اليوم: الجمعة7 ذو القعدة 1439هـ الموافق: 20 يوليو 2018

معركة أُحد واستشهاد الحمزة عم النبيّ(ص)

العلامة الشّيخ جعفر السبحاني

وهي سنة الدفاع عن الحرية والكرامة، وقد وقعت فيها معركة أُحد التي تعدّ من أعظم المعارك في الإسلام.

فقد قرر كفّار قريش إعلان الحرب على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، على أن تتكفّل قريش نفقاتها، فأعدّت 4 آلاف مقاتل، إضافةً إلى النساء اللائي هدفوا من اشتراكهن: تحريض الرجال على القتال، والصمود وعدم الفرار، وإشعال الحماس في النفوس، وإنّ فرار الرجال يعني أسرهنّ، فتصبح الغيرة والحمية سبباً للمقاومة والصّمود.

كما اشترك في الجيش عدد من العبيد والرقيق طمعاً في العتق الذي وعدوا به متى ما نصروا أسيادهم، مثل وحشي الحبشي.

إلّا أنّ العباس بن عبد المطلب الذي عاش بين قريش كاتماً إيمانه، كتب تقريراً مفصَّلاً عن تلك الاستعدادات، وأرسله مع رجل غفاري إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي أخبر أصحابه بالأمر. ثمّ عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الجمعة اجتماعاً عسكرياً للتشاور مع القادة وأهل الخبرة في وسائل مواجهة العدو، فأشار «عبد الله بن أُبي بن سلول» ـ من منافقي المدينة ـ بالقتال داخل المدينة، أي لا يخرج المسلمون منها، بل يقاتلونهم حرب الشوارع. إلا أنّ فتيان المسلمين شجبوا هذا الرأي، وأقروا الخروج من المدينة لملاقاة العدوّ، بعد أن أيّد الرأي السابق أكابر أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والأنصار.

وكان حمزة وسعد بن عبادة على رأس القائلين بلقاء العدوّ خارج المدينة، فأيّد النبيّ رأي الأكثرية بالخروج للحرب، إذ إنّ محاصرة العدوّ للمدينة وسيطرته على مداخلها وطرقاتها، وسكوت جنود الإسلام على ذلك، من شأنه أن يقتل الروح القتالية والفروسية في أبناء الإسلام المجاهدين.

وكان جيش الكفّار قد وصل أطراف المدينة، حتى استقرّ قرب جبل أُحد، يوم الخميس، الخامس من شهر شوال، فاستعدّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن لبس لامته والدرع وتقلّد السيف واعتمّ، فخرج من بيته، ممّا أثار المسلمين وهزّهم بشدّة، حتّى تصوّر بعضهم أنّهم قد أجبروه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الخروج، فطلبوا منه المعذرة، وإجراء أيّ فعل يقصده، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل». ثمّ صلّى الناس الجمعة، وخرج على رأس ألف مقاتل قاصداً "أُحد."

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رفض اشتراك جماعة من اليهود الذين تحالفوا مع «عبد الله بن أُبيّ بن سلول» معهم، فانعزل عن الجيش، وعاد بثلث الناس كلّهم من الأوس المتحالفين معه، إلى المدينة، بحجّة أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ برأي الفتية والشباب. ولذا، لم يشترك اليهودُ والمنافقون في هذه الحرب.

اصطفّ الجيش الإسلامي أمام قوى الشرك المعتدية، فجعل ظهره إلى جبل أُحد كمانع طبيعي يحفظ الخلف، ووضع جماعة من الرماة عند ثغرة في الجبل، عليهم «عبد الله بن جبير»، وطلب منهم الالتزام بالموقع: "اِلزموا مكانكم، لا تبرحوا منه إن كانت لنا أو علينا، فلا تفارقوا مكانكم".

إلا أنّ المسلمين انهزموا بعد انتصارهم في بداية المعركة، نتيجة تجاهل هؤلاء الرماة لأوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين أخلوا هذا الموقع الاستراتيجي.

وكانت قريش قد أعدّت تسعة رجال شجعان من بني الدار لحمل الراية، قتلهم الإمام علي (عليه السلام) جميعاً، كما قتل غلامهم حين برز أيضاً. وبذا، فإنّ النتيجة الأوّلية كانت هزيمة الكفّار، مخلِّفين وراءهم غنائم وأموالاً كثيرة، فانتصر المسلمون على عدوّهم القوي عدداً وعدّة، لأسباب منها:

ـ أنّهم قاتلوا في مرضاة الله، ونشر عقيدة التوحيد، دون أن يهدفوا إلى مصلحة مادية.

ولكنّهم انهزموا بعد انتصارهم الساحق لأسباب كان أهمها:

ـ تغيّر أهدافهم، فقد اتجهت أنظارهم إلى الغنائم في أرض المعركة، ونسوا أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعاليمه بالتمسّك بها مهما حدث. وخصوصاً أُولئك الرماة الحامين ظهر المسلمين على جبل أُحد، حين تركوا مواقعهم ونزلوا إلى الساحة يريدون جمع الغنائم قائلين: «ولِمَ نقيم هنا من غير شيء وقد هزم الله العدوّ؟! فلنذهب ونغنم مع إخواننا». وهو الأمر الذي استغلّه «خالد بن الوليد»، الذي كان آنذاك مع المشركين، وكان يترصّد خلوّ الثغرة من الرماة، فقتل باقي الرماة، وكانوا عشرة من خمسين، ثمّ هاجم المسلمين الغافلين عن الوضع السّيئ، والذين انشغلوا بجمع الغنائم، فتفرقت جموعهم، واجتمع جنود قريش الهاربون، فقاتلوا المسلمين قتالاً ضارياً، حتى قُتِلَ منهم سبعون رجلاً. وعندما قتل أحد أبطال المشركين من قريش، حامل لواء الإسلام: «مصعب بن عمير»، ظنّ أنّه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فصاح: قتلت محمداً. فانتشر الخبر بين المسلمين وقريش الذين سرّوا بذلك، فصاحوا: ألا قد قتل محمد. فاضطرّ المسلمون ـ بعد انفراط القيادة، وإشاعة الفوضى والهرج والمرج في الجيش ـ إلى أن يهرب معظمهم إلى الجبل، تاركين أرض المعركة، إلّا عدداً قليلاً منهم.

وكان خمسة من صناديد قريش قد تعاهدوا على أن يضعوا نهاية لحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهما كلّفهم الأمر، وهم:

1.عبد الله بن شهاب، الذي جرح جبهة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

2.عتبة بن أبي وقاص، الذي رمى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحجار فكسر رباعيّته.

3. ابن قميئة اللّيثي، الذي رمى وجنتي الرسول وجرحهما.

4.عبد الله بن حميد، الذي حمل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقتله أبو دجانة بطل الإسلام.

5.أُبي بن خلف، الذي قتله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده عندما حمل عليه.

وقد دلّت مواقف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه المعركة وغيرها، على شجاعته وقوّته، وقد أكّدها الإمام علي (عليه السلام) قائلاً: «كنّا إذا احمرّ البأس، اتّقينا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم يكن أحد أقرب منّا إلى العدوّ منه».

ومن هنا، فإنّ سلامة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الحرب، بل وفي عامة الحروب، تعود في أكثر أسبابها إلى:

ـ حسن دفاعه عن دينه وعن نفسه، وإلى شجاعته وبأسه في المعارك، إضافةً إلى تضحية تلك القلة من أصحابه الأوفياء الذين بذلوا غاية جهدهم للحفاظ على حياته وسلامته. واشتهر من هؤلاء:

1. الإمام عليّ (عليه السلام)، الذي بلغ 26 عاماً من عمره، حيث قتل 12 من رجال قريش، والباقي، وهم عشرة، قتلهم باقي المسلمين. وهنا، سمع هتاف بين السماء والأرض يقول: "لا فتى إلّا عليّ ولا سيف إلّا ذو الفقار."

2 .أبو دجانة، الذي جعل من نفسه ترساً يقي النبي )صلى الله عليه وآله وسلم) من سيوف الكفّار.

3. حمزة بن عبد المطلب، الذي دأب على حماية الرسول من أذى المشركين دائماً في الظروف القاسية، إلا أنّ وحشي العبد قتله في هذه المعركة.

4. أُمّ عمارة، نسيبة المازنية، وقد باشرت القتال وذبّت عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسيف، ورمت بالقوس حتى جُرِحت. وقد أُعجب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بشجاعتها، فأشاد بموقفها يوم أُحد: «لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من فلان وفلان» فطلبت منه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو لها بالجنة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «بارك الله عليكم من أهل بيت، رحمكم الله، اللّهمّ اجعلهم رفقائي في الجنة».

وقد استغل أبو سفيان وقريش انتصارهم، فاعتمدوا الإعلام المزيَّف في ذلك، بأنّ آلهتهم أعظم من إله المسلمين، قاصداً من ذلك التأثير النفسي، فقد رأى أنّ الحملة النفسية والحرب الباردة يمكنها أن تحطّم إيمان المسلمين.

أمّا هند زوجة أبي سفيان، فقد مثلت مع بعض النساء بجثث المسلمين، من قطع الأنوف، وجدع الآذان، وسمل العيون، وقطع الأصابع والأرجل والمذاكير، نكايةً بالمسلمين، وإطفاءً للحقد الدفين.

وقد بقرت هند صدر حمزة وأخرجت كبده، ولاكته بين أسنانها، دون أن تستطيع أكله، فعُرفت بآكلة الأكباد، كما عرف أبناؤها فيما بعد ببني آكلة الأكباد.

وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما شاهد عمّه حمزة: «ما وَقفتُ موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا».

وهكذا غادر كفّار قريش أرض المعركة إلى مكّة. أمّا المسلمون، فبعد أن صلّى بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر، دفنوا الشّهداء واحداً واحداً، أو اثنين اثنين، عند جبل أُحد.

أمّا الشهداء، فكانوا ما بين 70 و 81 مسلماً على روايات مختلفة، ولم يتجاوز عدد قتلى قريش 22 فرداً. وأمّا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد عالجته السيدة فاطمة (عليها السلام)، والإمام علي (عليه السلام) حينما رجع إلى المدينة.

*من كتاب "السيرة المحمديّة".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ابني يشاهد صوراً إباحيّة؟! ثانويّة الرّحمة تكرّم طلابها المتفوّقين الاجتماع السنوي لهيئة أمناء الإشراف على مؤسَّسات السيّد فضل الله الذّكرى السنويّة الثامنة لرحيل السيّد فضل الله في الدنمارك الإمام الصّادق(ع).. إمام العلم والحوار منبر الجمعة: 29 شوّال 1439هـ/ 13 تمّوز 2018م إيرلندا تقاطع المستوطنات الصهيونيّة علاقتنا باردة.. ماذا أفعل؟ السبت أوّل أيّام شهر ذي القعدة 1439 فوز مصوّر بوسام شرف من ألمانیا مؤتمر حول الاجتهاد الإمامي في برمنغهام
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر