الترتيب حسب:
Relevance
Relevance
Date

دورُ التَّابعين امتدادٌ لدورِ صحابةِ الرَّسول الأطهارِ

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

[يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه في الصَّلاة على أتباع الرّسل ومصدِّقيهم:]

"اللَّهُمَّ وأوْصِلْ إلى التَّابِعينَ لَهُمْ بِإحْسان الَّذِينَ يقولون {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} خيرَ جزائِكَ، الّذينَ قصَدُوا سَمْتَهُمْ، وتَحَرَّوا وِجْهَتَهُمْ، ومَضَوا علَى شَاكِلَتِهِم، لَمْ يُثْنِهِمْ رَيْبٌ فِي بَصيرَتِهِمْ، ولَمْ يَخْتَلِجْهُمْ شَكٌّ فِي قَفْوِ آثَارِهِمْ، والائْتِمامِ بِهِدايَةِ مَنَارِهِمْ، مُكَانِفِينَ ومُوَازِرينَ لَهُمْ، يَدِينونَ بِدينِهِمْ، ويَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِمْ، يَتّفِقُونَ علَيْهِمْ ولاَ يتَّهِمُونَهُمْ فِي ما أَدَّوا إلَيْهِمْ".

يا ربّ، لقد انطلق رسولك بالدَّعوة إليك، لتبدأ مسيرة الإسلام المنطلقة نحو الحياة كلّها، من أجل أن يأخذ النَّاس بوحيك في كلّ ما يفكّرون فيه ويعملون له ويتحرّكون نحوه، ليكون منهاجهم الَّذي ينهجونه، وشريعتهم التي يسيرون عليها، ودينهم الأقوم، وسبيلهم الأمثل، وليكون الدّين كلّه لك، ليتكامل نظام العمل في حياتهم مع نظام الكون في وجودهم، فكان له من الناس أصحاب وأنصار سبقوا غيرهم إلى الإيمان به وجاهدوا معه في سبيلك، من المهاجرين الذين هاجروا فراراً بدينهم خوفاً من الفتنة، وحباً لنبيِّك وإخلاصاً لرسالتك طلباً للنصرة.

ثم تتابعت الأجيال - من بعدهم - فانطلق الَّذين اتّبعوهم بإحسان، فأحسنوا الإيمان، وأخلصوا العمل، وتحرّكوا في الطَّريق المستقيم الَّذي يوصلهم إلى مواقع رضوانك، وخطَّطوا للمستقبل الإسلاميّ في أفكارهم وأعمالهم، وأطلقوا للإسلام حركته شرقاً وغرباً، حتى ظهر أمرك على الشِّرك كلّه ولو كره الكافرون.

وكانوا يقولون: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}، فهم لا ينكرون فضل السَّابقين من المهاجرين والأنصار الَّذين ركّزوا القاعدة، وفتحوا الطَّريق، وحرّكوا الدَّعوة، وأحسنوا العمل، وأعطوا من أنفسهم القدوة، ولذلك فإنّهم يستغفرون لهم في بعض ما أخطأوا فيه، كما يستغفرون لأنفسهم، تدليلاً على النَّهج المشترك، والمصير الواحد، ويبتهلون إلى الله أن يعمِّر قلوبهم بالمحبَّة للمؤمنين في كلّ أمورهم، لتكون علاقة الإيمان في الواقع الإيماني علاقةً تشدّ السَّائرين في المسيرة كلّها بعضهم إلى بعض، فكانوا يقولون: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[الحشر: 10]، لأنّهم يدركون أنّ المودّة القلبيَّة، والإخلاص الروحي، ومحبَّة الإيمان، هي التي تركّز للمجتمع قواعده، وتثبت للإسلام مواقفه، وتعطي للحقّ قوّته، وتفتح للسَّائرين آفاق النصر في مسيرة الصِّراع، وتمنحهم رأفة الله، من خلال رأفتهم بعضهم ببعض، ورحمته على خطِّ رحمتهم بالمؤمنين منهم.

اللَّهمّ اجزهم خير جزائك، وأعطهم أفضل عطائكَ، وارفع درجتهم في مدارج القرب إليك، ومواقع الرّضوان لديك، لأنّهم أرادوا متابعة الطَّريق الَّتي بدأها المؤمنون الأوّلون، واختاروا الوجهة التي توجَّهوا إليها، وساروا على طريقتهم ومنهاجهم، في وضوح من الرؤية، ويقين في العقيدة، فلم يصرفهم عن السَّير في هذا الطّريق الصَّعب أيّ ريب في البصيرة، ولم يختلج في صدورهم شكّ في الحقّ الَّذي يمثّلونه، وفي الائتمام بالسابقين في خطِّ الدَّعوة والجهاد والعمل في سبيلك، فكانوا الجماعة الَّتي تمنح القافلة - التي بدأت الطريق وسارت فيه - عونهم ومساعدتهم، لتقوية الخطّ واستقامة النهج، مما كان السابقون يفكّرون فيه ويعملون له، فانطلقوا معهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، ثقةً بهم وبإخلاصهم، فهم لا يتَّهمونهم على الإسلام في ما أدّوه إليهم من شرائعه وأحكامه وآثاره الَّتي سمعوها من النبيّ قولاً وشاهدوها من سيرته عملاً، ولا يختلفون في أمرهم، بل كانت نظرتهم إليهم واحدة، وكلمتهم فيهم مجتمعة.

وهذا الَّذي أردته - يا ربّ - من كلّ جيل من أجيال الإسلام في تكامل المراحل، في المسيرة الطويلة في قيادة الحياة، فينفتح الآخر على الأوّل، ويمهّد الأوَّل للآخر الطريق في عمليَّة تعاون في حركة الزمن وتتابع الخطوات، لأنّ ذلك يعطي الإسلام قوّته وحيويّته في تحريك التجارب التي تتجمّع في كلّ جيل، فيكون التابعون هم الذين يمثّلون الامتداد الواعي للأجيال في مسيرة المسلمين الدعاة والمجاهدين والعاملين في سبيل الله.

وهذا ما ينبغي للعلماء والدعاة والقيادات الإسلاميَّة أن تنهجه في عملية صنع الأجيال في حركة الإسلام في التاريخ، لينطلق الجميع في تركيز القاعدة، وتثبيت المواقع، وتقوية المواقف، وتأصيل المفاهيم، وانفتاح الأفق، حتى لا يكون تتابع المراحل مجرد تكرير للماضي في الحاضر، بل تكون المسألة تطويراً للحركة في مسيرة الزمن، مع بقاء المفاهيم الأصيلة الثابتة على أصالتها وثباتها، فلا يتّهم التابعون مَن قبلهم في إخلاصهم وجهادهم، ولكنّهم قد يناقشونهم في بعض ما أخطأوا فيه، أو انحرفوا فيه من غير قصد.

* من كتاب "آفاق الرّوح، ج1.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر