اليوم: الثلاثاء22 شوال 1440هـ الموافق: 25 يونيو 2019

شهر رمضان وعادات خاطئة

الشّيخ حسن الصفّار

شهر رمضان المبارك أفضل منطقة زمنيّة يمرّ بها الإنسان خلال العام، حيث اختصه الله تعالى بالخير والفضل من بين سائر الأزمنة والأوقات، وجعل فيه ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، واختاره ليكون مهبطاً لوحيه ورسالاته، حيث أنزل فيه القرآن الكريم، وقبل ذلك، كان فيه نزول التوراة والإنجيل والزبور.

ويكفي في فضل هذا الشهر، ما ورد عن رسول الله: "سيد الشهور شهر رمضان".

ولتأكيد الخاصيّة والتميزّ لهذا الشهر الكريم، فرض الله صيامه على الناس، ليعيشوا فيه جواً وبرنامجاً فريداً، يساعدهم على الارتقاء إلى مكانة هذا الشهر ومقامه العظيم.

فعلى الصعيد النفسيّ، فإنه دورة تدريبية، لتربية الإنسان على التحكم في رغباته وشهواته، حيث يمتنع بقرار ذاتي عن الطعام والشراب، وسائر المفطرات، مع ميله إليها، أو حاجته لها في بعض الأحيان.

واجتماعياً: يتحسس الإنسان من خلال الصوم جوع الفقراء والمعدمين، ويشعر بمعاناتهم وحاجتهم.

وروحياً: فإن التسامي على الرغبات، والتفاعل مع الأجواء المباركة للشهر الكريم، ينتج صفاءً روحياً، وحيوية معنوية عالية.

لكن هذه الفوائد والمنافع وأمثالها، إنما تتحقّق مع الوعي بها والتوجه إليها، وإتاحة الفرصة لفريضة الصوم المباركة، ولأجواء رمضان الكريمة، أن تؤدّي مفعولها، وتعطي آثارها، دون معوّقات أو حالات مضادة مناوئة.

ومما يؤسف له، نمو بعض العادات الخاطئة، والحالات السلبية، التي تجهض آثار الصوم، وتقلّل الاستفادة من بركات الشهر الكريم.

حينما يمتلك الإنسان وقتاً غالياً مهماً، فإن عليه أن يقضيه في أفضل الأعمال والبرامج، لا أن يضيعه في التوافه والأمور البسيطة.

وشهر رمضان كأفضل وأغلى فترة زمنية تمرّ على الإنسان في العام، ينبغي عليه أن يحرص على كلّ ساعة من ساعاته، ولحظة من لحظاته.

ومعنى ذلك، أن يحفل شهر رمضان بأفضل البرامج، وأحسن الأعمال، وأن يكون إنتاج الإنسان فيه أكثر، وفاعليته أكبر.

لذا، نرى التعاليم الإسلامية تقدم برامج مكثفة من الأعمال العبادية في شهر رمضان:

•فهناك أوراد وصلوات مستحبة كثيرة.

•وأدعية متنوعة لأيام هذا الشهر ولياليه.

•وقراءة القرآن الكريم يستحبّ زيادتها ومضاعفتها.

وفي المجال الاجتماعي: هناك توجيه ديني لتكثيف النشاط الاجتماعي في شهر رمضان، فهو شهر النشاط والحركة والعمل.

لكن ما تعوده الكثيرون في مجتمعاتنا، هو اتخاذ هذا الشهر الكريم موسماً للخمول والكسل، حيث يتدنى فيه الأداء التعليمي في المدارس، والوظيفي في الدوائر والمؤسسات، ويقضي قسم كبير من الناس فيه النهار نوماً واسترخاءً، بحجة الصّيام، وكأن الصوم داع للكسل، أو بديل من العمل، فيوقف الإنسان حركته لكي يصوم. وتلحظ بعض التقارير انخفاض مستوى الإنتاجية العملية لدى قسم من المجتمعات الإسلامية في شهر رمضان.

بينما نجد في تاريخنا الإسلامي، أن شهر رمضان المبارك قد احتضن الكثير من المعارك الفاصلة بين المسلمين والكفار، وسجّل المسلمون فيه أروع البطولات والانتصارات، فغزوة بدر الكبرى وقعت في أول شهر رمضان يفرض اللَه صومه، في السنة الثانية للهجرة، وفتح مكة المكرّمة حصل في السنة الثامنة للهجرة، وفتح المسلمون جزيرة (رودس) سنة 53ه، كما فتحوا ثغور الأندلس العام 91هـ.

وفيه انهزام الإفرنج المسيحيّين الذين استولوا على سوريا وضواحيها، على أيدي جيوش المسلمين العام 584هـ.

وآباؤنا وأجدادنا كانوا يصومون شهر رمضان، مع قيامهم بكلّ وظائفهم الحياتية، فما كانت الأعمال تتوقف في بلادنا فترة الصيام.

فكيف حدثت هذه الظاهرة السلبية باستيلاء الخمول والكسل على الكثيرين في نهار شهر رمضان؟

ومن الناحية الصحية: فإنّ النوم فترة الصيام، يضعف استفادة الجسم من الصّوم، فقد ذكرت المراجع الطبية: أن الحركة العضلية في فترة ما بعد امتصاص الغذاء -أثناء الصوم - تنشط جميع عمليات الأكسدة لكلّ المركبات التي تمدّ الجسم بالطاقة، وتنشط عملية تحلل الدهون، كما تنشط أيضاً عملية تصنيع الجلوكوز بالكبد، من الغليسرول النّاتج من تحلل الدهون في النسيج الشحمي، ومن اللاكتيت النّاتج من أكسدة الغلوكوز في العضلات.

ويحتوي كتاب (الصيام معجزة علمية) للدكتور عبد الجواد الصاوي، على بحث علمي جميل حول هذا الموضوع، تحت عنوان: (هل الأفضل في الصيام الحركة أم السكون؟).

يضاف إلى ذلك، أن نوم النهار للصائم، يشكّل مصادرة لأغلب استهدافات الصوم.

فهو لا يتحسس الجوع، ولا تستثيره الرغبة أو الشهوة، فكيف يصدق على الصّائم النائم أنه يذوق مسّ الجوع فيشعر بمعاناة المعدمين؟ أو أنه يتعالى على شهواته ورغباته فتنمو عنده ملكة التقوى؟

وإذا كان الإنسان طوال السنة، يأكل ويشرب أثناء النهار، ويمتنع عن الأكل والشرب عند نومه في الليل، فإنه في هذه الحالة يعكس برنامجه، فيأكل ويشرب أثناء الليل، ويمتنع عن الأكل وهو نائم في النهار. فما الفرق إذاً؟

من أجلى فوائد الصوم الظاهرة، تربية الإنسان على التحكّم بشهوة الطعام.

وأغلب مشاكل الإنسان الصحية تأتيه من الاسترسال مع شهوة الطعام والشراب، وخصوصاً في هذا العصر الذي تتفنّن فيه وسائل الدعاية والإعلام، لتشجيع حالة الاستهلاك، وتسعى مصانع ومتاجر الأغذية، لإثارة رغبات الناس أكثر في ألوان المنتجات الغذائيّة، كما أن طبيعة الحياة عند الكثيرين، لا تستلزم بذل جهد وحركة، لتصريف الطاقة التي يوفرها الطعام للجسم.

وتأتي فريضة الصوم لتلفت نظر الإنسان إلى ضرورة التحكم بطعامه وشرابه، وضبط رغبته وشهيته، لكن المؤسف جداً، هو ما يسود حياة أغلب مجتمعاتنا، حيث ترتفع وتيرة الاستهلاك الغذائي في شهر رمضان، وحسب بعض التقارير الاقتصادية، فإنّ استهلاك الدول الإسلامية من الموادّ الغذائية يزداد في شهر رمضان.

فقد أصبح الشهر الكريم موسماً للأكل، وانطلاق شهوة الطعام!

وفي مجتمعاتنا، وحيث الوفرة الاقتصادية، والاسترسال مع الشهيّة والرغبة، أصبحنا نعاني انتشار بعض الأمراض الخطيرة، التي تنتج غالباً من عدم التحكم في البرنامج الغذائي.

فقد أعلن في مؤتمر السكر العالمي الذي انعقد في القاهرة، عن تصدّر السعودية قائمة الدول التي ينتشر فيها مرض السكري، بعد أن تم تشخيص 900 ألف حالة سكري في المملكة، أي ما يعادل 17% من جملة السكان.

ففي عام واحد، حصلت 13 ألف عملية بتر أعضاء في المملكة بسبب السكّري، وفي الرياض وحدها، تجري 36 عملية بتر أعضاء يومياً!! وهي نسب أعلى من المعدلات العالمية.

ويشير التقرير السنوي الذي تصدره منظمة الصحة العالمية، إلى أن معدل الزيادة السنوية لمرض السكر في المملكة نسبتها 4% أي أن 36 ألف شخص جديد كل عام يصابون بالسكري في المملكة!! والمنطقة الشرقية قد تكون هي الأولى في زيادة الإصابة بهذا المرض.

والى جانب مرض السكري، يزداد انتشار أمراض القلب التي تنشأ غالباً من زيادة نسبة الكلوسترول والدهون في جسم الإنسان.

إنّ علينا أن نعيد النظر في برامجنا وعاداتنا الغذائية مع تغيّر نمط حياتنا ومعيشتنا، ولا يصحّ أبداً الاستجابة للرغبات والشهوات على حساب صحتنا ومستقبل حياتنا.

وعلينا أن نسأل أنفسنا: هل نحن نعيش لنأكل، أم نأكل لنعيش؟ إذا كان الأكل من أجل الحياة، فلنضبطه حسب مصلحة الحياة.

وشهر رمضان ينبغي أن نتدرب فيه على الانضباط الغذائي، لنستفيد من فريضة الصوم العظيمة.

*نقلا عن الموقع الرسمي لسماحة الشيخ حسن الصفار (حفظه الله)، صحيفة اليوم 4 / 11 / 2003م.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! معركة أحد: عندما يتحوَّل النَّصر إلى هزيمة! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر