اليوم: الخميس11 رجب 1444هـ الموافق: 2 فبراير 2023

عقود استخراج الفحم في الهند لمدّة 17 عاماً غير قانونيّة


خبر..

قضت المحكمة العليا في الهند بأنّ كافة تراخيص استخراج الفحم الممنوحة بين العامين 1993 و2010 غير قانونيّة.

وخلال هذه الفترة، منحت الحكومات المتعاقبة حقوق استخراج الفحم لشركات خاصّة وحكوميّة بأسلوب "غير عادل أو شفّاف"، وبدون عطاءات تنافسية، بحسب المحكمة.

ومن المقرّر أن تدرس المحكمة ما إذا كان من الضروريّ إلغاء التصاريح، البالغ عددها 218 تصريحاً.

ويقول مدققو الحسابات الفيدراليون في الهند، إنّ البلد خسر 210 مليارات دولار لأنّ التراخيص بيعت بأسعار زهيدة.

وانتفعت شركات خاصّة وحكومية بالتخصيصات، حسبما ورد في تقرير أصدره المراقب والمراجع المالي العام في العام 2012 بشأن بيع حقول الفحم.

وحينها، اتهم سياسيّون معارضون حكومة حزب المؤتمر بـ"نهب البلد"، من خلال بيع حقول الفحم لشركات بدون عطاءات تنافسيّة.

لكنّ حكم المحكمة العليا يحمل تبعات على غالبيّة الأحزاب السياسية الرئيسة في الهند التي حكمت البلد بين العامين 1993 و2010، ومنها حزب بهاراتيا جاناتا (الشعب الهندي) الذي يقود الحكومة الحاليّة، حسبما يوضح سوتيك بيسواس، مراسل بي بي سي في دلهي.

والهند واحدة من أكبر منتجي الفحم في العالم، وتعتمد عليه لسدّ أكثر من نصف احتياجاتها من الطاقة المستخدمة في المجال التجاري.

وقد أصبح التعدين مصدراً لفساد هائل في الهند، بعدما فتح البلد القطاع أمام الشركات الخاصّة دون تطبيق قواعد تنظيميّة مستقلّة وصارمة، بحسب مراقبين.

وتعليق..

إنّ هذه القضيّة بما تشير إليه من معلومات، تدلّ على ذهنيّة الإفساد في الحياة العامّة، وبوجه خاصّ الحياة الاقتصاديّة والماليّة للنّاس، بما يمثّل جريمة كبرى بحقّ الإنسان والحياة، حيث يسلبهما كلّ أمان واستقرار وتوازن، ويدخلها في بوتقة الفوضى والانحراف والسقوط، ويفتح الباب أمام السارقين والعابثين بالأمن العام للمجتمع. فالإفساد جريمة عامّة بحقّ الإنسانيّة جمعاء، لأنّه ينطلق من ذهنيّة عدم احترام القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، وبما يتعارض مع نظام الحياة الطبيعية التي أمرنا الله باحترامه عبر احترام المال العام، وعدم التفريط بحقوق الناس...

وعن موضوع الفساد، يقول سماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض):

"ونحن نعرف أنّ الفساد المالي هو الذي يهدم الحياة، وهو الذي يؤدي إلى نتائج سلبية على جميع المستويات، وهذا ما نلاحظه الآن في الرأسمالية التي تتحرك من أجل أن تستغل طاقات المستضعفين، لتحاصرها ولتستخدمها في سبيل إنماء ثروات الرأسماليّين أو الدول المستكبرة، حيث تتحرّك الرأسماليّة الحاقدة المجنونة التي تستغرق في ذاتها من أجل إثارة الحروب، حتى تستولي على ثروات الشعوب من جهة، وتمنعها من تفجير طاقاتها من جهة أخرى، وتجعل كلّ الشعوب مدينة لهؤلاء الذين يسمونهم (الثماني الكبار)، والذين أطلقوا (العولمة)، ولا سيّما (العولمة) الاقتصاديّة، التي نجد المستضعفين في الشّرق والغرب يثورون ضدّها، ويتظاهرون أمام مؤتمرات هؤلاء، لأنهم يعتبرونهم يمثّلون الدول الكبرى التي هي أغنى الدول في العالم، والتي تحتكر كلّ الصناعات التي يحتاجها الناس، وتسخّر أيضاً مصانعها في سبيل إثارة الحروب، كما في مصانع السلاح، والصناعات البتروليّة.

إننا الآن نعاني من كلّ هذه الحروب التي يثيرها المستكبرون، الذين تخضع حكوماتهم للشركات الاحتكارية، سواءً كانت شركات السلاح، التي هي بحاجة إلى إثارة الحروب بين الشعوب من أجل استهلاكها للسلاح، أو شركات النفط التي تستغلُّ الحروب من أجل أن تحصل على منابع النفط وتسيطر عليها، في الوقت الذي لا تستفيد الشعوب التي ينبع النفط في أرضها إلا ما يساوي العشرة في المائة، بينما يذهب الباقي بأجمعه إلى شركات البترول الاحتكاريّة.

لذلك، عندما نتطلّع إلى (قارون)، فإنّ علينا أن نتطلّع إلى كلّ القارونيّين الذين قد يتمثّلون في أشخاص هنا، وفي دول هناك، والقرآن الكريم عندما يحدّثنا عن (قارون)، فإنّه يريد منّا أن لا نستغرق فيه كتاريخ، بل أن ننفتح على ذهنيّته، لنعرف الذهنيّات التي تسيطر على كلّ القارونيّين الذين يعاصروننا ويعاصرون كل جيل في كل زمان وفي كل مكان. هذا نوع من أنواع الفساد المالي ..

وهناك نوع من أنواع الإفساد المالي ينطلق في عالم (المعاملات) الّتي يتعامل فيها الناس، وهو ما حدّثنا عنه الله سبحانه وتعالى في نداء النبيّ شعيب (ع) لقومه الّذين كانوا يطففون المكيال والميزان، فكانوا يأخذون تامّاً ويدفعون ناقصاً. قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}(هود/85)، أي لا تحرموهم من حقوقهم، ولا تنقصوهم من أشيائهم، {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، وهذا ما قد نتمثّله في كثير من الناس الذين يلعبون بالمعاملات، ويستغلّون قدراتهم القانونيّة في اللّعب على الفقراء والمستضعفين، في إنقاص حقوقهم هنا وهناك، أو يستغلون أوضاعهم من خلال الوجاهات التي يملكونها، ما يجعلنا نرى الكثير من المستضعفين يسقطون أمام اللّعبة الاقتصاديّة الّتي يتقنها هؤلاء المحتكرون الّذين يلعبون على الناس بطريقة الغشّ، أو بطريقة إنقاص حقوقهم، في الوقت الّذي لا يتنازلون عن حبّة من حقوقهم. وهنا أيضاً لا بدَّ من أن نجعل ما تحدَّث الله سبحانه وتعالى عنه في نموذج قوم شعيب(ع)، نموذجاً لكلّ الناس الّذين يلعبون لعبة المعاملات المغشوشة. وهذا نوع آخر من أنواع الطّغيان والإفساد الماليّ.

ونقرأ أيضاً في القرآن الكريم مسألة (إفساد الطغاة)، الذين يملكون طغيان القدرة السلطوية، وكيف يتحركون من خلال الظروف التي هيّأت لهم هذا النوع من القدرة، أو الذين يملكون القوّة الجسدية، أو القوة المادية، ومن هؤلاء الذين عاشوا في التاريخ وحدّثنا عنهم القرآن الكريم، قوم عاد: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}(الفجر/6)، هذه المدينة الضخمة، {إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ}(الفجر/7-8)، في تلك الأزمنة، {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}(الفجر/ 9)، كانوا يقتلعون الصّخور من الجبال ويستخدمونها في القلاع الّتي يبنونها، {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}(الآيات/10-14).

إنّ الله سبحانه وتعالى يقدّم لنا هؤلاء الطغاة بعنوان أنهم طغوا في البلاد، يعني تجاوزوا حدود الإنسانية وحدود المسؤولية في حياتهم، فكانوا الطغاة الذين يبغون في الأرض بغير حقّ، فأفسدوا حياة الناس بكلّ ألاعيبهم وبكلّ وسائلهم وبكلّ أوضاع حكمهم، وذلك عندما يقتلون الناس بغير حقّ، وينهبون أموالهم بغير حقّ، ويستغلونهم، ويستخدمونهم بغير حقّ، ويعبثون بمصائرهم بغير حقّ.. هؤلاء الطّغاة يتحدّث عنهم القرآن الكريم كما يتحدّث كتاب التاريخ، لا لنستغرق في التاريخ، بل ليعرض نماذج للإفساد والطغيان، لنقارن بين ذلك التّاريخ وبين الواقع الذي نعيشه، ليكون القرآن الكريم نوراً نستضيء به. فالله سبحانه وتعالى يريد أنْ يحدّثنا عن الماضي لنستفيد منه في الحاضر وفي المستقبل، وهذا هو معنى تدبّر القرآن الكريم.. أن نجعل القرآن الكريم يتحرّك في الحياة، كما تتحرّك القضايا التي تحكم حياتنا... أن لا نقرأه ككتاب تاريخيّ، ولكن أن نقرأه كمفاهيم وكمبادئ وكنماذج نعيشها في حياتنا ونأخذ العبرة منها هنا وهناك... وبهذا يمكننا الاستفادة من هذه النظرة القرآنيّة التي تتحدّث بسلبيّة عن هؤلاء الطغاة، لنعرف كيف نواجه الطّغاة الذين يعيشون في زماننا، لنعلم أنّ الله سبحانه وتعالى يغضب عليهم، ويمكن أن يعذّبهم ويسقطهم في الدّنيا، وعلينا أن لا نعاونهم، ولا نساعدهم، ولا نكون الجهة الّتي يمكن أن يكبروا بها، أو أن يطغوا من خلالها. يعني أن نعقد عقولنا وقلوبنا على رفض الطغيان، كيفما تمثّل، سواء كان طغيان قوّة بدنيّة، أو قوّة عسكريّة، أو قوّة اقتصاديّة، أو ما إلى ذلك...".[المصدر: فكر وثقافة، العدد 353، العام 2004].

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر