اليوم: السبت25 ذي القعدة 1443هـ الموافق: 25 يونيو 2022

إبراهيم (ع) يجسّد الخطّ الرساليّ في تربية أبنائه

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

كان الإسلام عنوان الخطّ التربويّ الذي أراد إبراهيم (ع) من بنيه تَمَثُّل الدّين من خلاله، ويبدو أنّ هذا الخطّ التربويّ استطاع أن يجسِّد نفسه في موقع عمليّ في إسماعيل، وموقع حركيّ في يعقوب.

وعندما نقرأ قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}[الصّافات: 101]، نرى أنّ إبراهيم كان يتطلّع إلى غلام بعد يأس، فأعطاه الله غلاماً حليماً وديعاً منفتح القلب، لا يتعقَّد ولا يتشنّج من أيّ حالة مثيرة أو عسيرة. {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}، وهذه الكلمة توحي بأنّ إسماعيل كان يعيش مع أبيه بطريقة تشبه الالتصاق في المدّة التي قضاها معه، وهذا طبيعيّ في الإنسان عندما يرزق ولداً بعد يأس، ويبدو أنَّ إبراهيم أعطى كلّ قلبه، وكلّ إيمانه بربِّه، وكلّ هذا الوعي الروحيّ الذي يمتزج فيه الجانب الفكريّ والروحيّ والعباديّ والعمليّ، أعطاه لولده إسماعيل، بحيث تحوّل إسماعيل إلى حالة إسلاميّة فيما تعنيه الكلمة من إسلام لله تماماً كما هو الأب.

ومن هنا، كانت التجربة التي أراد الله سبحانه أن يحرّكها في حياة الأب والابن، من أجل أن يعطيَ القدوة في أعلى مواقعها، فيما تمثّله من الإسلام كلّه في الأب والابن، باعتبار أنَّ عاطفة الأب تعيش التحدّي بأن يذبح ولده، لا أن يشاهده والآخرون يذبحونه، بل أنْ يقوم هو بقتل عاطفته، وكلّ هذا الإحساس بالحنان والمحبَّة والذَّوبان، فيما تمثّله الأبوَّة بالنِّسبة إلى الولد الوحيد والحبيب.

وفي المقابل، فإنَّ إسماعيل وصل أيضاً إلى أقصى درجات التحدّي لحبّ الإنسان لنفسه، كما واجه الاثنان التحدّي من خلال إيمانهما الّذي يفرض عليهما الاستجابة لهذا التحدّي: أن يقتل الإنسان عاطفته تجاه ولده، وأن يقتل الإنسان شعوره تجاه نفسه، وقد نجحا في هذا التحدّي، وهذا ما نلاحظه في قوله تعالى:

{قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}.  ولم يتوقّف إسماعيل، فيما يوحي به النصّ القرآنيّ، أمام هذه المسألة ليتفكَّر أو يتدبَّر {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[الصّافّات: 102].

كلّ هذا يوحي إلينا أنّ إبراهيم (ع) قد نجح في أن يربّيَ ولده على هذه الدّرجة من الإسلام الروحيّ الذي يفقد فيه الإنسان إحساسه بنفسه أمام إرادة الله تعالى. ولعلّنا نستوحي من ذلك، أنّ إبراهيم (ع) لم ينطلق، ككثيرٍ من الآباء الذين يرزقهم الله الولد بعد يأس، في تدليله وإعطائه حرّيته التي يلهو بها ويعبث، بحيث تتحوَّل أخطاء الولد إلى مقدَّسات، وسيّئاته إلى حسنات، لجهة أنّ العاطفة الظامئة الجائعة لا تتحمّل أنْ يتألّم هذا الولد.

إنّنا نشعر بأنّ هناك استعداداً لدى إسماعيل، ونوعاً من الإخلاص في تجربة إبراهيم الرساليّة، بحيث لم ينظر إلى ولده بالمعنى الإنساني العاطفي، بل نظر إليه بالمعنى الرّساليّ؛ هذا إنسان لا بدَّ أن يتحرّك في الحياة كعبد لله، وكمخلصٍ لله سبحانه وتعالى، فعليَّ أن لا أجعل أبوّتي لولدي وبنوّته لي أساساً للاستغراق في الجانب الذّاتي من المسألة، بل عليَّ أن أعتبر أنَّه عبد الله، وعليَّ أن أؤكّد عبوديّته لله، وأنّه إنسان في المجتمع الإنسانيّ، ويجب أن أجعله إنساناً يثري تجربة الإنسان بالإيمان وبالاستقامة.

إنّ إبراهيم (ع) استطاع أن يمزج بين الشخصيّة الإنسانيّة فيما هي الأبوّة بالنّسبة إلى البنوّة، وفيما تفرضه من عاطفة، فجعل العاطفة تتحوّل إلى أن يرفع درجة هذا الولد عند الله سبحانه وتعالى، وإلى أن يقرّبه إلى الله ليحصل على فيوضات الله في رحمته وجنّته، وبين شخصيّته الرساليّة التي جعلها تتجّه إلى أن يكون رسولاً لولده، كما هو رسول للنّاس كافّةً، فلا يحاول، كما يفعل البعض، في جعل رسالته للنّاس بشرط أن تكون بعيدةً من عائلته وأولاده الّذين يطلق لهم حريّتهم.

*من كتاب "دنيا الشّباب". 

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر