خبر..
شبّ حريق في مدرسة إسلاميّة داخليّة في ضاحية لندن، قد يكون على علاقة بمقتل جنديّ بريطانيّ الشّهر الماضي، حسب ما أعلن قائد الشّرطة اللّندنيّة الأحد.
وقال مفوّض الشّرطة في لندن، برنارد هوغان- هوا، إنّ المحقّقين "يعملون بلا هوادة" لمعرفة ما إذا كان الحريق الّذي اندلع مساء السّبت في مدرسة دار العلوم الإسلاميّة، إضافةً إلى حريق آخر، مفتعلين، وفي حال تأكّد هذا الأمر، سيصار إلى"القيام بتوقيف المسؤولين".
وتبلّغت أجهزة الطّوارئ مساء السّبت، بوجود حريق في المدرسة الإسلاميّة للصّبيان في شيسليهورست، الضّاحية الجنوبيّة الشّرقيّة للندن.
ونجح رجال الإطفاء سريعاً في السّيطرة على الحريق الّذي أدّى إلى إجلاء أكثر من 120 تلميذاً وموظّفاً يبيتون في هذه المدرسة.
ولم يسفر الحريق إلا عن خسائر طفيفة في هذه المدرسة الّتي تأسّست العام 1988، كما تمت معالجة شخصين بعد تنشقّهما الدّخان.
ومن جهة ثانية، لا تزال الشّرطة البريطانيّة تحقّق في أسباب الحريق الّذي شبّ في شمال لندن، حيث أدَّى إلى احتراقٍ كاملٍ للمسجد والمركز الثّقافي الإسلامي الّذي بجانبه في وقت سابق. وتفترض الشّرطة أنّ الحريق يمكن أن يكون متعمّداً، ولم يُعتقل حتّى الآن أيّ شخص بسبب الحادث.
وتعليق..
يرى المتابعون أنَّ هذه الحوادث قد تكون ردَّ فعل متطرّف وغير مضبوط، وأنّها لا تساهم إلا في إذكاء روح العصبيّة والعنف والتطرّف، فالإسلام دين الرّفق والتّسامح والسّلام، ويرفض بشكل قطعيّ كلّ أشكال التعدّي على حياة النّاس وأرزاقهم وأرواحهم ومؤسّساتهم مهما كان انتماؤهم، وأنّ التصرّف المشين بقتل الجندي البريطاني لا يعبِّر بتاتاً عن قيم الدّين وأخلاق الإسلام في وجوب المحافظة على الأرواح والممتلكات من كلّ أنواع التّجاوزات؛ إنها جريمة بكلّ المقاييس، ولا يجوز زجّ الإسلام في ذلك كلّه، فالإسلام براء مما ينسب إليه من سلوكيّات منحرفة. هذا وقد صدرت أصوات عاقلة في المجتمع البريطانيّ في هذا الاتجاه، هي المعوّل عليها لتهدئة النّفوس ومخاطبة الواقع بالشكل الموضوعي الّذي لا يستنفر العصبيّات والحساسيّات.
وفي سياقٍ متّصل بما يتعلّق بموضوع العنف والرّفق، يقول سماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض):
نحن لا نريد أن نقول إنّ الإسلام ليس دين العنف وليس دين الإرهاب، بل هو دين الرّفق ليرضى الآخرون، بل إنّ الإسلام هو دين الإنسان، ونحن نؤكّد دائماً أنّ الدّين جاء لخدمة الإنسان ولم يأتِ الإنسان لخدمة الدّين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}(الأنفال/24). هو للحياة، وإذا كان للحياة فهو من نوعها، والحياة رفق وعنف، لأنّ الحياة تتحرّك من أجل أن تجعل الإنسان يعيش حياته عقلاً ينتج الفكر، وقلباً ينتج العاطفة، وحركةً تنتج العدل.
ربّما نقرأُ في كثيرٍ من الحالات في القرآن الكريم عنفاً في الحديث عن فكر الآخر، ويتحدّث الآخرون عن العنف، لكن عندما تواجه الفكر، فإنَّ من الطبيعيّ أن تعيشَ الفكرة في عنف المعاني الّتي تختزنها، لأنّ الفكرة ليست حالة تخضع للمجاملة، كن عنيفاً في مناقشة الفكرة لتأصيلها، لأنّه لا مجال للتّسامح في تأصيل الفكرة، هناك مجال للتّسامح في عرض الفكرة في مضمونها الثّقافيّ وفي طريقة طرحها للآخر.
ولذلك نجد أنّ القرآن الكريم جمع بين هذين الخطّين، فعندما تحدَّث عن فكر الشّرك في مقابل التّوحيد، وفكر الكفر في مقابل الإيمان، وفكر أهل الكتاب في مقابل فكر الإسلام، كان عنيفاً؛ عنيفاً بمعنى أنّه أعطى الفكرة هنا وهناك كلّ خصائصها، ولكنّه عندما تحدَّث عن تقديم الفكرة للآخر وأسلوب مناقشة الفكرة معه قال: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النّحل/125)، {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(الإسراء/53) وأيضاً: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}(العنكبوت/46)، كما هو الحال مع إسرائيل، ومع كلّ الّذين يتحرّكون باسم أهل الكتاب في خطّ ظلم الآخرين {وقولوا آمنّا بالّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}.
فتعالوا إلى الأرض المشتركة بيننا، إلى الكلمة السّواء، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ}(آل عمران/64). تعالوا إلى الأرض المشتركة حتّى نقف عليها، فإذا تجاوزناها إلى الأرض الأخرى، عشنا ما نختلف فيه من أرض هنا وهناك بروح الوحدة، وبروح الأرض المشتركة.
وهكذا نقرأ في القرآن الكريم، كيف نواجه المشاكل الّتي تحدث بيننا، سواء كانت هذه المشاكل مشاكل ثقافيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة في داخل مجتمعاتنا ومع المجتمع الآخر، يقول تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ} وهي أسلوب الرفق واللّين، الأسلوب الذي يوحي بالسلام، {وَلَا السَّيِّئَةُ}، وهي تمثّل أسلوب العنف {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، ادرس كلّ المناخ الّذي أنت فيه، ادرس كلّ النّاس الّذين يتخبَّطون في المشكلة معك أو تتخبّط في المشكلة معهم، أو الظّروف الموضوعيّة الّتي تحيط بك، فكِّر في الكلمة الأحسن والأسلوب والمناخ الأحسن والتّخطيط للمستقبل الأحسن، {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(فصِّلت/34)، فكِّر في الحلّ الّذي يُحوِّل عدوّك إلى صديق، لا إلى صديق بشكل عاديّ، وإنّما إلى صديق حميم، صديق يحتضنك، يحتضن فكرك وإنسانيّتك وقضيّتك، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا}، الّذين لا يعيشون الصّراع الفكري والسياسي بعصبيّاتهم، ولكنّهم يعيشونه بعقولهم، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(فصِّلت/35)، حظّ عظيم من الوعي.[من محاضرة لسماحته(رض) في فندق البريستول العام 2004م]