اليوم: الخميس17 شوال 1440هـ الموافق: 20 يونيو 2019

السيِّد فضل الله: مقتضى الحياء أن تجتهد المرأة للظّهور كإنسانة

حوار مع:السيد علي فضل الله

حاوره:بتول زين الدين / وكالة أنباء التقريب

تواجه ندى (25 عاماً) أزمة توفيق ما بين الشّخصيّة الإسلاميّة والشّخصيّة الإعلاميّة، فهي الَّتي تخرّجت من كلية الإعلام منذ بضع سنوات، ترى أنَّ هناك تعارضاً كبيراً ما بين الجرأة الَّتي تتطلّبها منها مهنتها كمراسلة لإحدى وسائل الإعلام، والحياء الَّذي فطرت عليه النّساء المسلمات عموماً، وندى الَّتي ترعرعت في البيئة الإسلاميَّة، تستبعد إمكانيَّة التوفيق بين هاتين الصفتين.

بدورها، ترفض سناء (28 عاماً) أن يكون الحياء قد خصّص للمرأة دون الرّجل، مشدّدة على دور التديّن والإيمان في تعزيز هذه الصّفة الممدوحة لدى الجنسين، مستندةً في هذا الحكم إلى حياء الرسول(ص)، إلاّ أنها لا تجد أنَّ ثمة تعارضاً بين الجرأة والحياء، حيث ترى أنَّ لكلِّ منهما مواضعه، فبعض المواقف تتطلَّب الخجل والحياء، وأخرى تتطلّب الجرأة، وخصوصاً لجهة عدم السكوت عن الحقّ أو إبداء الرأي في شيء يمسها.

أمّا حسام (32 عاماً)، فيشجّع على ضرورة أن توازن المرأة ما بين هاتين الصفتين(الحياء والجرأة)، لكنه يرى في المقابل، أنَّ كثرة ثقة المرأة بنفسها وقوّتها قد يضعف من أنوثتها، مشيراً إلى أنَّ الاختلاط في مواطن كثيرة بين الجنسين يولّد ما يُسمى كسر الحواجز.

من هنا، لا بدَّ من طرح التَّساؤلات التّالية: هل تتعارض الجرأة مع الحياء؟ متى يلتقيان ومتى يفترقان؟ وكيف يمكن أن يكون الحياء مكمّلاً للجرأة؟ كذلك، هل يمكن أن تعتبر جرأة المرأة قلَّة حياء؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، أجرت مجلّة "نداء التقريب" حديثاً مع سماحة السيِّد علي فضل الله للإضاءة على هذه الإشكاليّات.

قيم لا تتجزّأ

في البداية، توجَّهنا إلى سماحة السيِّد فضل الله بسؤال يوضح ما إذا كان الحياء امرأة والجرأة رجلاً، فأكّد سماحته "أنَّ القيم في الميزان الإسلامي لا تتجزّأ"، مشيراً إلى أنَّ مجتمعنا اعتاد "تصنيف القيم الأخلاقيَّة والإنسانيَّة وتجزئتها وفقاً لعامل الذكورة والأنوثة، وهذا الأمر حصل بشكلٍ واضحٍ في الحياء"، مبيّناً أنَّ "الحياء والجرأة قيمتان أساسيَّتان يحتاجهما كلّ من الرّجل والمرأة في إدارة نفسه وفي علاقاته مع الآخرين".

ويتابع سماحته: "إذا كان الحياء يفرض معنى من معاني الانكفاء والتنـزّه عن مقاربة المعاصي والمكروهات، فالأمر مطلوب من الرّجل بالقدر نفسه الَّذي يُطلب من المرأة. كذلك، فإذا كانت الجرأة تفرض معنى من معاني الشَّجاعة والإقدام على الدِّفاع عن الحقوق ومواجهة المظالم، فهي أمر مطلوب من المرأة بالقدر نفسه الَّذي يطلب من الرّجل"، لافتاً إلى أنّه "ربّ موقف يتطلَّب جرأة، وربّ مناسبة تفرض الحياء على الجنسين"، مؤكّداً ضرورة وضع الأمور في مواضعها، مستذكراً قول الشّاعر:

ووضع النَّدى في موضع السَّيف بالعلى           مضرٌّ كوضع السَّيف في موضع النَّدى

أخلاقيّة الحياء

أمّا المواضع التي تتطلّب الحياء، فيشدّد السيد فضل الله على أنّ "مقتضى الحياء، أن تجتهد المرأة للظّهور كإنسانة، سواء من حيث اللّباس أو النّظرة أو الكلمة، بحيث لا يتحسَّس الرّجل تلك الأنوثة الَّتي تجتذب غريزته، تماماً كما هو مطلوب من الرّجل، حيث تحرم عليه تلك الأمور الَّتي تهيِّئ لأجواء الإثارة والغواية الّتي تؤدِّي إلى السّقوط في الانحراف والفساد".

وإذ يوضح سماحته "أنَّ الحياء خلقٌ يبعث على تكريم الذّات وعدم الإقدام على ما يسيء إليها أمام الآخرين، وتنزيهها عن ارتكاب المعاصي والأعمال القبيحة"، يؤكّد في الوقت نفسه أنَّ "أكثر ما يتطلَّب من المرأة استحضار هذه القيمة الأخلاقيَّة، هو في ساحات الاختلاط بين الجنسين".

التّوفيق بين الحياء والجرأة:

في هذا الإطار، يؤكّد سماحته أنَّنا "بحاجةٍ إلى جرأة المرأة بقدر ما نحن بحاجةٍ إلى حيائها"، لافتاً إلى أنَّ "ثمة علاقة تفاعل بين المفهومين تتطلَّب منّا إدارة التّوازن بينهما".

ويتحدّث سماحته عن الحياء المذموم لدى المرأة، فيقول: "الانكفاء مثلاً عن الرّجال هو في المبدأ يدخل في معنى الحياء، لكن إذا كان هذا الأمر يمنع المرأة من أن تتفقّه في دينها، أو أن تتخصَّص في العلوم، أو يمنعها من تحصيل أيّ طاقة من طاقات القدرة والعلم والإدارة، فهنا يكون هذا المعنى مذموماً، لأنَّه يلحق الأذى بشخصيَّة المرأة".

ويتابع السيّد فضل الله توضيحه للحياء المذموم: "وكذا الأمر إذا كان ذلك يؤدّي إلى الانكفاء عن اتخاذ المواقف في مواجهة الَّذين يريدون إضعافها أو إذلالها أو سحق شخصيَّتها على المستوى الفرديّ، فالحياء بهذا المعنى مرفوض، وهنا عليها أن تتحلّى بالجرأة الكافية، ليس فقط في مواجهة المظالم الفرديَّة، بل المظالم الاجتماعيَّة، بل كلّ ظلمٍ تتعرّض له، حيث عليها أن تستخدم كلّ طاقاتها للوقوف مع الحقّ ورفض الباطل، ولو اقتضى الأمر في بعض الأحيان مواجهة الظّالمين مواجهةً مباشرة.. ولنا في الزّهراء(ع) وزينب(ع) قدوة في ذلك" .

يبيّن السيد فضل الله الفارق ما بين الجرأة والوقاحة بالقول: "الجرأة قوّة في الموقف والسّلوك لمواجهة الباطل، أو لتصحيح الواقع، أو لرفع مستوى الذّات والمجتمع، والوقاحة واحدة، سواء من الرّجل أو المرأة، وهي مرفوضة شرعاً وقبيحةٌ عقلاً، وهي الحالة الَّتي يتجاوز فيها الإنسان حدود الشّرع والعرف معاً".

وبالنّسبة إلى الفتاة، يتابع سماحته: "إنَّ الموضوع يحمل حساسيَّة إضافيَّة، ولا سيَّما حين تتمادى الفتاة في مواطن المزاح والهزل، لتخرج عن طورها الإنساني ـ الأخلاقي، فتقع أسيرةً لمن في قلوبهم مرض من الطّامحين إلى النّيل من كرامتها الإنسانيّة وأخلاقها، أو تفقد شخصيّتها الَّتي ينبغي أن تحرص عليها كما تحرص على سلامة جسدها وجماله".

موقع الأنوثة:

يلفت سماحة السيّد في هذا السّياق إلى أنَّ "غاية الإسلام في بناء الإنسان هو الشخصيَّة القويَّة المؤثّرة الفاعلة في الأسرة والمجتمع، سواء كان رجلاً أو امرأة"، مشدّداً على "المرأة أن تمثّل مثل هذه الشَّخصيَّة، فتملك عقلاً متبصّراً وإرادةً صلبة، لتحمي نفسها وتؤثّر في مجتمعها توجيهاً وتسديداً وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر".

أمّا في ما يتّصل بالأنوثة، فلا يرى السيّد فضل الله موقعاً لها في حياة المرأة "إلا في الجانب المتَّصل بالعلاقة مع زوجها؛ المرأة أنثى في بيتها، وعليها أن تعبّر عن أنوثتها بأبرز صورها، لكنَّها في الحياة إنسانة تعيش أعلى درجات الإنسانيَّة والحضور والكفاءة".

أهميّة العنوان الإسلاميّ

للتّوفيق ما بين الشخصيَّة الإسلاميَّة وتلك الإعلاميّة، يرى السيّد فضل الله "أنَّ الشخصيَّة الإسلاميَّة هي الأساس، وهي الَّتي من المفترض أن تقود شخصيَّتها الإعلاميَّة"، لافتاً إلى أنَّ "العنوان الإسلاميّ ليس بعائق أمام تطوير هذه الشخصيَّة الإعلاميَّة وإيصالها إلى النَّجاح، لأنَّ المؤهّلات الفكريَّة والروحيَّة والسلوكيَّة هي السَّبيل إلى النَّجاح".

ويوضح أنَّ "العنوان الإسلاميّ للشخصَّية يشكِّل عوناً كبيراً لها في تقوية شخصيّتها الإعلاميَّة، لما يمدّها به من ثقة بالنَّفس واعتزاز بالفكر ومشاعر إنسانيَّة، لكي تساهم إلى جانب الرّجل في خدمة المجتمع على هذا الصَّعيد".

في المقابل، يشدّد سماحته على أنَّ "المحتوى الداخلي للشَّخصيّة هو ما يجب أن نسعى إلى بنائه وتطويره، إضافةً إلى فهم كلّ عناصر العمليَّة الإعلاميَّة للإبداع في هذا المجال الَّذي نحن في أمسّ الحاجة إلى النّجاح فيه، مشيراً إلى أنَّ "ما نراه من نجاح لإعلاميّات استخدموا الشَّكل الخارجيّ للوصول، هو ليس بنجاح إعلاميّ، إنما هو فقاقيع سرعان ما تختفي في ساحة الإعلام المسؤول".

عندما يكون الاختلاط حاجةً للعمل، يرى السيّد فضل الله أنّه "لا ينبغي أن يؤدّي ذلك إلى إضعاف قيمة الحياء في نفس المرأة، ما يتطلّب منها أن تكون واعيةً لتصرّفاتها، تراقب نفسها جيّداً".

وعندما تكون المرأة حاضرةً في الحقل الإعلامي، يتابع سماحته "عليها أن تحرص أكثر على أن تكون نموذجاً للفتاة المسلمة في اللّباس والكلام والأخلاق والتَّعبير، لأنَّ صورتها أمام الآخرين مهمّة، ولا سيَّما أنها في موقع يقتدي به النّاس ويتطلّعون إليه".

حوار :بتول زين الدين/ المصدر: وكالة أنباء التقريب

مقابلات أخرى لنفس المحاور

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر