اليوم: السبت5 رجب 1441هـ الموافق: 29 فبراير 2020

أئمّة أهل البيت (ع) في مواجهة جديدة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

بدأ الأئمة يعانون أشدَّ المشاقّ والعقبات، في سبيل إنقاذ الإسلام من هذه التركة الثقيلة التي خلَّفتها الأوضاع الشاذّة، فقد كانت مهمتهم هي المحافظة على نصاعة الإسلام وإشراقه وجلاء مفاهيمه بوضوح مهما كلّفهم الأمر، وكانت الظروف تشتدّ حيناً وتنفرج حيناً، وكانت لحظات الانفراج، أو فتراته، هي المجال الوحيد لنشر توجيهاتهم وبثّ تعاليمهم المقدَّسة.

وجاء عصر الصادق (ع) في فترة انفراجٍ واسعةٍ نسبياً، بسبب الظّرف الذي كان فترة انتقال الحكم من الأمويين إلى العباسيين، واشتغال كلا الطرفين بشؤونه وملكه عن الإساءة للإمام (ع) أو منعه عن ممارسة نشاطه في الدعوة إلى الحقّ وتعريف النّاس، وبدأ الإمام (ع) ثورته التثقيفية بين المسلمين بأساليب متعددة، تختلف حسب اختلاف عقلية السائلين والمجادلين.

وانتشرت أحاديثه انتشاراً هائلاً، وكثر الرواة لها في جميع الطبقات من شيعته وغيرهم، لا سيما وقد أصبح الحديث والرواية علماً مستقلاً بذاته في ذلك الوقت.

وقد أفرد الحافظ أبو العباس أحمد بن عقدة الكوفي الزّيدي كتاباً فيمن روى عنه (ع)، جمع فيه أربعة آلاف رجل وذكر مصنّفاتهم، ولم يذكر جميع من روى عنه. ويقول الحسن بن علي الوشّاء في ما روي عنه: "أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ، كلٌّ يقول حدّثني جعفر بن محمد".

وأعطت هذه الثورة ثمارها، فقد بدأت المفاهيم الإسلامية تأخذ طريقها إلى الوضوح بسبب ما أثير حولها من جدلٍ وسؤال، وبدأت الحركة العلميّة تزدهر وتنمو، وبدأ الجمود الذي سيطر على أذهان المسلمين وتفكيرهم يتلاشى تدريجيّاً.

كلّ ذلك بفضل الحركة التي أثارها الإمام الصادق (ع) في مجتمعه في تلك الفترة الانتقالية في شتّى الجوانب والقضايا في إطار إسلامي رائع.

ولم يعجب ذوي النفوس المريضة هذا الإشراق الذي بدأت تتجلّى فيه المبادئ الإسلامية، وهذا التفكير الجدي المرن الذي بدأ يغزو حياة المسلمين في طريق مستقيم لاحبٍ، ولم يرضَ الحاكمون أن يكون للإمام الصادق (ع)، أو الأئمة بوجه عام، هذه المكانة وهذه المنـزلة في نفوس المسلمين، أو أن يكون لحديثهم هذه المرتبة من القدسيّة والتقدير، ولم يكن في حياة الأئمة (ع) أيّ مغمز أو ملمز أو مجال ينفذون منه إلى أغراضهم وأهدافهم العدوانيّة تجاههم، إذ ليس في حياتهم ما يؤاخذون به أو يُنقدون عليه، لأنها كانت المثال الحيّ للحياة الإسلاميّة الناصعة في مثاليّتها وروحيّتها.

فلم يبق إلّا الكذب... وبدأ الوُضَّاع يختلقون الأحاديث عنه وينسبونها إليه، ما يتنافى وأصول العقيدة الإسلاميّة، الأمر الذي سبّب ارتباكاً واضطراباً للمخلصين الذين يحاولون المحافظة على قدسيّة هذا التراث ونصاعته، ما اضطرّ الإمام الصادق (ع) لأن ينبّه المسلمين إلى خطر هذه الأكاذيب، وإلى أن يجعل لهم قياساً يقيسون به ما يأخذون عنه وما يدعون.

فقد جاءنا الحديث الصحيح عن هشام بن الحكم، أن أبا عبد الله الصادق (ع) قال: "لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإن المغيرة بن سعيد - لعنه الله - دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدِّث بها أبي. فاتقوا الل، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبينا".

وقوله (ع) لمحمد بن مسلم: "ما جاءك من رواية من برّ أو فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك من رواية من برّ أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به".

وفي كثير من الروايات عنه: "وما خالف قول ربنا لم نقله... أو زخرف... أو باطل".

وهكذا التقى الأئمة (ع) بجدّهم (ص) في مشكلة الكذب والكذّابين والوضع والوضّاعين، فلم يكن منهم إلا تحذيرُ المسلمين منهم ومن حبائلهم وكيدهم الّذي يكيدون به للدّين الإسلامي، وإرجاعهم إلى كتاب الله وسنَّة نبيّه، فإنهما المقياس الذي تقاس به صحّة ما ينسب إليهم وكذبه، لأنهم حفظة الكتاب والسنّة والقائمون عليهما، فلا يمكن بأيِّ حال من الأحوال أن يكون حديثهم مخالفاً لهما، بل هو مستمدُّ منهما، راجع إليهما في كلِّ أمر من أمور الكون والحياة.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة الحفاظ على الصّحَّة واجب ومسؤوليَّة ما هي مقوِّمات الزّواج النّاجح؟ هل القرآن كتاب فلسفيّ؟ نطمح أن تقدّم المؤسّسات جيلاً يعمل بالنزاهة والشفافيّة والعدالة فضل الله: جريمة غزّة برسم دعاة الحريّة وحقوق الإنسان أريد ترك الإرث لولد واحد! منبر الجمعة: 21 شباط 2020م لي جارٌ ظلمته في حياته؟! كيف نستعدّ لشهر رجب؟
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر