اليوم: الاثنين3 جمادى الثانية 1439هـ الموافق: 19 فبراير 2018

الانطلاق في خطّ الوحدة وأسلمة عاشوراء

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

إنَّ الانطلاق في خطِّ الوحدة الإسلاميَّة لا يعني أن يتنازل كلّ فريق عن قناعاته، بل أن يلتقي المسلمون جميعاً على ما اتّفقوا عليه، وأن يتعاونوا في القضايا المشتركة، ويتحاوروا في القضايا الّتي يختلفون فيها بطريقةٍ علميّةٍ موضوعيّة، وخصوصاً عندما يعيشون في مناطق مشتركة تمثِّل نوعاً من خطوط التماس المذهبيّة بشكلٍ وبآخر، حيث قد ينطلق البعض ليجعلوا من بعض المناسبات ـ كعاشوراء ـ مسائل لإثارة النّعرات المذهبيَّة.

ولذلك حرَّمنا ـ من موقعنا الفقهيّ ـ على كلّ إنسان أن يرفع أيّ شعار يثير الحساسيّات المذهبيّة، أو أن يتكلّم بأيّة كلمة تصبّ في ذلك الاتجاه، مع المحافظة على أسلوب الحوار والجدال بالّتي هي أحسن، لأنّنا نريد أن ننطلق جميعاً من أجل قوَّة الإسلام، وخصوصاً في هذه المراحل الّتي تمرّ بها أمَّتنا، والّتي هي من أخطر المراحل على الإسلام والمسلمين في العالم، أيّاً كانت مذاهبهم واتّجاهاتهم.

لا نريد من طرح هذا العنوان الإيهام بأنَّ عاشوراء تفتقد الصّفة الإسلاميّة، بل نريد التّأكيد أنّ القضيّة الحسينيّة هي قضيّة إسلاميّة عامّة، وليست قضيّةً مذهبيّةً خاصّة.

لقد انطلقت كربلاء على أساس العناوين الإسلاميّة، وتمثّل ذلك في الطّروحات الّتي أطلقها الحسين(ع) كعنوانٍ عريضٍ لحركته، وفي المواقف الّتي تجسّدت خلال المسيرة الحسينيّة حتى الشّهادة.

كان عنوان الحركة هو الإصلاح في أمّة رسول الله(ص)، وذلك قول الحسين(ع): "إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"، على أساس قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}[آل عمران: 104]، ومن الأمر بالمعروف أمر الظّالم به، ومن النّهي عن المنكر نهي الظّالم عنه، ولو بالثّورة في وجهه، لأنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، قد يكونان بالكلمة وقد يكونان بالموقف، وقد يكونان بممارسة القوّة، بحسب ما تفرضه طبيعة الظّروف والنّتائج...

هذه هي بعض شعاراته، وعندما ندرسها، نجد ـ بوضوح ـ أنّها ليست شعارات المرحلة الّتي كان يعيش فيها لتكون المسألة مجرّد مسألة غارقة في التّاريخ، كما أنّها ليست شعارات مذهبيّة فئويّة، ولكنّها شعارات الحياة كلّها، وشعارات الإسلام في كلّ مواقعه...

فمن منّا لا يلمح الإفساد والفساد السياسيّ على مستوى الحاكم والمحكوم وحركة الحكم؟ ومن منَّا لا يرى الإفساد والفساد على مستوى الاستكبار العالميّ والإقليميّ والمحلّيّ في كلّ ما يريده الاستكبار من مصادرة لقضايانا المصيريّة؟ ومن منّا لا يجد أنّ الواقع يعمل على إفساد الأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة في داخل الفرد المسلم والمجتمع والأمّة المسلمة، من خلال من يريدون المتاجرة بالأخلاق؟

ومن منّا لم يرفض الواقع الّذي يترك فيه الكثيرون من المسلمين عبادة الله، ويتركون فيه الصّدق والأمانة والعفّة والوفاء وما إلى ذلك من أصول الأخلاق الإسلاميّة، في الوقت الّذي يشهدون أن "لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله"؟ ومن منّا لا يرفض الكثير من مظاهر الانحراف في حياتنا، والعلاقات الممزّقة والفتن الّتي تتحرّك على مستوى الأفراد والعوائل والأحزاب والطّوائف الإسلاميّة وما إلى ذلك؟ ومن منّا لا يرى في العزّة القيمة الكبرى على المستوى الفرديّ أو الاجتماعيّ؟

كانت ثورة الإمام الحسين(ع) ثورةً خاسرةً من النّاحية العسكريّة، ولكنّها صدمت الواقع وهزّت قواعده، لكي تركِّز الخطّ الأصيل الّذي يحفظ الحياة الإسلاميّة، ويؤكّد العدل في داخلها، لأنّ الواقع كان قد وصل إلى مرحلة استرخى فيها تحت تأثير حكم يزيد، ولذلك انطلق النّاس ليحاربوا الحسين حتّى وهم يعيشون الحبّ له.. وبذلك كان الوضع الإسلاميّ مهيّأً لأن يستمرّ الظّلم فيه، وأن يحرّك النّاس كلّهم في مواجهة كلّ دعوة إلى الحقّ، وأن تؤدّي مجاري الأمور إلى تقديم الكفر للنّاس باسم الإسلام...

ومن هنا، فإنَّ الحسين(ع) يمثّل خطّاً ومنهجاً وتجسيداً حيّاً للقيم الإسلاميّة والإنسانيّة في العزّة والكرامة والمحافظة على استقامة المسيرة الّتي جعلها الله أمانةً في أعناقنا...

[من كتاب: نظرة إسلامية حول عاشوراء]

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن كنيسة سويدية تدعو لرفع أذان الجمعة الإيمان وفعل الخير توأمان لا ينفصلان. 30 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 16 شباط 2018م السّبت أوّل أيّام شهر جمادى الثانية 1439 هـ فضل الله ببناء الإنسان وتعزيز القوة والوحدة ننهض بالوطن زعيم اليمين المتطرّف فى إيطاليا يدعو لإغلاق 800 مسجد منبر الجمعة: 23 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 9-2-2018م مؤذّنون في معهد موسيقيّ متى يصبح حبّ المال شرّاً؟! أسمع بسبِّ الذَّات الإلهيَّة.. كيف أتصرّف؟ فضل الله وحدة مكوناتنا الداخلية تحمي أوطاننا
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر