اليوم: الأحد10 ربيع الأول 1440هـ الموافق: 18 نوفمبر 2018

ما المقصود بالمهر؟ وما هي رمزيّته؟

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

ـ المهر هو عطيّة من الرجل للمرأة بلا مقابل، وهذا ما يكشف عنه تعبير القرآن الكريم بقوله: {وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة} [النساء: 4]. فالنحلة هي العطية من دون مقابل. وهذا النصّ القرآني يحدّد معنى المهر، ويؤكّد أنه ليس مجرد مال يُدفع في مقابل ما تبذله المرأة من نفسها، وإنما هو هدية يقدمها الرجل للمرأة بشكل ملزم في عقد الزواج، إما لاجتذاب محبتها، وإما لأن الرجل في العرف العام هو المستفيد من الزواج، مقابل المرأة التي تبذل نفسها له، الأمر الذي يوحي بضرورة أن يقدّم الرجل شيئاً للمرأة مقابل ما تقدّمه له داخل العلاقة.

والمسألة بهذا المعنى ليست معاوضة بالمعنى الدقيق للمعاوضة، ولكنّها تتصل بالجانب الإيحائي، فكأنّ الإنسان عندما يقدّم أو يبذل شيئاً للآخر، فإنّ طبيعة الأمور تقتضي أن يتجاوب الآخر مع ما قدّمه الأوّل ويقدّم له تعويضاً عن ذلك، أو أنها تقتضي اجتذاب الآخر، لأن يبذل ويعطي مقابل ما قدّمه الأوّل له، إنها عملية إيحائيّة.

يعتبر البعض المهر شكلاً من أشكال الضّمان، نظراً إلى كون المرأة الحلقة الأضعف في النسيج الاجتماعي، وعدم امتلاكها غالباً فرصةً واسعةً للإنتاج، وحاجتها بالتالي إلى نوع من الضمان، وهو إمّا تحمّل الآخرين مسؤوليّتها كالأب والزّوج، وإمّا امتلاك رصيد ماليّ يؤمنه عملها أو مهرها، هذا الضّمان ليس ملحوظاً في الجانب الشّرعي للمهر، مع أنه قد يؤمّن ذلك في الواقع.

المهر من ناحية المصطلح الشّرعي هو عبارة عمّا يبذله الزّوج في عقد الزواج من مال أو غيره للمرأة من دون مقابل، ويكون ملزماً بتقديمه لها فعلاً على أساس التراضي بين الرّجل والمرأة...

ـ إن إقرار المهر يتصل بالصورة الرائجة لعلاقة الرجل بالمرأة، حيث يلعب الرجل دور العنصر الفاعل داخل العلاقة الزوجية، وتلعب المرأة فيها دور المنفعل، وكأنه هو من يطلب اللذّة وهي التي تعطيها، وبما أن الرجل يأخذ، فإنّ ذلك يستدعي أن يعطي المرأة مقابل ما يأخذ. ولكن نحن نعرف أن الرجل والمرأة سواء في حاجتهما الغريزية إلى بعضهما البعض وإلى الجنس، ولكن الجانب الشكلي للعلاقة يوحي بعدم توازن الأخذ والعطاء بينهما.

وقد يعود ذلك الاعتقاد إلى تجذّر هذه الصورة في اللاوعي الجماعي، إلى درجة جعل الرجل هو من يطلب يد المرأة، وليس العكس، وكأن الرجل يطلب منها شيئاً يحتاجه هو بالذات ولا تحتاج إليه هي، كالأولاد واللذّة وما إلى ذلك، علماً أنّ حاجات الرجل والمرأة تتساوى واقعاً في العلاقة الزوجية، فالولد ولد الرجل والمرأة، والجنس للرجل والمرأة معاً، واستقرار الحياة الزوجية حاجة لهما معاً. وبما أن المرأة، في الإسلام،لا تتحمل مسؤولية البيت، فلا يمكن القول إنّ المهر تعويض عن عملها المنزلي. ولكن عندما تتجذّر في الذهنية العامة فكرة معيَّنة، فإن التعبير عنها، ولو شكلياً، يصبح أمراً لازماً.

والمهر في تعبيره عن تلك الفكرة، يأخذ بعداً رمزياً حبيّاً، لا بعداً عوضياً مالياً، والدليل على ذلك، أنّه من الممكن للرجل أن يقدّم أيّ شيء لا قيمة مادية فعلية له للمرأة كمهر. وهذا ما نستدلّ عليه من قصة تلك المرأة التي جاءت إلى النبيّ(ص) ليزوجها، ولم يقبل من أصحابه الزواج بها إلا شخص لا يملك شيئاً من المال، فسأله(ص) عند ذلك إن كان لديه شيء من القرآن؟ قال: نعم، قال(ص): "زوّجتكها بما معك من القرآن"، فلو كان للمهر أيُّ بُعدٍ ماديّ، لما كان هذا المهر مقبولاً، لأنه لا يمثّل قيمة مادية تذكر. فالمهر، إذاً، مسألة رمزية، تجعل دخول المرأة إلى الحياة الزوجيّة مشروعاً بتقديم الرجل شيئاً معيّناً لها يعبر به عن محبته وعن مسؤوليّته عنها، وربما تضمَّن المهر شكلاً من أشكال التعبير عن مسؤوليّة الرجل المادية داخل العلاقة الزوجية، لأنه هو من يتحمل مسؤولية الإنفاق المالي على المرأة.

*من كتاب "دنيا المرأة"، ص 177-179.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ الإمام العسكريّ (ع): بعضٌ من سيرته ووصاياه أريد الزواج بشابّ أصغر مني! منبر الجمعة: 8 ربيع أول 1440هـ/ 16 تشرين ثاني 2018م المبرّات تدرّب على استخدام دليل التميز المؤسّسي جدلٌ حول تلاوة القرآن وإعادة رفع الأذان باللّغة التركيّة فضل الله: العربدة الصهيونيَّة من دون ردٍّ ولَّت إلى غير رجعة اجتماع "الرؤية الاستراتيجيّة لروسيا والعالم الإسلامي" في داغستان منبر الجمعة: 1 ربيع أول 1440هـ/ 9 تشرين ثاني 2018م مسؤوليَّة مواجهة الانحراف. فضل الله: نحذِّر من سياسة تخويف الطوائف بعضها من بعض
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر