اليوم: الخميس23 ذي الحجة 1441هـ الموافق: 13 اغسطس 2020

الوقت للاستثمار لا للتّضييع

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

بعض الناس يعتبرون الزمن عبئاً ثقيلاً عليهم، يأتي اللّيل فيثقل عليهم إذا كان طويلاً، فلا يصدّقون متى يطلع الصّباح، ويأتي النهار ـ إذا كان طويلاً ـ فلا يصدّقون كيف يأتي إليهم اللّيل.

ولكنّ اللّيل عمرك، والنهار عمرك. ما اللّيل والنهار؟ إنَّ بعض الناس يقولون نريد أن نقتل الوقت؛ لماذا؟.. ما هو ثأرك مع الوقت؟.. بماذا أساء إليك الوقت حتّى تقتله.. حتّى تضيّعه.. حتّى تقطّعه إرباً إرباً؟ والوقت يمكن أن يحملك إلى رضوان الله، ويمكن أن يحقّق لكَ السّعادة في جنّة الله؟ قد تفعل فعلاً في ساعة فتستطيع أن تأخذ به خير الدنيا والآخرة. ولهذا قال الله لنا في الكتاب الكريم: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}[آل عمران: 133]، سارع، لأنَّ الوقت الذي عندك الآن قد لا يأتي غداً، وعندما تستقبل سنة، لا تستقبلها باسترخاء، بل استقبلها بحالة طوارئ، لأنّك في أوّل السنة.

فكِّروا جيّداً؛ كم كان لكم من أصحاب وأقرباء وجيران ومعارف عشتم معهم زمناً، فأين هم الآن؟ كانت عندهم فرصة وضاعت. ألا يمكن أن تضيع منكم فرصة هذه السنة، كما ضاعت فرصة في السّنة الماضية على كثيرين؟ هل يمكن ذلك أم لا؟

إنَّنا نؤمن باليوم الآخر، وبأنَّ العمر هو الجسر الذي نعبر عليه إلى رضوان الله أو إلى سخطه، وفي ذلك فرصة لا تُعَوَّض. إنّك لا تستطيع أن تكرِّر عمرك، ولن يسمح الله لكَ بذلك، ولهذا ورد في القرآن الكريم: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا}[المؤمنون: 99 ـ 100]..

إنَّ العمر لا يتكرَّر، وساعتك لا تتكرَّر، ويومك لا يتكرَّر. لهذا، إذا كنتَ واثقاً بأنّ الحساب ينتظرك، فلا بدّ أن تفهم كيف تدقّق في الحسابات، فإن لم تدقّق فيها، فإنّك لن تستطيع أن تواجه الله بثقة، لأنّك لا تعرف ماذا لك وماذا عليك. ولكنّك إذا كنتَ دقيقاً في حساباتك، فإنّك تستطيع أن تقف بثقة أمام الله في الدنيا وفي الآخرة.

يقول الإمام عليّ (ع) في بعض كلماته: "كُنْ على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك". عندما يأتيك إنسان ويطلب منك مالاً، والمال عندك محدود، ألاَ تحاول أن تحافظ على مالك حتّى لا يذهب؟ وعندما يأتيك إنسان يريد أن يسرق مالك، ألا تكون بخيلاً شحيحاً على مالك وتخاف أن يسرق؟ كُنْ على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك. لا تجعل عمرك بدون أساس. لا تجعل أحداً يسرق عمرك فيضيّعه في غير خير، وفي غير طاعة، وفي غير ما يبني لك سعادة الدُّنيا والآخرة.

ثمّ يقول في حديثٍ آخر: "بادِر بأربع قبل أربع؛ بشبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك". فقد يأتي وقت لا تستطيع المبادرة.

وهناك حديث آخر يقول: "إنَّ اللّيل والنهار يعملان فاعمل فيهما".. يكون الإنسان ضعيفاً في صغره، ثمّ يكبر فيصبح قويّاً، ثمّ يضعف بعد أن يردّ إلى أرذل العمر. مَن الذي يجعله يصغر ويكبر ويقوى ويضعف؟ إنّه اللّيل والنّهار.

فكما يتعاقب اللّيل والنّهار على جسدك، حاول أن تعمل فيهما ما تستطيع به أن تربح عمرك، كما تصنع من الفاكهة عصيراً لتستفيد منها بعد انقضاء موسمها. أي أن تستفيد منها في موسم وتستفيد من روحها في موسمٍ آخر. ونحن نستطيع أن نأخذ عصير العمر، عندما نُحوِّل عمرنا إلى علم نتركه للآخرين، وإلى عملٍ نخلّده في الحياة، وإلى نتائج عمليّة تجعلنا نقف في غنى عند الله سبحانه وتعالى. لهذا، علينا أن نعتصر كلّ الطاقات لنحبسها ونعصرها في أعمالنا. فهناك علماء لا نزال نقرأ كتبهم، وخبراء لا نزال ننتفع بتجربتهم، وأغنياء لا نزال نعيش على مشاريعهم، وأقوياء لا نزال نعيش على نتائج جهادهم.. ماتوا وأخذهم الزمن، ولكنّ عمرهم بقي.

من هنا، يقول الإمام (ع): "إنَّ اللّيل والنّهار يعملان فيك فاعمل فيهما، ويأخذان منك فخذ منهما".. يأخذان منك قوّتك، فخذ منهما ما فيهما من عناصر القوَّة. ثم يقول: "ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيّام في الشّهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر!".

ويقول: "مَن كان مطيّته اللّيل والنّهار، فإنّه يسار به وإن كان واقفاً".. اللّيل يمشي وأنتَ واقف، لكنّ حياتك تمشي معه وتنقضي...

وقد ورد في بعض الأحاديث: "أيُّها الناس، الآن الآن ـ أي لا تسوِّفوا، لا تقولوا غداً أو بعد غد ـ من قبل الندم، ومن قبل أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرَّطتُ في جنب الله". سيأتيك وقت تتحوّل حياتك إلى حسرات، فحاول أن تعيش وأنتَ تفهم عمرك، وتفهم كيف تقتنص الفرصة منه.

يجب أن تفكِّر في هذا المجال، ويجب أن نفكّر أيضاً بأنَّ علينا أن ندرس حياتنا بشكل يمكن له أن يجعل عمرنا عمراً مباركاً في الدنيا ومباركاً في الآخرة. وهذا ما عبَّر عنه الإمام زين العابدين (ع) عندما كان يتحدّث عن مسألة تمنّي طول العمر أو انقضائه في دعاء مكارم الأخلاق: "وعمِّرني ما كان عمري بِذْلَةً في طاعتك ـ إذا كان عمري، يا ربّ، مبذولاً في طاعتك، في كلّ قضايا الحياة، فاجعلني أعيش عمراً طويلاً ـ فإذا كان عمري مَرْتَعاً للشيطان، فاقبضني إليك قبل أن يسبق مقتك إليَّ، أو يستحكم غضبك عليَّ"، لأنّي لا أُطيق غضبك، ولا أُطيق مقتك.

وقد ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي: "واجعلني ممّن أَطَلْتَ عمره، وحَسَّنْتَ عمله، وأَتْمَمْتَ عليه نعمتك، ورضيتَ عنه، وأَحْيَيْتَهُ حياةً طيّبة، في أدْوَمِ السّرور، وأسبغ الكرامة، وأَتَمّ العيش، إنَّك تفعل ما تشاء ولا يفعل ما يشاء غيرك".

خطِّط لعمرك، حتّى تجعله حركةً دائمة في طاعة ربّك، وذلك بأن تضع خطّةً لعمرك في كلّ ما تحتاجه.

*من كتاب "الجمعة منبر ومحراب".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة ينبغي أن تتغيّر العقليّة الّتي أوصلت البلد إلى الانهيار في ذكرى يوم الغدير: هل نقتدي بنهجٍ عليّ (ع)؟! فضل الله: لورشة وطنيَّة تحتوي تداعيات كارثة المرفأ جمعيّة المبرّات الخيريّة: لنكن صفّاً واحداً لمعالجة تداعيات الكارثة المبرّات توزّع كسوة العيد والعيديّة على 4600 يتيم ومحتاج فضل الله ينعى آية الله محمّد باقر النّاصري النبيّ إبراهيم (ع) ينجح في الاختبار الصّعب البلد لا ينهض إلا بتكاتف أبنائه والشّراكة بينهم "الممارسة الإسلاميّة النقديّة/ محمد حسين فضل الله أنموذجاً"
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر