الترتيب حسب:
Relevance
Relevance
Date

الإمامُ الحسنُ (ع): العابدُ الزّاهدُ الرّساليُّ

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

مثَّل الإمام الحسن (ع) الكمال النبويّ والعَلويّ والفاطميّ، بحيث كان روحاً تتحرَّك في الواقع.. وتعالوا نستمع إلى بعض حالاته الروحية التي يحدِّثنا بها بعض المؤرّخين، فقد ورد عنه أنّه كان إذا توضّأ، ارتعدت فرائصه، واصفرّ لونه، وقيل له في ذلك، فقال: "حقٌّ على كلِّ مَنْ وقَفَ بين يدي ربِّ العرش أن يصفرَّ لونه وترتعد فرائصه"1.

أعبدُ النّاسِ وأزهدُهم

ويصف الإمام زين العابدين (ع) عمّه الحسن (ع) من خلال ما رواه الصّادق (ع)، عن أبيه الباقر (ع)، عن أبيه عليّ بن الحسين (ع)، ومن الطبيعيّ أنّ الإمام زين العابدين عندما يصف عمّه، فإنّها الصورة الصادقة التي تجعلك تتصوّره كما لو كنتَ تراه. فكيف وصَفَه؟

يقول الإمام زين العابدين (ع): "كانَ أَعْبَدَ النّاسِ في زمانِه وأزهَدَهم وأفضلَهم، كان إذا حجَّ حجَّ ماشياً، وربّما مشَى حافياً، وكان إذا ذَكَرَ الموتَ بكى، وإذا ذَكَرَ القبرَ بكى، وإذا ذَكر البعثَ والنّشورَ بكى، وإذا ذَكَر الممرَّ على الصّراط بَكى، وإذا ذَكَرَ العَرضَ على الله تعالى ذِكرُه شَهقَ شَهْقَةً يُغشى عليهِ منها. وكان إذا قامَ في صلاتِه ترتعدُ فرائِصُهُ بينَ يدي ربِّه عزَّ وجلَّ، وكان إذا ذَكر الجنَّةَ والنارَ اضطربَ اضطرابَ السّليمِ، وسألَ اللهَ الجنَّةَ وتعوَّذَ من النارِ. وكان لا يقرأ من كتابِ اللهِ عزَّ وجلّ: {يَا أَيُّها الّذينَ آمنوا}، إلّا قال: لبّيك اللَّهمَّ لبّيك - لأنَّه يتحسَّس أنَّ الله يناديه كما لو كان يلقي النّداء إليه الآن - ولم يُرَ في شيءٍ من أحوالِهِ إلّا ذاكِراً للهِ سبحانه"2

وكذلك التحرُّك في حلِّ مشاكل الناس وقضاء حاجاتهم، وهداية ضالهم، وتعليم جاهلهم وتقوية ضعيفهم، فإنَّ ذلك كلّه يمثِّل معنى العبادة في سرِّ الخضوع لله في كلِّ شيء، بحيث يرى الله أمامه ليطيعهُ فيما يأمره به أو ينهاه عنه، وليبلغ بذلك رضوانه3 .

أخلاقٌ رساليّةٌ

[ومن أخلاقه وأسلوبه الحكيم] أنّه كان (ع) راكباً ذات يوم على بغلته، وحوله أصحابه وإخوانه وأبناؤه وأهل بيته، ومرّ شخص شاميّ وسأل: من هذا؟ فقيل له: هذا الحسن بن عليّ بن أبي طالب (ع)، فبدأ يسبّه ويشتمه ويشتم أباه بدون مناسبة، حتى سار إليه المحيطون بالإمام (ع) ليقتلوه، لكنّ الإمام (ع) نهاهم قائلاً: رويداً، والتفت إلى الشاميّ بكلّ وداعة وابتسام، وقال له: "أظنّك غريباً، ولعلّك شبّهت"، أي أنّك خاضع لغسيل دماغ، كما يقال هذه الأيّام... "فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً"4.

فذهبوا به، والرجل لا يصدّق ما يرى ويسمع، ولكنه بعد أن دخل بيت الإمام (ع) وأكرموه، تطلّع إلى البيت الرساليّ، فوجد الخلق العظيم وحسن الوفادة، فخرج وهو يقول: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. فمن أين جاء ذلك الانعطاف في الموقف؟ إنَّ الإمام (ع) لو قال لأصحابه أدّبوه، أو اقتلوه، لكان تخلّص منه بأيسر السبل، ولكن ما هي النّتيجة؟ كان الإمام (ع) بفعله ربما قد خسر هذا الإنسان، لكنّه بأسلوبه الحكيم الطيّب والطلّة الرحيمة المؤنسة ربح صديقاً، فربما كان الإمام (ع) قد درس المسألة، ورأى أن هذا الشخص مغرَّر به، وإلّا فلا مشكلة بينه وبين الإمام (ع)، ولذا حاول أن يصحّح له فكرته. فبعض الناس قد يسبّونك وهم يتقرّبون بذلك إلى الله تعالى، لأنّهم سمعوا كلاماً لم يتحرّوا الحقيقة فيه، فجعلهم يشعرون بأنّك على الباطل، ولذلك فعلى منْ ابتلي بهذا أن يصبر عليه حتى تنجلي للآخرين الحقيقة5.

مِن مواعظِه (ع)

ومن مواعظ الإمام الحسن بن عليّ (ع) في آخر لحظات حياته، قال لجنادة: "اصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدَّق قولك، وان صلت شدّ صولك" في الدفاع عن نفسك "وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن بدت عنك ثلمة سدَّها، وإن رأى منك حسنة عدَّها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتداك، وإن نزلت إحدى الملمّات به ساواك"6.

المصدر : صلاة الجمعة الكلمة والموقف

[1]الأنوار البهيّة، الشّيخ عبّاس القمّي، ص 87.

[2]الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 244.

[3]في رحاب أهل البيت، المرجع فضل الله (رض)، ج 1.

[4]بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 43، ص 346.

[5]النّدوة، ج 7.

[6]ميزان الحكمة، محمّد الريشهري، ج 2، ص 1584. النص من كتاب "النّدوة"، ج 8.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر