اليوم: الخميس23 ذي الحجة 1441هـ الموافق: 13 اغسطس 2020

هل من حقّنا مواجهة الإنسان بعيوبه؟!

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

هل يحقّ لنا أن نواجه الإنسان بعيوبه وزلّاته في أيّ حالةٍ من الحالات؟
لعلَّ الجواب عن ذلك يختلف حسب اختلاف الدوافع التي تدفع الإنسان إلى هذه المواجهة، أو الأجواء النفسية التي يخلقها الحديث في نفس الطرف الآخر.
فقد يكون الدافع الذي يدعونا إلى مواجهة الإنسان بعيوبه، هو النصح والتوجيه والإرشاد، من أجل أن يصحّح هذا الإنسان موقفه الخاطئ، أو يغيّر طريقه المنحرف.
وربّما يكون الدافع هو التعيير والتحقير أو الإيذاء والإهانة، من أجل أن يحطّم له شخصيّته، أو يخفّف من شعوره بالكرامة.
ففي الحالة الأولى: نجد التشريع الإسلامي يتّجه إلى تشجيع مواجهة الإنسان أخاه المؤمن بالأحاديث التي تكشف له عن عيوبه وأخطائه، لتأخذ بيده إلى الطريق المستقيم، وتبتعد به عن الطّريق المنحرف، لأنَّ ذلك يمثّل الأسلوب العملي لتعاون المؤمنين مع بعضهم البعض على تسديد خطاهم، وتقوية شخصيّاتهم، وتنمية ذواتهم في الاتجاه الصحيح، انطلاقاً من الفكرة الإسلاميّة التي عبَّر عنها الحديث الشّريف الذي يخاطب كلّ مؤمن" :لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"..
هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى، نلتقي بالحقيقة الاجتماعيّة التي ترى أنّ انحراف الفرد يترك أثره الكبير على استقامة المجموع، لما يحدثه من آثار سلبيّة على حركة المجتمع ونموّه، كنتيجة طبيعيّة للارتباط العضوي بين المجتمع وأفراده.
وقد حاولت النصوص الدينيّة التّركيز على النقد في هذا الاتجاه بأسلوبين:
أحدهما: يدعو النّاقد إلى أن يقوم بهذه المهمّة الصّعبة تجاه إخوانه المؤمنين، بروح إيجابيّة واعية تنطلق في طريق البناء لا الهدم، الأمر الذي يجعل من عملية النقد عملية نصح وتوجيه.
ثانيهما: الأسلوب الذي يدعو الشخص الذي يواجه بالنقد إلى أن يشعر بالامتنان تجاه الناقد، ويتحسَّس بالروح الخيّرة التي تملي عليه نقده، ويوجّهه إلى مطالبة إخوانه بأنْ يواجهوه بعيوبه ليقوم بإصلاحها، كما يواجهونه بحسناته ليستزيد منها، دون أن يجد في نفسه أيّ ردّ فعليّ معاكس إزاء ذلك.
أمّا الأسلوب الأوّل: فيتمثّل في الأحاديث المأثورة عن النبيّ محمّد (ص) وعن أئمّة أهل البيت (ع)، التي تتحدَّث عن حقوق المسلم على المسلم. فمن ذلك، الحديث الشريف المأثور عن النبيّ محمّد (ص)، الذي ذكر فيه ثلاثين حقّاً للمسلم على المسلم، وجعل من تلك الحقوق... أن يديم نصيحته. 
ومن الواضح أنَّ النصيحة تكون بتوجيه الإنسان إلى المواقف الصّحيحة بدلاً من المواقف الخاطئة، كما تكون بإعطائِهِ الرأي الحقّ في حالة المشورة.
ومن ذلك، الأحاديث الشريفة التي اعتبرت المؤمن مرآة أخيه، كما في الحديث النبوي الشريف: "المؤمن مرآة أخيه يميط عند الأذى".
والحديث المأثور عن الإمام جعفر الصّادق (ع): "المسلم أخو المسلم، هو عينه ومرآته ودليله".
وفي حديثٍ آخر عنه ـ وهو يعدّد حقوق المؤمن على المؤمن ـ:  "الحقّ الرّابع: أن تكون عينه ودليله ومرآته".
ولعلَّنا نقف من هذه الأحاديث على طبيعة الروح التي يعيشها الإنسان المؤمن تجاه أخيه من خلال التعبير بالمرآة. فنحن نعرف أنّ مهمّة المرآة أن تكشف للإنسان عيوب وجهه في نظافته وأناقته بكلّ وضوح، دون أيّ تأثير سيّئ، بل كلّ ما هناك، أن تثير في نفسه الرغبة في الإصلاح والتّغيير. وبعبارة أدقّ: أن تضعه وجهاً لوجه أمام العيب في صورته، أو الخطأ في أناقته، ليتولّى ـ بعد ذلك ـ مهمّة اتّخاذ الموقف المناسب.
فإذا اعتبرنا المؤمن مرآةً لأخيه، وأضفنا إليه ـ بعد ذلك ـ أن يكون عينه ودليله، فسنجد أنفسنا نواجه الأساس النفسي للنّقد، وهو أن ينطلق النقد عن قصد صحيح، يستهدف تعريف الإنسان ما يستطيع معرفته بنفسه بسهولة، تماماً كما هي عيوب الوجه التي لا يستطيع تعرّفها بدون المرآة، أو كما هي عيوب الأعمى التي لا يتمكَّن من الاطّلاع عليها بواسطة عيون الآخرين.
وعلى ضوء ذلك: نعرف حاجتنا إلى الشّعور للمحبّة في عمليَّة النقد، تماماً كما هو شعور الإنسان الذي يحاول أن يدلّ الأعمى على عيوب وجهه التي لا يراها، ليكون له بمثابة العين التي يبصر بها.
أمّا الأسلوب الثاني: فيتمثَّل في الحديث الشّريف المأثور: "رَحِمَ الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي". فهو يوحي إلينا أن يكون شعورنا وإحساسنا الذاتي إزاء الإنسان الذي يقدّم لنا عيوبنا وأخطاءنا على طبق من محبّة ونصيحة، كشعورنا إزاءه عندما يقدّم لنا حسناتنا ومآثرنا، أو هدية ثمينة من المطعم والملبس أو غير ذلك، في الإحساس بالامتنان، لأنَّ قيمة الهديّة إنَّما تكون بمقدار ما تحلّ للإنسان مشكلة، أو تجلب له منفعة، على أساس حاجاته الغريزيّة أو رغباته الذاتيّة.
ولن يكون هناك أسمى من أن يقدّم له عيوبه التي تشوّه له روحه وتحطِّم كرامته، من أجل أن يتفادى ذلك، فيعيد إلى روحه صفاءها ونقاءها، وإلى كرامته قوّتها وسلامتها.
وربّما نجد بعض ملامح هذا الأسلوب في الحديث المتقدّم الذي اعتبر المؤمن مرآة أخيه، لأنّه في الوقت الذي يدعو المؤمن إلى أن يقوم بدور المرآة الداخليّة تجاه عيوب أخيه الذاتيّة، كما تقوم المرآة بكشف العيوب الخارجيّة، كذلك يوحي للمؤمن الآخر أن يعتبر إخوانه مرآة له، ويتعامل مع نصائحهم وتوجيهاتهم كما يتعامل مع المرآة، فيدعوهم إلى نقد صفاته وأعماله، كما يدعو المرآة إلى كشف أخطاء نظافته وأناقته.
ولا يقتصر هذا الأسلوب على الحديث الشّريف، بل يتعدّاه إلى الدعاء الذي يدعو به الإنسان ربّه، فنجد في دعاء مكارم الأخلاق الفقرة التالية":" وَوَفِّقنِي لِطَاعَةِ مَن سَدَّدَنِي وَمُتَابَعَةِ مَن أَرشَدَنِي".
فهي تعتبر السير على هدى النقد في عمليّة التغيير الداخلي والإصلاح العملي، حاجة دينيّة وإنسانيّة تحتاج إلى مزيد من توفيق الله ورعايته، ما يجعل الإنسان يحسّ بالرغبة الروحيّة إلى أن يطلب ذلك من ربّه في خشوع العبادة وروحانيّة الدّعاء.
وخلاصة الحديث: إنَّ الإسلام يحاول أن يوجّه الناقد والمنقود، إلى أن يواجها عمليّة النقد بروح واعية مخلصة، ينطلق معها الناقد، ليكتشف أخطاء الآخر بوعي ومحبّة، وينسجم معها المنقود، ليشعر بالامتنان لذلك، وليبدأ عمليّة التغيير على هذا الأساس.
وأمّا الحالة الثانية: وهي الحالة التي يتّجه فيها النقد إلى التحقير والإيذاء، فتتحوَّل المواجهة إلى أسلوبٍ حاقد يستهدف التحطيم فحسب.
أمّا هذه الحالة، فنجد التشريع الإسلامي يرفضها رفضاً قاطعاً، فلم يعط الإنسان هذا الحقّ، ولم يمنحه هذه الحريّة.
ونجد الإشارة إلى ذلك في الحديثين المتقدّمين عن الإمامين الباقر والصادق (ع)، اللّذين اعتبرا إحصاء الإنسان زلّات أخيه المؤمن بداعي التّعيير والتّعنيف والإيذاء، من أقرب الأشياء إلى الكفر، ومن أبعد الأمور عن الله.
وقد نلمح الإشارة إلى ذلك في جميع الأحاديث التي تشجب إيذاء المؤمن وتحقيره وإذلاله بأيّ أسلوبٍ من الأساليب.
وربّما نتعرَّف ذلك في حديث الإمام جعفر الصادق (ع):" مَنْ أَنَّبَ مؤمناً، أنَّبَه الله عزَّ وجلَّ في الدُّنيا والآخرة". 
وفي حديثٍ آخر عنه: "مَنْ عَيَّرَ مؤمناً بذنبٍ، لم يمت حتّى يرتكبه".
وقد يكون السرّ في هذا الرّفض وهذا التشديد، تركيز الإسلام على بناء العلاقات الإنسانيّة بين المؤمنين على أساس احترام كرامة الإنسان، لأنَّ ذلك هو الذي يخلق عنده الشعور بإنسانيّته، وبالتالي، يساهم في حفظ قيمة تلك العلاقات وتنميتها واستمرارها وحيويّتها، ودورها الإيجابي في خلق المجتمع الإسلامي الصّحيح الذي يرتكز على قاعدة متينة من المعرفة والمحبّة والاحترام المتبادل ورعاية حقوق الجميع.
*من كتاب "مفاهيم عامّة".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة ينبغي أن تتغيّر العقليّة الّتي أوصلت البلد إلى الانهيار في ذكرى يوم الغدير: هل نقتدي بنهجٍ عليّ (ع)؟! فضل الله: لورشة وطنيَّة تحتوي تداعيات كارثة المرفأ جمعيّة المبرّات الخيريّة: لنكن صفّاً واحداً لمعالجة تداعيات الكارثة المبرّات توزّع كسوة العيد والعيديّة على 4600 يتيم ومحتاج فضل الله ينعى آية الله محمّد باقر النّاصري النبيّ إبراهيم (ع) ينجح في الاختبار الصّعب البلد لا ينهض إلا بتكاتف أبنائه والشّراكة بينهم "الممارسة الإسلاميّة النقديّة/ محمد حسين فضل الله أنموذجاً"
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر