اليوم: الثلاثاء22 شوال 1440هـ الموافق: 25 يونيو 2019

لماذا الهجوم وإقصاء الآخر؟!

سوسن غبريس

لماذا الهجوم وإقصاء الآخر؟!

الهجوم على المرجع فضل الله نموذجًا

لماذا يؤدّي الاختلاف الفكريّ في كثير من المجتمعات والجماعات إلى التّنازع والتّباغض والمعاداة، طالما أنّ الحياة لا يمكن أن تسير على وتيرة واحدة، وطالما أنّ التنوّع هو ديدن الحياة وغناها، وهو سنّة الله الّتي أكّدها في كتابه: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}؟

إنّ سببًا أساسًا من أسباب ذلك، هو نشأة الفرد الضيّقة والمحدودة على أنّ ما يؤمن به هو الحقّ، وأنّ ما عداه لا بدّ أن يكون الباطل، واعتياده على أفكار معيّنة يتربّى عليها ويغذّيها المحيط من حوله، إلى درجة يحسب كلّ شيء وفقًا لمعتقداته وآرائه وأفكاره، وينظر إلى كلّ شيء استنادًا إلى ما يؤمن به هو، وكأنّ الكون كلّه قائم على حقيقة يعتقدها أو نشأ عليها، وأنّ الدّنيا هي الدائرة الّتي يعيش فيها فقط، والأبعاد الّتي يراها فحسب!

هكذا ينشأ التعصّب، ومنه تبدأ النّزاعات والاعتداء على حرّيّة الآخر، وإقصاؤه، واعتباره في الطّرف المقابل للحقيقة، والهجوم عليه وكأنّ هناك حربًا مقدّسة ضدّه، الانتصار فيها هو انتصار للحقّ.

ولو أنَّ هذا الفرد – أو الجماعة - يتجرّد من كلّ النّوازع الذّاتيّة، وينتهج الموضوعيّة بحثًا عن الحقيقة، كما هو المطلوب، ويقبل بالمنهج القرآنيّ القائم على اعتبار {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، لقاده ذلك إلى واقع مختلف تمامًا، فيه كلّ الغنى للبشريّة، وله كفردٍ يسعى للنّهوض بنفسه وبمجتمعه وأمّته، ولا سيّما أنّ الحقيقة قد لا تكون في مكان واحد.

من هذا المنطلق، نستطيع أن نفهم، بمكان، سبب الهجوم الدّائم على سماحة المرجع فضل الله؛ أوّلًا لأنّه لم يكن فردًا في قبيلة يهلّل لكلّ ما تقوله، ويحفظ نشيدها الببّغائيّ، ويمشي على دربٍ لمجرَّد أنّ الآخرين اعتادوا سلوكه، وثانيًا، لأنّ الآخرين اتّخذوا من قناعاتهم وإرثهم الفكريّ والمذهبيّ معيارًا للحكم عليه بالحقّ أو بالباطل، فكلّ ما وافق هذا المعيار هو الحقّ، وكلّ ما خالفه هو الباطل بعينه، ما يجوِّز الهجوم عليه وإعلان الحرب ضدّه، وهو ما ينافي كلّ منهج موضوعيّ في الحياة.

ولو أنّنا نريد أن نوصّف هذا الواقع الّذي ناضل سماحة السيّد لإخراج النّاس منه من باب المسؤوليّة الشّرعيّة والإنسانيّة، لقلنا إنّه عالم الغوغاء والجاهليّة المقيتة، عالم لا يشبه منهج الأئمّة (ع) بشيء، وهم الّذين كانوا يستمعون إلى الآخر، ويربّون تلاميذهم على الحوار السّليم، والمنطق القائم على الحجج والعقل والمنطق، ولم يكونوا يقبلون لأيّ من أتباعهم أن يستخدموا أسلوب الهمجيَّة والإقصاء والاعتداء على فكر الآخر لمجرّد الاختلاف، وهو ما سعى السيِّد (رض) لتكريسه منهجاً في الحياة.

فمن هو القريب من الأئمَّة في نهجه ومن هو البعيد؟ ومن هو المستفيد من تربية النَّشء على الكره والعصبيَّة للآخر حتّى لو كان من الجماعة ذاتها، لمجرَّد أنّه يرى بعضًا ممّا لا يرونه، أو أنَّ اجتهاده يقوده إلى غير ما تسالموا عليه؟ وهل بذلك نحمي ديننا ومذهبنا، علمًا أنَّ هذه الطّريقة في التّفكير تخنق أصحابها قبل غيرهم، وتؤذي الدّين أكثر ممّا يؤذيه الأعداء بكلّ جبروتهم؟

أفلا تتّقون؟! أفلا تخرجون من اعتبار أنفسكم مقدَّسين تحملون الحقيقة النّاصعة، وكلّ من عداكم هو في الخطّ الشّيطانيّ؟

حاولوا أن تفهموا أنّ هناك غيركم، وأنّ هناك عقولًا قد تقود أصحابها إلى غير ما وصلتم إليه، وأنّ الحقيقة قد تكون بعيدة كلّ البعد عنكم، فاخرجوا من قوقعاتكم وكهوفكم إلى حيث الشّمس تشرق على الكون كلّه، وليس عليكم فقط.

مع كلّ التحيّة إلى روح سماحة السيّد الّذي علّم أصحابه قبول الآخر والجدال بالّتي هي أحسن، والنّقد البنّاء القائم على العقل والمعرفة والسّعي إلى الحقيقة، وهو ما يحبّ لهم السيّد الحفاظ عليه، وعدم الانجرار وراء العصبيّة الّتي يمتطيها الكثيرون.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! معركة أحد: عندما يتحوَّل النَّصر إلى هزيمة! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر