اليوم: الخميس17 شوال 1440هـ الموافق: 20 يونيو 2019

هل ارتكب داود (ع) الذنب؟

الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

هناك آيات في القرآن الكريم تشير إلى‏ أنَّ نبيّ الله العظيم داود(ع) قد استغفر ربّه لعمل قام به، وأنَّ الله تعالى قد غفر له، وذلك قوله: {وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ* فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى‏ وَحُسْنَ مَآبٍ} (ص/ 24- 25).

ألم يكن استغفار داود والعفو عنه من قبل الله سبحانه وتعالى دليلًا على صدور الذّنب منه؟ وهل يتلاءم هذا ومقام عصمته؟

للحصول على جواب هذا السؤال، لا بدَّ من الرجوع إلى‏ القرآن، والبحث قبل كلّ شي‏ء عن العمل الذي يرتبط به هذا الابتلاء وتلك المغفرة.

تحكي الآيات التي سبقت آيات بحثنا، أنّ خصمين تسوّرا محراب داود(ع)، ودخلا عليه على حين غرّة، ففزع لدخولهما المفاجئ عليه : {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَاتَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى‏ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ* إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِى الْخِطَابِ}(ص/ 22- 23).

فقال داود بدون تحقيق أو استفسار: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ...} (ص/ 24).

هذه هي القصّة التي ذكرت في آيات القرآن بأكملها بلا زيادة أو نقصان.

هناك تفاسير مقبولة قدّمت تفسيراً مقنعاً لهذه الآيات، كما أنَّ هناك روايات موضوعة وردت في بعض الكتب، تعرَّضت لمعاني هذه الآيات بشكل مسي‏ء ومشوَّه.

أمّا ما يتّفق ومحتوى الآيات المذكورة، فهو القول: إنّ الشي‏ء الوحيد الذي صدر عن داود(ع)، كان فقط تركه للأَولى، وذلك بتسرّعه في القضاء، لكن لا بتلك السرعة التي تكون على خلاف «واجبات» موازين القضاء، إذ «يستحبّ» للقاضي التمعّن أكثر ما يمكن، فلو ترك الأكثر واكتفى بالحدّ الأوسط أو الأقلّ، فقد ترك الأَولى، وهذا ما فعله داود، فقد قضى بظلم الأخ لأخيه الفقير، وربّما كان السبب وراء هذا التسرّع، هو ذعره من دخولهما المفاجئ عليه في خلوته، فضلًا عن أنّ إجحافاً كهذا من قبل أخ لأخيه، يبعث على الأسف والشفقة.

صحيح أنّ داود(ع) أصغى لادّعاء طرف واحد فقط، لكن سكوت الطرف الآخر وعدم التفوّه بأي كلام أو اعتراض، يعدّ في نفسه دليلًا على اعترافه. وعلى أيّة حال، فمن آداب مجلس القضاء، أن يطلب القاضي توضيحاً أكثر من الطرف المقابل، وهذا ما لم يفعله داود.

وما استغفار داود إلّا لتركه الأولى، وقد تقبَّل الله تعالى توبته وغفر له .وهو أفضل دليل على عدم صدور أيّ ذنب عن داود(ع). والجملة الواردة في ذيل نفس هذه الآيات: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى‏ وَحُسْنَ مَآبٍ} تشير إلى‏ ذلك، كما أنّ هناك أوصافاً أخرى كثيرة في حقّه قد وردت في الآيات السابقة، ونُعت بتلك المنزلة الرفيعة عند الله تعالى، بحيث غدت سيرته نموذجاً لنبي الإسلام(ص) يقتدى به، ولا شكّ أنَّ هذا المعنى لا يتناسب مع العصيان والذنب أبداً.

حينما يصرّح القرآن في ذيل هذه الآيات ويقول: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ ...} (ص/ 26)، يتبيّن بكلّ وضوح أنّ خليفة الله لا يذنب، ومسألة ردعه من اتّباع هوى النفس، إنّما هي بمثابة الأمر، ولا تدلّ على ارتكاب معصية.

ومن هنا، يتّضح مدى تفاهة تلك القصّة التي أبرزتها التوراة بشكل مُشوَّه، وبالغت في تضخيمها أكثر من الوضع الطبيعي، وربطت هذه القضيّة بحادثة مختلقة، وهي عشق داود(ع) لزوجة أحد ضبّاط جيشه وهيامه في حبّها، والتدبير لقتله في خاتمة المطاف وأخذ زوجته.

تشتمل التوراة التي حُرِّفت عن مواضعها على بعض العبارات التي تبيّن مدى فظاعة هذه القصّة، والتي لا تسمح عفّة القلم ومنزلة الأنبياء(ع) بذكرها .هذه القصص الموضوعة، والعبارات البذيئة، تعدّ بنفسها أفضل دليل على تحريف التوراة الحاليّة.

من الطبيعي أنّ مثل هذا التحريف ليس غريباً بالنسبة إلى محقّقي تاريخ التوراة على مدى آلاف السنين، لكنّ العجب إنّما هو من كيفيّة إقدام بعض المفسّرين المسلمين على نقل تلك الخرافات القبيحة في كتبهم، في الوقت الذي نقرأ في رواية عن عليّ أمير المؤمنين(ع) أنّه قال: «لا أوتى‏ برجل يزعم أنّ داود تزوّج امرأة أُوريا إلّا جلدته حدّين؛ حدّاً للنبوّة، وحدّاً للإسلام».

كما احتمل البعض كون هذه الحادثة إشارة إلى‏ أنّ داود(ع) لم يأسف لنبأ مقتل أوريا في ميدان القتال كأسفه على غيره، وذلك لرغبته في الزّواج من امرأته بعد مصرعه، ولكن من دون (اتّفاق مسبق) حول الموضوع.

لكن، وكما أشار المرحوم السيّد المرتضى أيضاً، فإنّ هذه التصرّفات وإن لم تعدّ ذنباً، لكنّها ممّا تشمئزّ منها النفوس، ومعلوم أنّه لا ينبغي للأنبياء والأئمّة القيام بمثلها.

كما احتمل بعض المفسّرين أنّ العادة في ذلك الزمان كانت جارية على عدم تزويج المرأة الأيّم أبداً، وأنّ داود قد تزوّج زوجة أوريا بعد موته لتحطيم هذه السنّة الخاطئة.

لكنَّ هذا التفسير أيضاً لا يتناسب بدوره مع ظاهر الآيات التي تبيِّن صدور ترك الأولى من داود، لأنَّ تحطيم هذه السنَّة الخاطئة يعدّ واجباً، فضلًا عن عدم كونه تركاً للأولى، إلّا أن‏ يقال: إنّ هذا العمل كان سبب العناء الروحي لُأوريا، كما جاء في إحدى الروايات.

لكنَّ التفسير الأوَّل هو الأنسب من بين هذه التّفاسير.

*من كتاب "نفحات القرآن"، ج7.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! صديقي يتهاون بصلاته! وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم لا يعي الصّلاة.. هل تسقط عنه؟ منبر الجمعة: 4 شوال 1440هـ/ 7 حزيران 2019م
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر