ونُشر في مجلّة (البلاد) اللّبنانيَّة، وذلك في إجابته عن سؤالٍ حول دور المرجعيّة على مستوى الفكر والأمّة والسياسة:

المرجع يمثّل القائد للأمَّة، الّذي لا بدَّ له من أن يختزن في شخصيّته الكفاءات الثقافيّة والروحيّة والعلميّة

ـ في الواقع، إنَّ الذهنيّة الشيعيّة الّتي تنطلق من الخطّ الذي يبتدئ من النبوّة مروراً بالإمامة، ليطلّ على المرجعيّة، هي أنَّ المرجع يمثّل القائد للأمَّة، الّذي لا بدَّ له من أن يختزن في شخصيّته الكفاءات الثقافيّة والروحيّة والعلميّة، الّتي تمكّنه من أن يكون أميناً على سلامة حياة الأمّة في كلّ هذه الجوانب. أنا لا أدّعي أن يكون أعلم النّاس في كلّ شيء، وأكثر الناس خبرةً في كلّ شيء، ولكنني أقول إنّ المفروض أن يكون للمرجع الرشد الفقهي، والرشد الاجتماعي، والرشد الحركي، مع الاستقامة الأخلاقيّة في الخطّ، والقوّة الروحيّة التي يستطيع من خلالها أن يطلّ على قضايا الأمّة، وأن ينفتح على كلّ الخبرات والطّاقات، من موقع الإنسان الذي يستطيع أن يستفيد من هذه الخبرات، باعتبار أنّه يمثّل حركية تلك الطاقة. وأن يكون الإنسان الّذي يحمل اهتمامات الأمّة في اهتماماته، ويتحرّك مع الأمَّة ليعطيها غنى في التجربة، كما يأخذ غنى التجربة، ليكون معلّماً وتلميذاً في آن واحد.

حدود المرجعيّة

إنّني أتصوّر أن المرجعية لا بدَّ من أن يكون لها حضور شامل في كل قضايا الأمّة، وفي كلّ قضايا العالم التي تتّصل بمصير الأمّة الإسلاميّة، فلا يجوز أن يكون المرجع غائباً عن أية قضية من قضايا المستضعفين، أو أية قضية من قضايا المسلمين في العالم، حتى تلك التي لا تتّصل بالواقع الشيعي أو الإسلامي، لأنَّ المرجع الذي يحمل رسالة الإسلام، لا بدَّ من أن يطلّ على الواقع العالميّ في كلّ اهتزازاته وتياراته، وفي كلِّ مواقعه، لأنَّ ذلك من مسؤوليَّته في ما هي مسؤوليّة الإسلام في العالم، ولأنَّ ذلك يتّصل بالمسلمين بشكل عام، وبالشّيعة بشكل خاصّ.

إنّنا نتصوّر أنّ مسألة الحضور السياسي والثّقافي والروحي، عنصر حيويّ من عناصر المرجعيّة، التي تكون في مستوى العصر والإسلام والتحدّيات الكبيرة التي يواجهها الإسلام في هذا العصر، فهو يصل إلى مرتبة الرّسول أو إلى مرتبة الإمام، ما يجعل مسألة المرجعيَّة تتّسع حسب اتّساع مسألة الإسلام، ومسؤوليّتها تكبر حسب مسؤوليّات الإسلام.

المرجعيّة عند الإمام الخميني

فليست هناك حدود لمسؤوليّات المرجعيّة، مادام الإسلام لا يعيش مثل هذه الحدود. ومن هنا، فإنَّ موقع المرجعيّة في نظر الإمام الخميني(رض)، هو موقع الإسلام في كلّ المجالات، فلا بدّ من أن تتحرّك حيث يتحرّك الإسلام، وهذا هو الّذي يجعل المرجع الموصل للقيادة والولاية، منفتحاً على كلّ الحياة، وعلى كلّ الواقع، وعلى كلّ المسؤوليَّات.

وعند السيّد الصّدر

أمّا الشّهيد السيّد الصدر(رض)، فإنّه في الفقه الإسلاميّ الواسع، ليس بعيداً من هذا الخطّ، وقد لاحظنا كيف استقبل نجاح الثورة الإسلاميّة، ونجاح الإمام الخميني في قيادته، بالكلمات الرّائعة التي أطلقها في ضرورة الذّوبان في مرجعية الإمام الخميني، لأنه يلتقّي بهذا الأفق الواسع الّذي انطلق منه الإمام الخميني، وحاول أن يتحرَّك في هذا الخطّ في رسالته "الإسلام يقود الحياة". ولكنّه عندما تحدّث عن المرجعيّة، كان يتحدَّث فيما أسماه "المرجعيّة الرشيدة"، عن الجانب التنظيمي الإداري للمرجعيّة، من خلال طبيعة مسؤوليَّاتها الإداريّة. وبتعبير آخر، كان يريد أن يحدِّد الوسائل العملية الّتي تجعل المرجعيّة تتحرّك كمؤسَّسة لا كشخص. ولذلك، فإنّنا لا نستطيع أن نقول إنَّ الشّهيد الصّدر قد ابتعد عن خطِّ الإمام الخميني في هذا الأفق الواسع، ولكنّه لم يعش هذه التّجربة، ولم يرافق حركة الثّورة الإسلاميّة بهذه الشموليّة، وأعتقد أنّه لو مدّ الله في عمره، لما اختلف عن الإمام الخميني في أيّ جانب من الجوانب.

موقعيّتها عند المرجع فضل الله

أما رأينا، فإنّنا نعتقد أنّ المسألة تتحرّك في هذا الخطّ، ويمكن لنا أن نفكّر في الجانب الواقعيّ للمسألة، عندما لا نستطيع أن نتحكّم بالظّروف السياسيّة الواسعة التي يمكن أن تدفع بالمرجعيّة إلى أن تكون قوّة فاعلة تهزّ العالم... إنّنا نتصوّر أنّه لا بدّ لنا، إضافةً إلى ما ذكره السيّد الشّهيد من التّخطيط الإداري للمرجعيّة الرّشيدة، من بحث الخطوط العامّة، لأننا لسنا في وارد بحث التفاصيل التي قد يفكّر الإنسان في أنَّ من الممكن أن تتوسَّع أو تضيق. ولذا نتصوَّر أنّ المرجعيّة الإسلاميّة الشيعية قد تحتاج في ظروفها المحدَّدة، أو في طبيعة أوضاعها الخاصّة، إلى أن تتحرّك في دائرتين:

تحتاج المرجعيَّة إلى أن تكون مرجعيّة مؤسَّسة، بحيث يأتي المرجع إلى مؤسَّسة تختزن تجارب المراجع السَّابقين

الدائرة الأولى: هي أن لا تكون المرجعيّة شخصاً، بحيث يرث أولاده تراثه وتجربته، أو أن تكون أجهزته خاضعة لخصوصيّاته، بل أن تكون المرجعيّة مؤسَّسة، بحيث إنَّ المرجع يأتي إلى مؤسَّسة تختزن تجارب المراجع السّابقين، بحيث يكون بين يدي المرجع الجديد، كلّ الوثائق الّتي تمثّل علاقات المرجعيّة بالعالم، وتجاربها، وخصوصيّات القضايا الّتي عالجتها، حتّى في مسألة الاستفتاء والأسئلة والأجوبة، وبحيث يجد المرجع الجديد كلّ هذه التجارب جاهزة في مؤسّسة المرجعيّة، ليبدأ من حيث انتهى المرجع السّابق، لا ليبدأ من نقطة الصّفر بعيداً من كلّ التجارب السّابقة. وفي هذا المجال، نحن لا نمانع في أن يكون للمرجع معاونون يختارهم في حركته، ولكن على أن لا يكونوا هم المؤسَّسة، بل أن يكونوا المعاونين الّذين ينسجم معهم في دائرة المؤسّسة وإطارها.

الدّائرة الثّانية: هي أنّنا نتصوّر أنّه لا بدَّ للمرجع من أن يطلّ على قضايا العالم، ولو من ناحية اتخاذ المواقف السياسيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة الّتي تطلّ على كلّ مواقع المرجعيّة، أو ما يمتدّ منها إلى أبعد من هذه المواقع، مما تتأثّر به سلباً أو إيجاباً.

وهناك نقطة ثالثة في هذا المجال، وهي مسألة أن يتحرَّك المرجع في أنحاء العالم، وأن لا يبقى في موقعه بعيداً من الناس، بحيث يكون موقع المرجعيَّة، مع بعض الفوارق، شبيهاً بموقع البابويّة، فلا بدَّ للمرجع، تبعاً لظروفه الخاصَّة والمرحلة الّتي يعيش فيها، من أن يطلَّ على مواقع مرجعيَّته، ليخاطب النَّاس، وينفتح عليهم، ويتحدَّث في شؤونهم. إنَّ هذا هو الّذي يمكن أن يحقِّق للمرجعيّة حيويّتها وحركيّتها التي تكون بها عنصراً فاعلاً في حياة كلّ النّاس الّذين ينتمون إليها ويتبعونها.

ومن الطبيعيّ أنَّ الجوانب التنظيميّة في هذه المؤسَّسة، لا بدَّ من أن تخضع لتخطيط معيّن، بحيث تتكامل كلّ المواقع في داخل الموقع الكبير. إنّني أتصوَّر أنّ طبيعة تحدّيات العصر، وشموليّة قضاياه، والمتغيّرات الّتي تتحرّك بين يومٍ وآخر، والحيرة الّتي يعيشها الناس في ما هو تكليفهم الشرعيّ في كلّ القضايا التي تتّصل بحياتهم السياسيّة والاجتماعيّة، تحتاج إلى أن تخرج المرجعيّة من عزلتها، وأن يكون المرجع إنساناً منفتحاً على الإسلام كلّه، وعلى العالم كلّه، وعلى كلّ المتغيّرات التي تتحرّك في ساحته، انفتاح الموقف، لا انفتاح الثّقافة فحسب.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ابني يشاهد صوراً إباحيّة؟! ثانويّة الرّحمة تكرّم طلابها المتفوّقين الاجتماع السنوي لهيئة أمناء الإشراف على مؤسَّسات السيّد فضل الله الذّكرى السنويّة الثامنة لرحيل السيّد فضل الله في الدنمارك الإمام الصّادق(ع).. إمام العلم والحوار منبر الجمعة: 29 شوّال 1439هـ/ 13 تمّوز 2018م إيرلندا تقاطع المستوطنات الصهيونيّة علاقتنا باردة.. ماذا أفعل؟ السبت أوّل أيّام شهر ذي القعدة 1439 فوز مصوّر بوسام شرف من ألمانیا مؤتمر حول الاجتهاد الإمامي في برمنغهام
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر