اليوم: الخميس17 شوال 1440هـ الموافق: 20 يونيو 2019

الوقاية من الخلافات الزوجيّة

الشّيخ حسن الصفّار

من وظائف الزواج الأساسيّة، تحقيق الاطمئنان والاستقرار النفسي، حيث يجد كلّ من الزوجين في الآخر مبعث سرور وارتياح، وسند تعاطف ودعم، في مواجهة مشاكل الحياة، وتلبية احتياجاتها.

لذلك، يعبّر القرآن الكريم عن العلاقة الزوجيّة بأنها سكن وملجأ يأوي إليه الإنسان. يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}.

ولا يحصل السكون والاطمئنان في الحياة الزوجيّة، إلا إذا كانت العلاقة بين الزوجين في إطار المودة والرحمة. والمودّة تعني الحبّ والانشداد العاطفيّ، والرحمة تعني رفق كلّ منهما بالآخر، وشفقته عليه.

وذلك هو أرضية التوافق الزواجي، الذي لا تحقّق الحياة الزوجية أغراضها إلا بوجوده. ويعني التوافق الزواجي: قدرة كلّ من الزوجين على التواؤم مع الآخر، ومع مطالب الزواج. ونقيض التوافق، حالة التنافر التي تبدأ بحصول انطباعات سلبيّة من أحد الزوجين تجاه الآخر، أو من كليهما، وبصدور ممارسات وتصرفات من أحدهما مخالفة لرغبة الآخر، أو من كليهما، مما يلبد سماء الحياة الزوجية بغيوم الخلاف والنزاع، ويكدّر صفوها بشوائب الأذى والانزعاج.

إنّ الخلافات والمشاكل في الحياة الزوجية، إذا لم تعالج، تسلب الطرفين راحتهما وسعادتهما، وتفقدهما أهمّ ميزات الارتباط الزواجي وخصائصه، ويضغط الخلاف العائليّ على الإنسان أكثر من أي خلاف آخر، لأنه يقع في أقرب الدوائر والحلقات إلى ذاته.

كما تنعكس الخلافات العائلية على تربية الأولاد، فتتمزق نفوسهم، وتضيع حقوقهم، ويستقبلون الحياة من خلال أجواء سيئة ملوثة. بالطبع، مهما كانت درجة التوافق الزواجي عالية، فإنها لا تمنع حصول بعض الخلافات والإشكالات فيما بين الزوجين، بخاصّة في السنوات الأولى من الزواج، حيث تكون خبرة كلّ منهما بالآخر قليلة، والثقة في بدايتها. لكن أسلوب التعامل مع المشاكل الحادثة، إذا كان واعياً ناضجاً، فإنه يمنع تفاقمها وتطورها، بل يحوّلها إلى مصدر إغناء وحماية لتجربة التوافق بين الزوجين. لا أحد من الزوجين يرغب في وجود مشاكل في حياته الزوجية، بل يتمنّيان السعادة والانسجام. لكن هناك عوامل وأسباباً، تنشأ وتنمو في ظلها الخلافات والمشاكل العائلية، منها أسباب ذاتية تعود إلى ضعف ثقافة العلاقات الزوجية، حيث يعتمد الأزواج الجدد في بناء حياتهما الزوجيّة، على الاندفاع العاطفي، ومحاكاة الحالة القائمة في المجتمع، وعلى الإدراك العفوي البسيط لطبيعة العلاقة الزوجيّة، دون أن يتوفروا على معرفة مناسبة لتشريعات الإسلام وتعاليمه، فيما يرتبط بالحقوق المتبادلة بين الزوجين، وبآداب وأخلاق التعامل العائلي. ودون اطلاع كاف على الأبحاث والتوجيهات العلمية المتخصّصة.

ومن الأسباب الذاتية، انحراف المزاج وسوء الأخلاق، الذي قد يكون لدى أحدهما أو كليهما، وبمقدار ذلك، تحدث الخلافات والأزمات، إن لم يكن الطرف الآخر قادراً على الاستيعاب والتكيف.

وهناك أسباب خارجيّة، منها تدخلات بعض أهالي الزوجين، ومنها الصعوبات الحياتية المعيشية. فكثيراً ما تنعكس الأزمات الاقتصادية للعائلة على التوافق الزواجي. الوعي الحياتي للزوجين، وتوفرهما على مستوى من الثقافة الزوجية، يشكّل عامل وقاية وحصانة من نشوب الخلافات الضارّة، أو اشتدادها وتفاقمها. ومهما كانت درجة التوافق الزواجي، فإن حصول شىء من الخلاف أمر محتمل ومتوقع، وخصوصاً عند مواجهة الأزمات والصعوبات، وهنا يأتي دور الوعي ونضج الشخصيّة، لمعالجة الموقف بتعقل وحكمة، بعيداً عن التشنج والانفعال، الذي يحول المشكلة البسيطة إلى قضية معقدة. والتعاليم الدينية التي تتحدث لكلّ من الزوجين حول حقوق الآخر وفضله ومكانته، وتحثّ على احترامه وخدمته، وتحمل ما قد يصدر عنه من أخطاء أو تقصير، إنما تريد تعزيز المناعة في نفسية الطرفين تجاه ما قد يواجههما من مشاكل في علاقتهما الزوجيّة.

فهناك نصوص دينيّة كثيرة تخاطب الزوج ليعرف قدر زوجته، وليحسن معاشرتها، وليتحمّل مسؤوليّته تجاهها. ففي آيات متعدّدة، يؤكّد القرآن الكريم معاشرة الزوجة بالمعروف، يقول تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، ويقول تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. وينهي الله تعالى الرّجل عن توجيه أية مضايقة لزوجته، أو إنزال أي ضرر بها في حياتها المعيشية، كالسكن، حتى ولو كانت مطلّقة، مادامت في فترة العدة الرجعية. يقول تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ}.

وفي السنّة الشريفة أحاديث وروايات كثيرة تخاطب الزوجة، لتذكّرها بفضل الزوج، ودوره ومكانته في حياتها الزوجية، وأن عليها أن تحترم مقامه كربّ للأسرة ومتحمّل لأعبائها ومسؤولياتها...

إن إجراء عقد الزواج بالإيجاب من قبل الزوجة أو وكيلها، والقبول من طرف الزوج أو وكيله، يعني توقيعهما على اتفاقية مشتركة ينبغي أن تسبقها معرفة واضحة من كليهما، بما تلزمه هذه الاتفاقية من واجبات تجاه الآخر، وما تعطيه من حقوق على الآخر، لكن مثل هذه المعرفة الواضحة بالواجبات والحقوق الزوجية، قد لا تتوافر لكثير ممن يدخلون عشّ الزواج الذهبي.

ومن الملحوظ أن التصدي للأعمال المهمة، يأتي بعد التأهيل والاستعداد المناسب لإنجازها، فقيادة الطائرة، أو حتى السيارة، ومباشرة العمل الطبي، بل حتى التمريض، وكذلك التعليم، وما شابه من الأعمال والمهام، عادةً ما يسبقها تأهيل وإعداد، لكن الحياة الزوجية على أهميتها، يدخلها الشاب والفتاة دون التوفر على برنامج تأهيلي إرشادي، ودون الحصول على مستوى من الثقافة والمعرفة، لطبيعة هذه العلاقة الزوجية، ووظائفها وآدابها، ومواجهة ما قد يعترضها من عراقيل وصعوبات.

إن ذلك يجب أن تتكفّله مناهج التعليم في المرحلة الثانوية والجامعية، ويجب أن يسبق عقد الزواج إرشاد توعويّ، ولو عن طريق التثقيف الذاتي، بأن يعطى كلّ من الزوجين بحوثاً تتضمن تعاليم الإسلام في تسيير الحياة الزوجية بوسائل مقروءة أو مسموعة. وقد بادرت بعض المؤسسات الاجتماعية إلى عقد دورات تثقيفية توعوية لمجاميع من المقبلين على الحياة الزوجيّة، وهو برنامج مفيد جداً ينبغي أن يتحول إلى سنّة حسنة، ليساعد أبناءنا وبناتنا على النجاح في حياتهم الزوجية، وخصوصاً ونحن نعيش ظرفاً زادت فيه حدة المشاكل العائلية، وارتفعت وتيرة الطلاق، كما تتحدث الأرقام والإحصائيات.

* المقال منشور في صحيفة اليوم، بتاريخ 5 ـ 2 ـ 2003م.

إنَّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر