اليوم: الثلاثاء16 رمضان 1440هـ الموافق: 21 مايو 2019

الأجواء العائليّة للسيدة زينب(ع)

الشّيخ حسن الصفّار

لا شكّ أنّ البيئة والأجواء العائليّة التي ينشأ فيها الإنسان، تلعب دوراً أساسيّاً في بناء شخصيّته، فهي التي تَغرس في نفسه قِيَمَها وأفكارها، وتربيه على سلوكيّاتها وعاداتها.

ولنلقِ الآن نظرة عابرة على الأجواء العائلية التي نشأت من خلالها السيّدة زينب(ع).

الوضع الحياتي المعيشي:

قد تختلف تأثيرات حياة الترف والرفاه على نفس الطفل عن تأثيرات حياة التقشّف والبساطة:

١ - ففي الحالة الأولى، ينشأ الطفل على الدّلع والدلال، وينعدم لديه الشعور بقيمة الأشياء لتوفّرها أمامه، ولا تنمو في نفسه حسّاسيّة ولا شفافيّة تجاه حالات الفقر والحرمان؛ لأنّه لم يتذوّق مرارتها، كما أنّ مشاكل الحياة قد تصدمه بقوَّة؛ لعدم استعداده النفسي لمواجهة الصعوبات والمشاكل.

٢ - أمّا في الحالة الثانية، فإنّ شخصيّة الطفل قد تكون أكثر اتّزاناً وأقوى جلداً، وأقلّ استهانة بالأشياء والأمور، وأقرب إلى التفاعل النفسي مع الطبقات المحرومة والضعيفة في المجتمع.

كما أنّنا يجب أنْ نُفرّق بين البساطة والتقشّف اللّذين يفرضهما الفقر والحاجة، وبينها في حالة الاختيار والطواعية، ففي أُولى الحالتَين، قد تُسبّب حالة البساطة والتقشّف عند الإنسان وجود التطلّعات والتمنِّيات لرغد العيش ورفاهية الحياة، كما قد يتسرّب إلى نفس الطفل شيء من عدم الارتياح تجاه الموسِرين المترَفين، كأرضيّة للحقد والحسد والانتقام.

وحيثما توجد حالة البساطة المختارة كنمط للحياة عند العائلة، توجد المشاعر والانعكاسات الإيجابيّة، دون تلك السلبيّات، حيث يرى الطفل أنّ عائلته تمتلك القدرة على الرفاه، لكنّها لا ترغبه لمنطلقات أخلاقيّة، كما لو كانت العائلة تُؤْثر الفقراء والمحتاجين، وتجود على الضعفاء والمعوزين.

والسيّدة زينب نشأتْ في أفضل جوّ عائلي من هذا الجانب، فأسرتها لم تكن فقيرة مَعُوَزة، فلربّما سمعتْ زينب في فترة طفولتها عن ثروات جدّتها خديجة، كما ترى الموقع القيادي لجدِّها رسول الله(ص)، حيث ولدتْ ونشأتْ في فترة الانتصارات العسكريّة والسياسيّة، والتي كانت تعود على المسلمين بالغنائم الكثيرة، ولجدّها النبي(ص) فيها التصرّف المطلق، إلى جانب استعداد المسلمين لبذل كلّ إمكانيّاتهم ووضْعها تحت تصرّف رسول الله(ص) .

وتلاحظ السيّدة زينب امتلاك عائلتها لبعض الإمكانيّات، ثمّ تنازلها عنها لصالح الآخرين، ويخلّد القرآن الحكيم نموذجاً لهذه الحالة عند عائلة زينب، مشيداً بها في سورة الإنسان، حيث يقول تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً}.

ففي كثير من التفاسير، أنّ هذه الآيات نزلتْ في حقّ أهل البيت(ع)...

لم تكن عائلة زينب تمتلك بيتاً تقطنه، لكنّ أحد الصحابة المتمكّنين من أهل المدينة، وهو (حارثة بن النعمان)، وضع أحد منازله تحت تصرّف عليّ، حينما أراد الزواج من بنت الرسول فاطمة، وبعد فترة، بنى رسول الله(ص) بيتاً ملاصقاً لمسجده، له باب شارع إلى المسجد، كبقيّة الحجرات التي بناها لزوجاته، وانتقلتْ عائلة زينب إلى ذلك البيت الجديد الملاصق لبيت الله المجاور لبيت رسول الله(ص).

ويُروى أنّ سلمان الفارسي رأى فاطمة الزهراء مرّة فبكى، وقال: "إنّ قيصر وكسرى في السندس والحرير، وابنة محمّد في ثياب بالية".

الانسجام والمحبّة:

لماذا نرى بعض الناس وديعين أليفين قادرين على التعاون والانسجام مع الآخرين، ونرى البعض الآخر عدائيِّين مزعجين يتعاملون مع الآخرين بخشونة وقسوة؟

إنّ مِن أبرز العوامل والأسباب التي تؤثّر في صنع نفسيّة الإنسان وتوجيهها نحو الألفة والوداعة، أو العداء والإساءة، هي الأجواء العائليّة التي يعيشها الإنسان في طفولته، فإذا عاش الطفل جوّاً عائليّاً تسوده المحبّة والانسجام، فإنّه يتربّى ضمن ذلك النموذج، أمّا إذا ما نشأ في أجواء المشاحنة والبغضاء بين أبيه وأُمّه، أو بينه وبين والدَيه، أو فيما بين إخوته، فإنّ ذلك يزرع في نفسه بذور الحقد والقسوة، ويدفعه لممارسة العنف والإيذاء، دفاعاً عن ذاته وحقوقه.

الأجواء الرساليّة:

نشأتْ العقيلة زينب ضمن عائلة قد نذرت نفسها للجهاد في سبيل الله، وتربّتْ في أجواء رساليّة، ما كان يدور فيها غير الاهتمامات القيميّة المبدئيّة، فجدّها الرسول الأعظم(ص) قاد بنفسه حوالى (٢٨ غزوة ومعركة)، وأبوها الإمام عليّ(ع) رافق الرسول(ص) في جميع تلك المعارك، عدا واحدة، وهي غزوة تبوك، حيث تخلّف بأمر من رسول الله(ص) .

كما قاد الإمام بنفسه العديد من السرّايا والمعارك المحدودة. إنّ ذلك يعني أنّ زينب وعائلتها كانوا يعيشون ظروف الجهاد في أغلب فترات حياتهم، فحينما يغادرهم الجدّ أو الأب إلى ساحة المعركة، فستكون نفوسهم منشدّة ومرتبطة بما يدور على ساحات القتال. ولا يقتصر الأمر على تفاعل الأسرة مع قضايا الحرب والجهاد، بل إنّها كانت معنيّة بكل أوضاع المجتمع، فعائلة زينب هي في موقع القيادة والقلب.

وهكذا عاشت السيّدة زينب(ع) فترة طفولتها في بيت تتموّج فيه هموم مجتمعها، وفي أجواء مفعمة بالمسؤوليّة والتضحية.

*من كتاب "المرأة العظيمة قراءة في حياة السيّدة زينب بنت عليّ(ع)".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن تصنيف إدمان ألعاب الفيديو كمرض رسميّ فضل الله: نتطلَّع إلى بناء دولة تقوم بمسؤوليّاتها الصحيّة والاجتماعيّة والخدماتيّة السيّدة خديجة: مثال المرأة الرّساليّة الواعية 12 رمضان 1440هـ/ 17أيار 2019م فضل الله استقبل وفداً من جريدة اللّواء لماذا أخسر في تجارتي؟ أشعر بالغيرة من أصحابي! خدمات مركز التَّآخي في شهر رمضان على المرأة أن لا تنتظر حتى يُسمَح لها بالمشاركة والفاعليّة لنجعلْ شهر رمضان لإعادة التّواصل مع الأرحام منبر الجمعة: 5 رمضان 1440هـ/ 10 أيار 2019م
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر