اليوم: الثلاثاء22 شوال 1440هـ الموافق: 25 يونيو 2019

من هو عزير عند اليهود؟!

الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

"عزير" في لغة العرب هو «عزرا» في لغة اليهود. ولمّا كانت العرب تغيّر في بعض الكلمات التي تردها من لغات أجنبيّة وتجري على لسانها، وذلك كما هي الحال في إِظهار المحبّة خاصّة، فتصغّر الكلمة، فصغّرت عزرا إِلى عُزير، كما بُدلت كلمة يسوع العبرية إِلى عيسى في العربيّة، ويوحنا إِلى يحيى.

وعلى كلّ حال، فإنّ عزيراً ـ أو عزرا ـ له مكانة خاصّة في تاريخ اليهود، حتى إن بعضهم زعم أنّه واضع حجر الأساس لأُمّة اليهود، باني مجدهم. وفي الواقع، فإنّ له خدمةً كبرى لدينهم، لأنّ بخت نصر ملك بابل، دمر اليهود تدميراً في واقعته المشهورة، وجعل مُدُنَهم تحت سيطرة جنوده، فأبادوها، وهدّموا معابدهم، وأحرقوا توراتهم، وقتلوا رجالهم، وسبوا نساءهم، وأسروا أطفالهم، وجيء بهم إِلى بابل، فمكثوا هناك حوالى قرن.

ولما فتح كورش ملك فارس بابل، جاءه عزرا، وكان من أكابر اليهود، فاستشفعه في اليهود فشفّعه فيهم، فرجعوا إِلى ديارهم، وكتب لهم التّوراة ـ ممّا بقي في ذهنه من أسلافه اليهود، وما كانوا قد حدّثوا به ـ من جديد. ولذلك، فهم يحترمونه أيّما احترام، ويعدّونه منقذهم ومحيي شريعتهم.

وكان هذا الأمر سبباً أن تلقّبه جماعة منهم بـ «ابن الله». غير أنّه يستفاد من بعض الرّوايات ـ كما في الاحتجاج للطبرسي ـ أنّهم أطلقوا هذا اللقب احتراماً له لا على نحو الحقيقة.

ولكنّنا نقرأ في الرّواية ذاتها، أنّ النّبي سألهم بما مؤدّاه "إذا كنتم تُجلّون عزيراً وتكرمونه لخدماته العظمى، وتطلقَون عليه هذا الاسم، فعلامَ لا تسمّون موسى، وهو أعظم عندكم من عزير، بهذا الاسم؟ فلم يجدوا للمسألة جواباً، وأطرقوا برؤوسهم" .

ومهما يكن من أمر، فهذه التسمية كانت أكبر من موضوع الإِجلال والاحترام في أذهان جماعة منهم. وما هو مألوف عند العامّة، أنّهم يحملون هذا المفهوم على حقيقته، ويزعمون أنّه ابن الله حقّاً، لأنّه خلّصهم من الدمار والضّياع، ورفع رؤوسهم بكتابة التوراة من جديد.

وبالطبع، فهذا الاعتقاد لم يكن سائداً عند جميع اليهود، إلّا أنّه يستفاد أنّ هذا التصّور أو الاعتقاد كان سائداً عند جماعة منهم، ولا سيّما في عصر النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). والدليل على ذلك، أنّ أحداً من كتب التاريخ، لم يذكر بأنّهم عندما سمعوا الآية آنفة الذّكر، احتجوا على النّبيّ، أو أنكروا هذا القول «ولو كان لبان».

وممّا قلناه، يمكن الإِجابة عن السؤال التّالي: أنّه ليس بين اليهود في عصرنا الحاضر من يدّعي أنّ عزيراً ابن الله، ولا من يعتقد بهذا الاعتقاد، فعلام نسب القرآن هذا القول إِليهم؟!

وتوضيح ذلك، أنّه لا يلزم أن يكون لجميع اليهود مثل هذا الاعتقاد، إِذ يكفي هذا القدر المسلَّم به، وهو أنّه في عصر نزول الآيات على النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان في اليهود من يعتقد بهذا الاعتقاد. والدليل على ذلك كما نوّهنا، هو أنّه لم ينكر أيّ منهم ذلك على النّبيّ، والشيء الوحيد الذي صدر عنهم ـ وفقاً لبعض الرّوايات ـ أنّهم قالوا: إِنَّ هذا اللقب «ابن الله» إِنّما هو لاحترام عزير، وقد عجزوا عن جواب لمّا سألهم وأشكل عليهم: لم لا تجعلون هذا اللّقب إِذاً لنبيّكم موسى (عليه السلام)؟!

وعلى كلّ حال، فمتى ما نسب قول أو اعتقاد إِلى قوم ما، فلا يلزم أن يكون الجميع قد اتفّقوا على ذلك، بل يكفي أن يكون فيهم جماعة ملحوظة تذهب إِلى ذلك.

*من كتاب "تفسير الأمثل".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! معركة أحد: عندما يتحوَّل النَّصر إلى هزيمة! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر