اليوم: الثلاثاء22 شوال 1440هـ الموافق: 25 يونيو 2019

السيّد فضل الله رائد في الفكر الإسلامي ومرجع إنساني كبير

حاوره:موقع بينات

يتحدَّث رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيد حسين، في هذه المقابلة، عن طبيعة العلاقة التي كانت تربطه بسماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(ره)، مشيراً إلى أنَّ سماحته كان مفكراً كبيراً يقصده الكثيرون طلباً لفكره الإنساني وإرشاداته وتوجيهاته في كثير من المجالات، لافتاً إلى أنَّ الأمة خسرت برحيله قائداً من قادتها ورائداً من روادها.

وفيما يلي نص المقابلة:

رائد في الفكر الإسلامي:

ـ كانت تربطك علاقة خاصَّة بسماحة العلامة المرجع السيِّد حسين فضل الله(ره). ما هي طبيعة هذه العلاقة؟

ـ نحن من مريدي سماحة السيد(ره)، وسماحته كان رائداً في الفكر، وفي الفكر الاجتماعي بشكلٍ خاص، فضلاً عن المعتقد الديني والفقه المتفرّع من الفكر الإسلامي وفق قواعد الشَّريعة.

العلاقة معه لم تكن بين رجل سياسة ورجل دين بقدر ما كانت بين أستاذ جامعي يريد التعرف أكثر إلى الفكر الإسلامي ومرجع كبير كسماحة العلامة المرجع فضل الله(ره)، وإضافةً إلى العلاقة الإنسانيَّة التي كانت تجمعني به، كان يعتبرني من الأصدقاء، وكنت أرتاح إلى اللقاء معه، كنا نتحدَّث في أمور عامَّة وأمور المجتمع، فضلاً عن أمور الدين، ولما عيّنت وزيراً قال لي(ره): "الله يعينك يا عدنان" أنت تسير بين النقاط، وأنت في لبنان  تعرف طبيعة البلد وتعقيداته.

المرجع فضل الله رائد في الفكر وعالم زاهد، إضافةً إلى أنه إنسان في الاجتماع وفي علاقاته الإنسانية

ـ متى بدأت هذه العلاقة مع سماحة السيد، وكيف تطوَّرت؟

ـ بدأت العلاقة في أواخر التسعينات بشكل منتظم، كنت أزوره مرة في الشهر على الأقل، وكنت أقدِّم له ما يصدر عني من كتابات أحياناً ومؤلفات وبعض الدراسات، بهدف التداول في الشؤون الفكرية والشؤون ذات الطابع الاستراتيجي، كالخلافات المذهبيَّة الَّتي انتشرت في الآونة الأخيرة، العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، فكرة الدولة في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وصعوبات بناء الدّولة وضروراتها ومقوّماتها.

استفدت من سماحته كثيراً، وكنت أشعر بأنَّني أمام عالمٍ زاهدٍ وإنسانٍ في الدَّرجة الأولى، وقد كنتُ أسمع من الذين يزورونه باستمرار أنَّ زيارة السيِّد فيها رغبة وشغف عند هؤلاء الأشخاص والأصدقاء، أو الَّذين يريدون التعرّف إليه، وأذكر منهم على سبيل المثال، المرحوم الدكتور أنيس الصايغ، وهو من كبار المفكرين الفلسطينيين، ورئيس تحرير الموسوعة الفلسطينيَّة الَّتي صدرت بجزئيها الكبيرين؛ فلسطين العام وفلسطين الخاص، والَّذي أراد من خلالها أن يؤرخ للقضية الفلسطينيَّة... وأذكر أنَّني زرت سماحة السيد برفقة الأستاذ أنيس، وكان حديثاً مهماً عن فلسطين والفكر الإسلامي والإنساني عامةً.

كان سماحة السيد إنساناً، ومريدوه ليسوا فقط من المسلمين، فالمسيحيون يأتون إليه، وأعرف أنَّ بعض الملحدين وربما الوثنيين من بلدان مختلفة كانوا يزورونه طلباً لفكره الإنساني وإرشاداته وتوجيهاته في كثير من المجالات...

مرجع إنساني كبير:

ـ هل تتذكر حادثة معينة كان فيها زيارة لأشخاص من غير المسلمين إلى سماحة السيد؟

ـ طبعاً، أذكر أنني كنت أنتظر قدوم سماحته إلى موعد موحد، فحضر عدد من رجال الدين المسيحيين، وكان عددهم قد تجاوز الخمسة، وعندما سألت عن طبيعة الزيارة، إذا كانت زيارة مجاملة أو هناك قضية، أدركت أنهم من المتابعين لعقارات المسيحيين وأملاكهم في منطقة حارة حريك، وكان سماحة السيد يقوم بالحفاظ على هذه الأملاك، وكان ينطلق من القاعدة الشرعيَّة الإسلاميَّة المعروفة، أن الغصب في الإسلام حرام ولا يجوز التصرف بأملاك الغير.

ـ ماذا وجدت في شخصية سماحة السيد؟

ـ كان سماحة السيد علامة ومرجعاً كبيراً في الفقه الإسلامي، إضافةً إلى أنه إنسان في الاجتماع وفي علاقاته الإنسانية وأديب وشاعر، وكنت أُطرب عندما أسمع منه بعض الأشعار، وفي المقابل، كنت أسمعه بعض ما حفظت من الزجل اللبناني، لأنني من المتابعين للزجل، طبعاً لا أستطيع أن أدعي أني أنظم الزجل أو الشعر، ولكن كنت من الَّذين حفظوا بعض الزجليات القديمة، وكان سماحة السيد يقدّر لهؤلاء الشعراء الفطرة الصافية والانتماء الوطني والبعد الإنساني في الشعر، ولو تفرّغ سماحة السيد للشعر لكان من الشعراء الكبار بلا شك...

خسرت الأمة قائداً من قادتها ورائداً من روادها، كما أن لبنان خسر مساعداً له على النهوض وتجنب المشاكل الداخليَّة والحروب الأهليَّة

مفكر موسوعي:

ـ تقول في إحدى كتاباتك إنك أدركت بالتّجربة والبرهان أنَّ العلامة المرجع فضل الله(ره) رجل موسوعي. كيف كوَّنت هذه النَّظرة عنه؟

ـ لعلَّ الكثيرين يعرفون أنَّ سماحة السيد فضل الله هو رجل دين مسلم على المذهب الشيعي الجعفري، هو ليس فقط كذلك، إنما هو مفكر في علم الاجتماع، لأنَّه تحدَّث عن أحوال الإنسان بالمطلق وعن أحوال المرأة، وعن قضايا كثيرة تتعلَّق بالشَّباب ومشكلاتهم في هذا العصر، إضافةً إلى أنه تطرَّق إلى الفكر السياسي في شكلٍ أو في آخر عندما تكلَّم عن ولاية الفقيه والشورى وأنظمة الحكم والدولة... وفكرة الدولة هي أساس الفكر السياسي، لا بل هي أساس السياسة بشكلٍ عام.

وعندما يتطرق في موسوعة كبيرة إلى منهجية تفسير القرآن "تفسير من وحي القرآن"، تدركين كم من الوقت انكبّ على إعداد هذه الموسوعة، لم يكن التفسير عنده تفسيراً مباشراً للآية، بل تناول أسباب النزول وتفسير المصطلحات وشرحها، وخصوصاً الصَّعبة منها، وكان يذكر دائماً ما قاله غيره من المفسرين في بعض الآيات التي كانت تؤوَّل أو تواجه إشكاليَّة في الفهم والتَّفسير عند المفسرين.

واهتم سماحته أيضاً بالأدب والفن والشعر، فضلاً عن اهتماماته المتعدّدة في كل جوانب الفكر الإسلامي والفكر الإنساني والفكر السياسي العالمي والفكر الاجتماعي، من العلمانية إلى القوميَّة إلى فكرة المواطنة والوطنيَّة إلى الأصالة والمعاصرة والحداثة وغيرها من الأفكار، فكان فعلاً إنساناً موسوعياً.

التجديد في الفكر الإسلامي:

ـ أين تكمن، في رأيكم، عوامل التجديد في الفكر الإسلامي عند سماحة السيد؟

ـ الفكر الإسلامي عند العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(ره) هو فكر إسلامي متجدّد دائماً، فهو لم يجدد في شأن دون آخر.. لذلك كان المرجع المجدّد والمستنير، وأعتقد أنه يتابع ما بدأه تيار الجامعة الإسلامية في مجال التجديد الفكري والفقهي، وأعني به تيار الإمامين الكبيرين، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومن بعدهما عبد الرحمن الكواكبي، إضافةً إلى عددٍ كبيرٍ من العلماء والمفكرين والفقهاء، وصولاً إلى زمان سماحة السيد، طبعاً مروراً بالمرجع الأكبر في بلاد الشام اللبناني المرحوم السيد محسن الأمين من بلدة شقراء الجنوبية، هو المرجع الأعلى المقلد، وشيخ الأزهر الشَّيخ محمود شلتوت(ره) في مرحلة الستينات الذي كان من المجددين الكبار.

ـ ما الذي تميّز به سماحة السيد فضل الله؟

ـ تميز سماحة السيد بالإحاطة العامة للأمور، فكان موسوعياً في أفكاره، كما تميز بالرغبة في التجديد والانفتاح على العصر، فقد كان يسأل في القضايا الطبية قبل أن يفتي في موضوع طبي، وكان يسأل عالم الاجتماع عن قضايا اجتماعية، كان يسأل عالم السياسة عن قضايا لها علاقة بالسياسة وإدارة الدولة، كان يسأل المتخصصين، لذلك عندما يتحدث عن دور ولي الأمر الذي يقود البلد أو الدولة أو المجتمع، يطلب من هذا الولي أن لا يركن فقط إلى معارفه الخاصة وفكره الخاص، بل أن يستعين بالمتخصصين في مجال الاقتصاد والاجتماع والعلوم كافة، بما فيها العلوم الدقيقة، وصولاً إلى الاكتشافات الحديثة والتكنولوجيا، وقد كانت هذه سمة من سمات هذا الرجل الكبير الذي لم يقف عند حدود التقليد الكلاسيكي أو التقليدي الموروث، بل فتح باباً للتجديد؛ تجديد الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي والحياة العامة للمسلمين في ضوء حقائق العصر.

تجربة ثرة:

ـ شخصياً، كيف استفدت من فكر المرجع فضل الله؟

ـ كلنا أفدنا من فكر سماحة السيد، وكل الَّذين تعرفوا إليه أو ناقشوه أو قرأوا كتبه أو فتاويه، أفادوا منه بلا شك، مسلمين ومسيحيين، لبنانيين وعرباً ومن كل الجنسيات، وأعرف أن عدداً من الأوروبيين الأجانب كانوا يزورونه بشكلٍ مستمر للاستفادة من تجربته وللسؤال عن نصحٍ ما في قضايا اجتماعية وإنسانية، وهذا كُتب ولم يعد سراً على كل حال، لذلك هو مرجع يرجع إليه الناس، سواء من العامة أو من الخاصة، وأقصد بذلك المثقفين أو المتخصصين في مجالات العلوم.

أنا شخصياً أفدت منه أشياء كثيرة، مثلاً عندما تفرغت لكتابة كتاب "العلاقات الدولية في الإسلام" انطلاقاً من اختصاصي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، استفدت من كتبٍ عدة له، وخصوصاً كتاب "الإسلام ومنطق القوة"، فلسفة القوة، قوة الحاكم، قوة الدولة، قوة المجتمع، قوة المسؤول، قوة الطبقة أو الفئة الاجتماعية، أفدت من كل ذلك، وهذا نموذج بسيط، هذا فضلاً عن القضايا السياسية التي كنا نتناقش فيها، أوضاع الدولة في لبنان، أوضاع المجتمع العربي والدول العربية، أوضاع العالم الإسلامي، والأوضاع العالمية العامة، موضوع الإرهاب مثلاً بعد أعمال 11سبتمبر/أيلول 2001 الذي كان مثاراً للنقاش بيننا في عدة مجالات، وأذكر لمن لا يعلم من المشاهدين أنَّ سماحة السيد اتخذ موقفاً حاداً ضد هذه العملية الإرهابية وضد من نفَّذها، حيث وصفها بأنها عمليَّة إرهابيَّة ضد مدنيين أمريكيين وربما غير أمريكيين.

وصايا الانفتاح والوحدة:

ـ ما هي الوصايا التي كان سماحة السيد يلوح بها إليكم في خلال جلساتكم؟

ـ كان يوصي دائماً بالانفتاح والوحدة والعقلانية، ويشدّد على دور العقل وأهمية تحكيمه عند اتخاذ القرار بدلاً من إعمال الغرائز وإثارة العواطف، كما كان يشدّد على صيغة لبنان، أذكر مثلاً عندما تشرفت بزيارته بصحبة صديقنا معالي وزير العدل الدكتور إبراهيم نجار في مكتبه قبل بضعة شهور من غيابه، قال لنا إنَّ لبنان أمانة عندنا، علينا أن نحافظ عليه وأن نحميه، وأن ندافع عن خصوصيته، نحن نقدر المسيحيين ويهمنا الوجود المسيحي في لبنان، فبدونه لا يعود هناك شيء اسمه لبنان.

كان يوصي دائماً بالانفتاح والوحدة والعقلانية، ويشدد على الحذر واليقظة وعدم الانجرار وراء الانقسامات

خسارة وطنية كبرى:

ـ كما نعلم، كان لوقع خبر رحيل سماحة السيد(ره) أثر بالغ عند الأمة الإسلاميَّة جمعاء، وعند غير المسلمين، فيما يتعلَّق بك شخصياً، كيف تلقيت خبر الرحيل؟

ـ لقد خسرت الأمة قائداً من قادتها الكبار ورائداً من روادها في الفكر الإسلامي والإنساني، كما أن لبنان خسر عاملاً كبيراً مساعداً له على النهوض وتجنب المشاكل الداخليَّة والحروب الأهليَّة، وبلا شك كنت أعلم قبل شهور من وفاته، أنَّه مريض وأنه دخل المستشفى عدة مرات، لم أفاجأ بالخبر في حينه، لأنني كنت متابعاً لما يُروى من الأطباء عن حالته الصحيَّة، وخصوصاً منذ شهر شباط، وقد توفي في شهر تموز(ره)، وكنت أدرك أنه حالته الصحية في تراجع، وأنَّ بدنه صار ضعيفاً ونحيلاً وغير قادر على مواجهة أعباء الحياة الماديَّة، ولكنني شعرت بالفراغ أكثر عندما لاحظت هؤلاء القادمين من الصين والهند ومن بلدان بعيدة عن لبنان، للاهتمام بسماحة السيد أثناء التشييع وما بعد التشييع، ولطلب الإمداد من فكره.

مقابلات أخرى لنفس المحاور

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! معركة أحد: عندما يتحوَّل النَّصر إلى هزيمة! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر