اليوم: الثلاثاء6 محرم 1439هـ الموافق: 26 سبتمبر 2017
Languages عربي
مستوطنون يواصلون تجريف أراضٍ فلسطينية شرق نابلس الاحتلال يتسبب بعجز قيمته 3.5 مليار دولار في الاقتصاد الفلسطيني سنوياً الاحتلال يصدر أوامر اعتقال إداري بحق 50 أسيراً فلسطينياً هآرتس: 2000 وحدة استيطانية جديدة في الضفة المحتلة 53 مسجداً وكنيسة حرقها الكيان الصهيوني وخربها منذ 2009 124 يوماً من الإقامة الجبرية على آية الله عيسى قاسم التايمز: العثور على مدينة الإسكندر الأكبر المفقودة شمالي العراق المالكي: استفتاء كردستان هو إعلان حرب على وحدة الشعب العراقي سلطات إيران أغلقت حدودها البرية مع إقليم كردستان العراق ترحيل أكثر من 64 ألف باكستاني خلال العام 2017 من السعودية الصحة العالمية تعلن ارتفاع عدد وفيات الكوليرا في اليمن إلى 2110 صحيفة: الدوحة تضغط على حماس لموقف من الرياض بنغلادش تحظر بيع شرائح الهواتف المحمولة للروهينغا منظمة الصحة العالمية تحذر من انتشار الكوليرا في مخيمات الروهينغا عمدة لندن يطالب برفض استقبال ترامب وإلغاء زيارته الغارديان: استطلاع يكشف درجة عالية من عدائية البريطانيين إزاء العرب تعرض مسجد في بريمن الألمانية لاعتداء أستراليا تعتزم إنشاء وكالة فضاء خاصة بها ارتفاع أعداد النازحين تحسباً لثوران بركان بالي في إندونيسيا إلى 50 ألف شخص علماء يتلاعبون بطبيعة النباتات ويصنعون قُطناً يضيء في الظلام الألزهايمر ثاني أكثر الأمراض إثارة للرعب بين الفرنسيين دراسة حديثة: قلة نوم الإنسان تعرضه للإصابة بأمراض قاتلة إحياء اللّيلتين الثّالثة والرّابعة في الحسنين(ع) المندائيّون يقيمون موكباً حسينيّاً وسط البصرة المبرّات تطلق دورة المربّي خضر دبّوس للرّعاية الفضلى الحسين(ع) ثار من أجل تطبيق الإسلام منبر الجمعة: 2 محرّم 1439هـ/ الموافق: 22 أيلول 2017م نريد عاشوراء فرصةً للوحدة بين المسلمين الهجرة النَّبويَّة في معانيها ودلالاتها البرلمان الهولّندي يفتتح جلساته بتلاوة آيات من القرآن الكريم عداء متصاعد ضدّ مسلمي سويسرا هل كربلاء أفضل من الكعبة المشرَّفة؟! قناة الإيمان الفضائيَّة تفوز في مهرجان الغدير الدَّوليّ
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
في رحاب العشر الأواخر من شهر رمضان
التاريخ:
١٦/٦/٢٠١٧
/
21 رمضان 1438هـ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى: {حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ* رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. صدق الله العظيم.

فضل إحياء العشر الأواخر

نحن اليوم في الحادي والعشرين من شهر رمضان، وهذا اليوم هو بداية دخولنا في رحاب الأيّام العشر الأواخر من هذا الشَّهر المبارك، الأيام التي ورد التّأكيد في الأحاديث على إحيائها والاستزادة فيها من العبادة، بالدّعاء والاستغفار وقراءة القرآن والذّكر، وكلّ ما دعينا إليه في شهر رمضان، نتأسّى في ذلك برسول الله(ص)، فقد كان(ص) يجتهد في العشر الأواخر بما لا يجتهد في غيرها، اعتكافاً ودعاءً وقياماً.

وهذا التأكّيد على إحياء العشر الأواخر، يستجيب لتطلّعات الصّائم في الارتقاء بعبادته وأعماله، ليعزّز القيمة الروحية في نفسه، بحيث يكون عمله في نهاية الشَّهر أرقى منه في بداياته. ولذلك نقرأ في الدّعاء: "اللّهمّ اجعل مستقبل أمري خيراً من ماضيه، وخير أعمالي خواتيمها"، فضلاً عن أننا غالباً ما تفترّ همتنا في نهايات أيّ عمل، وهذا ما نلحظه في أواخر أيام شهر رمضان، ما يتطلّب العمل للتعويض عن أيّ تقصير قد حصل منا، حتى لا ينتهي هذا الشّهر وقد حرمنا فيه من بركاته وعطاءاته، وأهمها، ما وعد الله به الصّائمين القائمين من العتق من النّار والفوز بالجنّة.

 ولذلك، نقرأ في الدّعاء الوارد في العشر الأواخر من شهر رمضان: "أَللّـهُمَّ وَهذِهِ أَيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ قَدِ انْقَضَتْ، وَلَياليهِ قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَقَدْ صِرْتُ يا اِلـهي مِنْهُ إِلى ما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي، وَأَحْصى لِعَدَدِهِ مِنَ الْخَلْقِ أَجْمَعينَ. أَللّـهُمَّ إِنْ كُنْتَ رَضَيْتَ عَني في هذَا الشَّهْرِ فَاْزدَدْ عَنّي رِضاً، وَاِنْ لَمْ تَكُن رَضَيْتَ عنِّي فَمِنَ الآنَ فَارْضَ عَنّي يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ."... "أَللّـهُمَّ أَدِّ عَنّا حَقَّ ما مَضى مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ، وَاغْفِرْ لَنا تَقْصيرَنا فيهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنّا مَقْبُولاً، وَلا تُؤاخِذْنا بإِسْرافِنا عَلى أَنْفُسِنا، وَاجْعَلْنا مِنَ الْمَرْحُومينَ، وَلا تَجْعَلْنا مِنَ الْمحْرُومينَ".

وما يزيد من شرف العشر الأواخر وتألّقها وتميّزها، هو احتضانها لليلة هي ليست كبقيّة اللّيالي، وقد أبان الله عظيم فضلها وشرفها وكرامتها، عندما أنزل فيها قرآناً: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.

فبركة هذه اللّيلة، تعود إلى الأجواء الروحية والإيمانية التي تظلّلها، ولما يغدقه الله فيها من عطاءات مما لا يغدقه في أيّ ليلة من الليالي. ففي هذه اللّيلة، نزل القرآن على قلب رسول الله(ص)، أو كان بداية تنزّله عليه، ليكون للناس هدى ونوراً وبشرى وشفاءً لما في الصّدور، ومنحةً لهم من ربهم، وهذه الليلة هي عند الله خير من ألف شهر، أي أنّ العمل الذي يحصل فيها يوازي العمل في ألف شهر.

وهذا مظهر إضافيّ لكرم الله الذي عوّد عليه عباده، وبركة ليس بعدها بركة، لا يحرم من خيرها إلا كلّ محروم، ولا يوفَّق إليها إلا كلّ مسعود.

وهي الليلة التي تنزل فيها الملائكة، ومعهم الروح الذي فسِّر بأنه جبريل، أو ملك هو أعظم من جبريل، إلى السَّماء الدنيا، حتى تضيق الأرض بهم، وهم عندما ينزلون، فإنّهم يحملون للعباد رحمةً ورضواناً من خالقهم، ويفيضون على الأرض سلاماً وطمأنينةً تمتدّ حتى مطلع الفجر.

أيّ ليلةٍ هي ليلة القدر؟!

وكما تعلمون، تعدَّدت الروايات والترجيحات في ميقات هذه اللّيلة من ليالي شهر رمضان وتاريخها، ولعلّ في هذا الاختلاف حكمة وغاية، ألا وهي دفع المؤمنين وترغيبهم في إحياء كلّ هذه اللّيالي العشر، حتى لا يفوتهم خيرها وبركاتها الّتي لا تحصى. وهذا ما ندعو إليه؛ أن نحيي كلّ ليلة من الليالي العشر، وحتى كلّ نهاراتها، بما أمكن من العبادة. وهذا لا يعني أن نقضي كلّ الوقت، بل أن نقضي بعضاً من الوقت، لعلّه بذلك تصفو أرواحنا وتسمو نفوسنا. وهنا لا بدّ من عدم الاستغراق في الطقوسية الشّكلية التي تحكم غالب عباداتنا لحساب العبادة التي تعيش العمق الرّوحي بما يحقّق غايتها.

لكنَّ هذا لا يعني أن ليس هناك ترجيح لواحدة من اللّيالي، وقد ورد الترجيح أنها ليلة الثّالث والعشرين، بحسب ما عليه عموم علماء الشّيعة، لما ورد عن أحد أصحاب رسول الله(ص)، عندما جاء إلى رسول الله(ص) في بداية شهر رمضان، وقال له: إني لا أقدر أن آتي كلّ ليلة لإحياء ليلة القدر، لكون المسلمين كانوا يحيونها في العشر الأواخر التماساً لها. فمرني بليلة واحدة آتي بها أطمئنّ أنها ليلة القدر، فأشار إلى ليلة الثّالث والعشرين، فيما علماء السنّة رجّحوا أنها في ليلة السابع والعشرين، لاختلاف روايات الترجيح لديهم.

ولا يعني هذا بالنّسبة إلينا فتور الهمّة في بقية اللّيالي، بل لا بدَّ من أن نبقي الهمّة كما في هذه الليلة، لأنّ من يطلب نتائج ليلة القدر، لا بدَّ من أن يأخذ كلّ الاحتمالات.

سبب تسميتها ليلة القدر

أمّا عن المغزى من تسمية هذه اللّيلة بليلة القدر، وهل توحي هذه التّسمية بشيءٍ ما يتعلق بهذه الليلة؟

فقد اختلفت التأويلات في ذلك، فهناك من أشار إلى أنها سميت بليلة القدر لعظيم قدرها وشرفها، أو لما يحظى به المحيون لهذه اللّيلة من البركات والخيرات والعطاءات التي تفوق تصوّر الإنسان.

وهناك من لفت إلى أنّ القدر يأتي بمعنى الضيق، والدّليل على ذلك قوله سبحانه: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}، لذا سميت ليلة القدر، لكونها تضيق بالملائكة لكثرة عددهم...

قد يكون هناك بعض الصحة في كلّ هذه المعاني، لكنّ الأقرب إلى المعنى المقصود، أنّ القدر هنا بمعنى التقدير، أي أنّ الله سبحانه يقدِّر في هذه الليلة للعباد مقدّراتهم لسنة كاملة، سواء في أرزاقهم أو آجالهم، أو ما يحصلون عليه، ويؤيّد ذلك قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}.

وبناءً على ذلك، هي ليلة مصيريّة بالنّسبة إلينا، فما أدرانا إن كان الله يمدّ في أعمارنا لنشهد غيرها، وهي ليلة عظيمة، ليس فقط بمدى الثّواب الذي ينتظرنا بإحيائها حقّ الإحياء، بل بما يقرَّر في هذه اللّيلة من مقدَّرات أمورنا. لكن كلّ هذه العطاءات والبركات والكرامة وهذا الصبر، مشروط بنا، بمدى حضورنا واستجابتنا لدعوته إلينا بإحياء هذه اللّيلة، وبمدى إقبالنا على الله فيها. فحتى نحظى بكلّ ذلك، لا بدَّ من أن نسجّل حضورنا في كتاب الحاضرين، أن لا نشغل عن ذلك بأيّ شاغل من أمور الدنيا، وأن نقبل على الله فيها بقلوب قد طهرت وخلت من كلّ حقد وبغضاء وشكّ، قلوب امتلأت ثقةً بربّها وبعطاءاته، وبألسنة نظيفة قد تطهّرت من الغيبة والنميمة والكذب أو الكلام البذيء، وأن نقبل عليه بعقل واع. فالله لا يقبل ذلك إلا عن وعي ودراية، وهو لا يستجيب لدعاء أو ذكر إلّا من قلوب واعية، قلوب طاهرة، وألسنة نظيفة لا تنطق إلا بالخير. وإلى هذا أشار الحديث: "إنّ الله لا يستجيب دعاءً من قلب لاه وساه، فإذا دعوت الله، فأقبل بقلبك، ثم استيقن الإجابة".

وقد ورد في ذلك، أنّ رجلاً من بني إسرائيل راح يدعو الله أن يرزقه غلاماً، وبقي على ذلك ثلاث سنين، ولما رأى أنَّ الله لا يجيبه، توجّه إليه قائلاً: "يا ربّ، أبعيدٌ أنا منك فلا تسمعني، أم قريب أنت مني فلا تجيبني؟! فأتاه هاتف في منامه: إنّك تدعو الله منذ ثلاث سنين بلسانٍ بذيء، وقلب عاتٍ غير تقيّ، ونيّةٍ غير صادقة، فأقلع عن بذائك، وليتَّق اللّه قلبُك، ولتحسن نيّتك. ففعل الرّجل ذلك، واستجاب الله له دعاءه".

مظاهر قبول الأعمال

وأبرز مظهرٍ لقبول أعمالنا واستجابة دعائنا من هذه اللَّيلة المباركة، أيّها الأحبَّة، هو ببساطة أن نرى أنفسنا قد تغيّرنا بعد هذا اليوم، أن نرى أنفسنا وقد صرنا أكثر قرباً من الله، وأكثر حبّاً له، وأكثر مسؤوليَّةً تجاهه، وبالتالي، أكثر إنسانيّةً، وأكرم أخلاقاً، وأحسن عملاً. وهذا هو ما أريد منّا عندما دعينا إلى أن نقرأ في هذه اللّيلة القرآن والأدعية والأذكار، وأن نرى أنّنا صدّقنا وعدنا مع الله، عندما قلنا له في دعاء التّوبة: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ فِي مَقامِي هَذَا مِنْ كَبائِرِ ذُنُوبِي وَصَغائِرِها، وَبَواطِنِ سَيِّئاتِي وَظَواهِرِها، وَسَوالِفِ زَلّاتِي وَحَوادِثِها، تَوْبَةَ مَنْ لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةٍ، وَلا يُضْمِرُ أَنْ يَعُودَ فِي خَطِيئَةٍ"، وأن نرى أنفسنا قد تمثّلنا الأخلاق التي دعونا الله في دعاء مكارم الأخلاق أن ينعم علينا بها: "وسدِّدني لأن أُعارض من غشَّني بالنُّصح، وأُجزيَ من هجرني بالبرِّ، وأُثيبَ من حرمني بالبذل، وأُكافئَ من قطعني بالصِّلة، وأُخالف من اغتابني إلى حسنِ الذِّكر، وأن أشكر الحسنة وأُغضيَ عن السَّيِّئة"، وأن نرى أنّنا بتنا أكثر التزاماً بالمضامين التي تضمّنتها السّور التي نقرأها في هذه اللّيلة؛ العنكبوت والرّوم والدّخان. وبدون ذلك، لن ننال النتائج المباركة الّتي نرجوها في هذه الليلة.

فلنقبل على ما تبقَّى من ليال، ولا سيَّما ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، بكلّ قلوبنا وجوارحنا، ولنتحضَّر لها، لعلَّنا نكون من المقبولين والمحظيّين عند الله.

هي فرصة ثمينة لا يفوِّتها الواعون، فلنصبِّر أنفسنا عليها، حتّى نحظى بما قاله عليّ(ع): "صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً، أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً".

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصيَّة أمير المؤمنين، الَّتي آثر أن يودعها أهل بيته وأصحابه قبل أن يغادر الدنيا. والوصيَّة يضع فيها الموصي الأمور التي تهمّه وتشغل باله، ويخشى أن تضيع ولا يعمل بها. فأيّ الأمور هي الَّتي كانت تشغل بال أمير المؤمنين وهو على فراش الموت؟!

لقد توجّه (ع) في البداية إلى ولديه الحسن والحسين(ع)، فقال:

"أوصيكما وجميع ولدي وأهل بيتي، ومن بلغهم كتابي هذا من المؤمنين، بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت رسول الله(ص) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصّلاة والصّيام.

الله الله في الأيتام، لا تغبّوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم. والله والله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظنّنا أنه سيورثهم. والله الله في القرآن، فلا يسبقنّكم إلى العمل به غيركم. والله الله في الصلاة، فإنها عماد دينكم. والله الله في بيت ربّكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم. ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولى الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم. وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق والحسد".

ثم يقول: "لا ألفينَّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إن أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثّلوا بالرّجل، فإني سمعت رسول الله(ص) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور".

هذه هي وصيّة أمير المؤمنين لنا، فلنستوصِ بها. والالتزام بها يؤكّد حقيقة حبّنا له(ع)، فهو لن يكتفي منا بمشاعرنا وعواطفنا، بل يريد العمل والسّلوك أيضاً.

وكما قال الإمام الباقر(ع): "أيكفي الرجل أن يقول أحبّ عليّاً وأتولّاه، ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إياه شيئاً، فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه، أتقاهم وأعملهم بطاعته". ولذلك، علينا أن نتّقي الله لما عنده. ومتى فعلنا ذلك، سنكون أكثر وعياً وقدرةً على مواجهة التحدّيات!

لبنان: قانون انتخابيّ على المقاس!

والبداية من القانون الانتخابيّ، الَّذي أبصر النور بعد طول تسويف من القوى السياسيَّة. فقد كان من الممكن أن يتمّ الاتفاق عليه قبل هذا الوقت بكثير، ما يوفّر على اللبنانيين تداعيات الانتظار على كلّ الصعد، حيث تأكدت الحقيقة التي كنا نقولها، بأن لا حلّ في لبنان إلا بالتوافق، ولكن مع الأسف، هو التوافق على الحصص، بعدما أتقنت أغلب القوى السياسيّة التعامل مع اللبنانيين على قاعدة اللعب على حافة الهاوية، حتى يسهل عليها تمرير ما تريد تمريره، بحيث يصبح أيّ حلٍّ، حتى لو كان أسوأ الحلول، مطلباً للبنانيين.

لقد أصبح واضحاً أنَّ هذا القانون ما كان ليبتّ لولا ثقة القوى السياسية بأنّه لن يخسّرها مواقعها، وهي إن خسرت في موقع، فستربح في موقع آخر، فالقانون لم يكن لسواد عيون اللّبنانيين، أو لسواد عيون الطوائف، بل لسواد عيون هذه القوى، وتضخيماً لمواقعها، لكن هذا لا يعني أن لا إيجابيَّة فيه، بعدما دفن القانون الأكثريّ الَّذي حكم لبنان منذ عشرينيات القرن الماضي، والذي حال دون تمثيل حقيقي للبنانيين، وأدخل لبنان في عصر النّسبية التي لطالما دعونا إليها. ولكنَّنا في الوقت نفسه، نسجّل شوائب عدة عليه، في تقسيمه للدوائر بطريقة راعى فيها الاعتبارات الطائفية والمذهبية التي تؤمّن مصلحة القوى السياسية، وكرّس ما أفرزته الحروب والصّراعات اللبنانيّة، فهو لم يخضع لمعايير واحدة، أو يتقدَّم خطوة كنا ننتظرها في اتجاه الوطن الجامع، وهذا يجعل لبنان في مهبّ الصراعات التي تلفّ المنطقة، والتي تأخذ طابعاً طائفياً ومذهبياً، ويبقي لبنان شركة طوائف، بدلاً من أن يكون وطناً ينصهر فيه الجميع.

ومن هنا، فإنَّنا ندعو كلّ القوى الحريصة على هذا البلد، أن لا تتوقَّف عن التأسيس على إيجابيات هذا القانون، وأن تستمرّ في العمل لإزالة كلّ الشوائب فيه، لتخرج بقانون يعتمد على النّسبية الصّحيحة لا المشوّهة، بعيداً من كل الاعتبارات الطائفية والمصالح السياسيّة الضيّقة، وأن لا تخلد إلى ما يقال من أنَّ طبيعة الواقع اللبناني الطائفي تفرض مثل هذا القانون.

أزمة الخليج: رفض الحصار!

وننتقل إلى الأزمة المستمرة بين قطر وبعض دول الخليج، الَّتي ساهمت وتساهم في مزيدٍ من التشظّي والانقسام في العالم العربيّ والإسلاميّ، وهي ـ بالطبع ـ ستؤدّي إلى تدخّل متزايد للدّول الكبرى في المنطقة، لتعزيز إطباقها على دول الخليج، وللمزيد من الابتزاز المالي وصفقات السّلاح. كما رأينا ذلك مؤخَّراً، وبكلّ وضوح.

ونحن أمام ما يجري، ندعو إلى الإسراع في إيجاد حلول تنهي هذا الشّقاق، وتصوّب مسار هذه الدول التي طغت على دورها سياسات خاطئة في هذه القضية وغيرها من قضايا المنطقة، كما ندعو إلى إيقاف الحصار الَّذي يتناقض مع القيم الإسلاميَّة والإنسانيَّة. وهو ما نرفضه في كلّ الحروب والأزمات السياسيّة، فلا يوجد مبرّر للضغط على سياسات الدول، من خلال الضّغط على لقمة عيش شعوبها والناس الذين قد لا يكون لهم دور في أيّ من السياسات القائمة حولهم.

لوقف الجرائم في لبنان!

وأخيراً، لا بدَّ لنا في ظلِّ تزايد حجم الجريمة في لبنان، مع ما لها من آثار في أمن المواطنين وحياتهم واستقرارهم، من العمل الجادّ على الصعد التربوية والأخلاقية والدينية، وعلى المستوى الأمنيّ، بتنظيم رخص السّلاح، للوقاية من هذه الجرائم.

ولا بدّ أيضاً من أن يواكب ذلك قضاء فاعل ومستقلّ، يحكم بكلّ العقوبات الرادعة والحاسمة، التي لا تخضع للتسويات وللمداخلات، بل تجعل المجرم يحسب ألف حساب قبل أن يقدم على جريمته. {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}.

ولذلك، فإنَّنا نقف مع تحرّك الأهالي الَّذين اكتووا بنار هذه الجرائم، وفُجعوا بأولادهم وأقاربهم، وندعو إلى الوقوف معهم، حتى لا نكون أمام جرائم جديدة، أصبحت تجري، مع الأسف، بكلّ برودة أعصاب، وعلى الهواء مباشرة.

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
كتاب معلم الشيعة الشيخ المفيد"
مسؤوليّتنا في غياب المهديّ والتّعاطي مع الزّمن
الدّين عقيدة وشريعة وأخلاق
زيارة عاشوراء في الميزان

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر