اليوم: الأحد4 محرم 1439هـ الموافق: 24 سبتمبر 2017
Languages عربي
وفاة محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق للإخوان غزة: الجهاد الإسلامي وحماس ينعيان عاكف ويشيدان بدوره في الدفاع عن القضية الفلسطينية رفع الأعلام الإسرائيلية خلال تجمع ضخم لأكراد العراق في أربيل العفو الدولية: قنابل أمريكية تستهدف مدنيين في اليمن الحوثيون ينشرون شريط فيديو لجنديين سعوديين وقعا في الأسر رئيس الصليب الأحمر: الكوليرا تهدد حياة أكثر من نصف مليون شخص في اليمن إيقاف الداعية السعودي سعد الحجري بعد وصفه المرأة بأنها بربع عقل العبادي يؤكد موقف العراق الثابت من رفض استفتاء إقليم كردستان لعدم دستوريته تركيا: استفتاء كردستان العراق غير قانوني ومرفوض ويعد خطأ جسيماً الجزائر تدرج الصيرفة الإسلامية في 6 بنوك حكومية بحلول العام المقبل إيران تعلن إجراء تجربة ناجحة لصاروخ خرمشهر الديلي تلغراف: ميركل تتجه إلى فوز كبير في الإنتخابات الألمانية بسبب اللاجئين الشرطة الكولومبية تصادر 7 أطنان كوكايين من مزرعة موز البرازيل: ارتفاع حالات الانتحار و9500 حريق في شهر واحد أستاذ أعصاب: 700 مليون شخص يصابون بنوبات صرع و9 آلاف حالة جديدة كل يوم دراسة: الإفراط في تناول المكسرات والخضروات يعزز التهاب أغشية القلب دراسة: التعرض لأشعة إكس في الصغر يزيد خطورة الإصابة بالسرطان في الكبر المبرّات تطلق دورة المربّي خضر دبّوس للرّعاية الفضلى الحسين(ع) ثار من أجل تطبيق الإسلام منبر الجمعة: 2 محرّم 1439هـ/ الموافق: 22 أيلول 2017م نريد عاشوراء فرصةً للوحدة بين المسلمين الهجرة النَّبويَّة في معانيها ودلالاتها البرلمان الهولّندي يفتتح جلساته بتلاوة آيات من القرآن الكريم عداء متصاعد ضدّ مسلمي سويسرا هل كربلاء أفضل من الكعبة المشرَّفة؟! قناة الإيمان الفضائيَّة تفوز في مهرجان الغدير الدَّوليّ فضل الله: نطمح لوطن الكفاءة والقيم مؤسسّسات المرجع فضل الله تقيم مجالس عزاء حسينيّة
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
فريضة الحجّ في أبعادها ومعانيها
التاريخ:
١٨/٨/٢٠١٧
/
26 ذو القعدة 1438هـ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ*فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. صدق الله العظيم.

نداء إبراهيم(ع) بالحجّ

عندما أتى النّداء من الله إلى نبيّه إبراهيم(ع)، بعدما انتهى من رفع قواعد البيت مع ولده إسماعيل(ع): {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}، سأل إبراهيم(ع) ربّه: كيف ذلك وصوتي لا يصل إليهم؟ قال تعالى: عليك النّداء، وعليّ البلاغ.

وتذكر الرّواية أنّ إبراهيم(ع) وقف على جبل الصّفا، وقال بأعلى صوته: "أيّها النّاس، قد اتّخذ الله لكم بيتاً فحجّوا إليه". وانتشر النّداء في الأرجاء. ومنذ ذلك الوقت، والنّاس يفدون برغبة وشوق وحنين إلى البيت زرافات ووحداناً، لا يمنعهم عن ذلك مشاق الطّريق وبُعد السّفر، ولا حرارة مناخ، ولا أرض جرداء قاحلة.

 لقد أودع الله في النفوس جاذبيّة إلى هذا البيت. وقد أخبرنا الله سبحانه عن ذلك، عندما سمّى مركز البيت، وهو مكّة، أمّ القرى، كما قال لرسوله(ص): {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}، فمكّة بمثابة الأمّ التي ينجذب إليها أولادها وتحتضنهم.

وقال تعالى في آية أخرى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}. فالبيت هو مثابة، أي المكان الذي يرتاح إليه الإنسان ويطمئنّ فيه، ولذا هو دائم التردّد إليه. وهذا فعلاً ما يشعره كلّ راغب بالحجّ، إذ نجد الناس يحجّون إلى بيت الله، رغم معرفتهم بالمشقّات والصّعوبات والأخطار، كما شهدنا في العام المنصرم، بل ويمنّون النفس بالحجّ في كلّ عام لو سنحت لهم الفرصة والظّروف. ويكفي للدّلالة على ذلك، جموع المنتظرين لأداء هذه الفريضة.

مكانة البيت وأهميّته

وهذا البيت ــ كما هو مرجَّح ــ قديم قدم البشر على وجه البسيطة، فهو وجد مع وجود آدم، وقد أشار أمير المؤمنين(ع) إلى ذلك، وإلى الحكمة من وجوده في تلك البقاع القفرة: "ألا ترون أنَّ الله اختبر الأوَّلين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم، بأحجار ما تضرّ ولا تنفع، ثم أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه؟!". فآدم إذاً هو أوَّل من بنى البيت الحرام، أمّا دور إبراهيم(ع) وإسماعيل(ع)، فهو أنهما رفعا قواعد هذا البيت، بعدما تهدَّم بفعل عوامل طبيعيّة أو بفعل طوفان نوح.

فقد شاء الله سبحانه وتعالى لهذا البيت أن يكون أوّل بيت وضع للناس للعبادة، وإلى ذلك أشار سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}. ورمزيّته أنه المكان الذي يتوحّد عليه المسلمون، فهو وجهتهم في صلواتهم حيثما كانوا، وعنده يلتقون عندما يفدون إليه من شتّى بقاع الأرض للطّواف والصّلاة والذّكر والدّعاء والاستغفار. وهذا البيت له ميزة، وهي أنه كثير البركات التي تغمر كلّ الذين يفدون إليه؛ الطّائفين والمصلّين والناظرين إليه واللائذين به.

فقد ورد في الحديث: "إنَّ لله في كلّ يوم وليلة عشرين ومائة رحمة تنزل على هذا البيت؛ فستّون للطائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للنّاظرين إليها"، أي إلى الكعبة.

وورد في الحديث: "من قصد هذا البيت حاجّاً أو معتمراً، رجع طاهر الذّنوب كيوم ولدته اُمّه".

وورد في ثواب الصّلاة في هذا البيت، أنها تعادل مئه صلاة.

وهو المكان الّذي يستجاب فيه الدّعاء والاستغفار، حيث يكون الإنسان فيه أقرب إلى ربّه.

وميزة أخرى أضافها الله إلى هذا البيت، وهي أنّه جعله حرماً آمناً، بعد أن استجاب لدعوة النّبيّ إبراهيم(ع): {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً}، وتجلّى ذلك في حماية الله لهذا البيت وحفظه من كلّ طاغية، وهو ما حصل لأبرهة عندما جاء إلى هذا البيت بجيش جرّار قاصداً هدمه، ليوجّه النَّاس إلى غيره، فأرسل الله على جيشه طيراً أبابيل، رمتهم بحجارة من سجِّيل، فأهلكتهم.

كما تجلّى هذا الأمان، في أنَّ من يدخل إلى البيت، ينعم بالسّلام والأمن بموجب التّشريعات الإلهيّة التي أكّدت أنّه لا يجوز التعرّض لأحد في هذا البيت بسوء. وإلى ذلك أشار الله سبحانه: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً}.

من مظاهر عبادة الحجّ

وما زاد من قيمة هذا البيت، أن جعل الله بعض مواقعه ساحةً لاستدرار الرحمة الإلهيّة؛ كالحجر الأسود، ومقام إبراهيم، والحطيم تحت مزراب الرّحمة، حيث تتحطّم الذّنوب. وتميّزت الفريضة فيه أنها جامعة الفرائض، إذ إنَّ فريضة الحجّ تجمع الصَّلاة والصَّوم والدّعاء والذّكر وبذل المال والتّضحية، وقد فرضها الله على كلّ مستطيع، واعتبر تركها كفراً وإخلالاً بإيمانه، وأنَّ من تركها مستطيعاً "مات على غير دين الله"، حسبما جاء عن رسول الله(ص).

ولقد تميَّزت هذه العبادة بسعة معانيها وآفاقها، فهي عبادة تربطك بالتّاريخ، حيث تعيش فيه آفاق الرّسالات السماويّة، فتستحضر منها في ذاكرتك آفاق النبيّ إبراهيم(ع) ومنطلقاته وتطلّعاته، عندما كان يرفع قواعد البيت، كما يقول الله سبحانه: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. ثم يتوجّه إليه وهو يفكّر في مستقبل الدّين الذي حمله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

وتستحضر أيضاً في رحاب هذه الأرض الطّاهرة، تاريخ رسول الله(ص) في كلّ الأمكنة والمحطّات التي عاشها، والحروب التي خاضها، لتأخذ من ذلك زاداً في الرّوح والقوّة والعزّة، ولتؤكّد عبوديتك لله وحده، عندما تعلن الولاء له لا لسواه، وتقول: "لبّيك اللّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك"، وأنت تلبس ثياباً لا تستسيغها، وتصوم عن الشّهوات، وعندما تطوف حوله، وتؤكّد أنك لن تطوف حول غيره، ولن تسعى إلا إليه، وأنك ستقف حيث يريدك أن تقف، وتبيت حيث يريدك أن تبيت، حتى لو كان على حسابك، وأنّك ستضحّي من أجله، ولن تهادن شيطان نفسك، ولا شياطين الإنس من حولك.

ومن مظاهر العبادة في هذا الموقع، أنها ملتقى المسلمين، ومكان اجتماعهم الأعظم؛ يتعارفون فيه ويتواصلون ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، ويتبادلون الرأي حول قضاياهم العامَّة. لكن تبقى الفائدة الأهمّ، والتي يلتقي عليها المسلمون، أن يستثمروا هذا المشهد المهيب، حين ترى المسلمين يطوفون معاً، ويسعون معاً، ويقفون معاً، ويرجمون الشّيطان معاً، حيث تتجلّى في ذلك قوّتهم وعزّتهم ووحدتهم، والّتي أن أحسنوا استثمارها، وعزّزوا بها مواقعهم، وتعاونوا لأجل نشر قيم الخير والعدالة، فإنهم سوف يكونون في مواقع العزّ التي يريدها الله سبحانه وتعالى  للمسلمين.

هل ندرك قيمة الحجّ فعلاً؟!

ولعلّ أهمّ وظائف الحجّ، هذا التواصل والترابط بين المسلمين، بحيث يظهرون الصورة التي أرادها الله لهم عندما جعلهم أخوة، وقد أشار إلى ذلك رسول الله(ص)، عندما قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضها بعضاً"، "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالحمَّى والسَّهر".

وهذه الصّورة هي الّتي أشار إليها أمير المؤمنين(ع)، عندما قال في وصيّته: "الله الله في بيت ربّكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا"، وعندما قال: "الحجّ تقوية للدّين".

لكنّنا ـ مع الأسف ــ لم ندرك معنى هذه الفريضة بعمقها، وإلّا، هل يمكن أن نطوف معاً، ونسعى معاً، ونقف معاً، ونضحّي، ونهزم الشياطين معاً، فيما صورتنا حتى ونحن في الحجّ على غير ذلك؛ تتلاعب بنا الفتن، ويتلاعب بنا الآخرون، وبدلاً من أن نرجم الأعداء، نرجم بعضنا بعضاً؟!

لقد كان حرص رسول الله(ص) كثيراً على تعزيز هذه القيم الّتي يحملها الحجّ في نفوس المسلمين، عندما وقف وسط الحجيج قائلاً لهم: "أيّها النّاس، إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في عامكم هذا... لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".

ولهذا، أراد الله لكلّ المسلمين، حجّاجاً وغير حجّاج، أن يتزوَّدوا من هذه الأيام المباركة. ومن هنا، جعل الله إحياء يوم عرفة ويوم العيد عامّاً وشاملاً لكلّ المسلمين، حتى نواكب الحجّ، ونحصل على النتائج المعنويّة الكبيرة التي ترتقي بنا إلى خير الدّنيا والآخرة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالاقتداء بالنبيّ إبراهيم(ع) في تعامله مع ربّه، عندما أمره بأن يذهب إلى مكّة، ولم يكن فيها زرع ولا ماء ولا أيّ سبل من سبل الحياة الكريمة، وأن يترك زوجته هاجر وولده الرّضيع إسماعيل، ويعود إلى حيث كان يسكن في فلسطين. طبعاً، لم يكن آنذاك ثمة وسائل تواصل أو وسائل نقل حديثة، حتى يعود إليها ساعة يشاء أو عند الحاجة، ولكنّ النبي إبراهيم(ع)، ومن دون تردّد، نفّذ أمره به ربّه، وهو الّذي كان يثق به أكثر من ثقته بنفسه. ولما أراد الانصراف، تعلَّقت به زوجته وراحت تبكي، فكيف يتركها في هذه الأرض الجرداء القاحلة الّتي لا يوجد فيها بشر أو طعام أو ماء؟!

وإذا كانت زوجته تستطيع تدبير نفسها، فكيف حال ولده، وهو رضيع، عندما يجوع ويعطش أو يمرض؟! فقال لها: الّذي أمرني بذلك هو ربي، وأنا واثق بأنّه لن يخذلني ولن يخذلك. وغادر مكتفياً بالتوجّه إلى الله سبحانه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.

وما هي إلا أيّام قليلة، حتى نفد الماء، وجفَّ حليبها، فراحت تعدو في الصحراء هائمةً تبحث عن الماء بين تَلّتي الصّفا والمروة. وما إن انتهت من أشواطها السّبعة، حتى وجدت الماء يتدفَّق من بين قدمي وليدها، فراحت تزمّه بيديها حتى لا يفور، ولذلك سمّي زمزم.. وكما أراد الله لهذا الماء أن يسقي الحجّاج والوافدين إلى بيت الله الحرام، فهو أراد أن يؤكّد الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن بال أحد، بأنَّ من يثق بربّه، لا بدّ من أن يجده إلى جانبه. وهذا ما نحتاج إليه، لنواجه التحدّيات والأزمات، وما أكثرها!

دعم الجيش اللّبناني

والبداية من لبنان، حيث بدأ الجيش اللبنانيّ معركة إنهاء جيب داعش في جرود القاع ورأس بعلبك، وإن كانت في البداية تمضي بوتيرة بطيئة نسبيّاً مما تقتضيه ظروف المعركة وخططها.

وفي هذا المجال، نرى أهميَّة أن يقدم الجيش على هذه الخطوة، انطلاقاً من طبيعة دوره، والّتي يقف معه فيها كلّ الشعب اللّبناني بطوائفه ومذاهبه ومواقعه السياسيّة، وندعو إلى دعمه معنوياً وإعلامياً، وبكلّ سبل الدعم الأخرى التي يحتاجها. ونحن لنا ملء الثّقة بقدرة الجيش وجدارته على خوضها وتحقيق الانتصار، فهو لا تنقصه الخبرة ولا الكفاءة ولا المعنويّات ولا الاستعداد.

نعم، كان ينقصه في السّابق الغطاء السياسيّ الكافي، وقد تأمّن له الآن. وحرصاً على تحقيق هذا الإنجاز، نعيد تأكيد ما قلناه سابقاً، بضرورة أن يبقى قرار الجيش اللّبنانيّ حرّاً، وأن لا يقيّد بأيّ قيود تجعل مهمّته صعبة ومعقَّدة وغير عمليّة.

لعدم التَّفريط بقوّة البلد

وبموازاة هذا التّحدّي، يبرز مجدّداً العدوّ الصهيونيّ الَّذي يصرّ على استباحة السيادة اللبنانيّة، والعبث بأمن هذا الوطن واستقراره، من البرّ والجو والبحر، وقد تجلَّت هذه المرّة باكتشاف جهاز تجسّس على أعلى القمم في لبنان في الباروك، وهو يهدف من ذلك إلى متابعة مجريات الداخل اللبناني على كلّ الصّعد، واكتشاف أيّ ثغرات قد ينفذ من خلالها. ونحن نعرف أنَّ هذا العدوّ ينتظر أيّ نقطة ضعف في الداخل اللبنانيّ، لينقضّ من خلالها، ويثأر لهزيمته.

وهذا ما ندعو اللبنانيين إلى وعيه، لأنَّ هناك من يستكين لهذا العدوّ. ولذلك، نراه على استعداد لأن يفرّط بمواقع الرّدع التي يملكها، سواء كانت قوّة الجيش اللبناني وإمكاناته أو المقاومة.

تنامي الأزمات الاجتماعيّة!

في هذا الوقت، يبقى لبنان عرضة للهزّات الداخليّة الّتي تتّصل بأمنه الاجتماعيّ والاقتصاديّ، حيث يعاني الواقع اللبناني تنامياً في أزماته الاجتماعيّة، وترهّلاً في الواقع الاقتصادي الذي وصل إلى حافة الانهيار. وهنا، ندعو مجدداً إلى إعطاء الأولويّة لإعداد خطط اقتصاديّة متكاملة ذات أبعاد إنمائيّة واجتماعيّة، تقترن بمعالجة فاعلة وجادّة لكلِّ ألوان الفساد أو الهدر، بعد أن سئم النّاس من سماع السياسيّين لسنوات طويلة يردّدون معزوفة الإصلاح، من دون أن يروا أيّ أثر له في الواقع، بل إنهم يشهدون كلّ يوم المزيد من فضائح الفساد والهدر، وليس هناك حسيب أو رقيب.

ومن المؤسف أن يستمرّ التجاذب السياسيّ حول الزيارة التي قام بها بعض الوزراء اللّبنانيّين إلى سوريا، والتي كنا نريد أن تتمّ بقرار من مجلس الوزراء.. وإن كنّا نأمل ألا يساهم ذلك في تعقيد العلاقات بين مكوّنات الحكومة، بما يؤثّر في الاستقرار الداخلي، وخصوصاً بعد أن بات واضحاً أن تقييم الواقع في سوريا والنظرة إليه، هو نقطة خلاف سابقة، وستبقى إلى أن تنتهي الأزمة في سوريا. وكما استطاعت الحكومة أن تتجاوز الكثير من النقاط الخلافية السّابقة، حرصاً على المصلحة الوطنيّة، فهي تستطيع أن تتجاوز هذه النقطة، وأن تستثمر البعد الإيجابيّ الّذي قد يحصل منها، مما يتّصل بمصالح اللّبنانيّين الاقتصاديّة والتجاريّة.

إنّ قناعتنا فيما يتعلّق بهذه المسألة، وبعيداً من الموقف السياسيّ لهذا الطرف أو ذاك، أن لا خيار إلا التّواصل بين لبنان وسوريا، لطبيعة الترابط بين البلدين، ويكفي أنّ سوريا هي المنفذ البريّ الوحيد للبنان.

أمّا موضوع الكهرباء، فقد آن الأوان لإنهاء التجاذب بشأنه، لئلّا تتواصل باستمراره معاناة اللبنانيين، ونحن نعتقد أنَّ سبل الحلول الناجعة والشفافة متاحة، إن صدق المسؤولون، وتمسّكوا بالمصلحة الوطنيّة على حساب مصالحهم الفئويّة.

التّلاقي أو المجهول!

في هذا الوقت، يستعدّ العالم الإسلامي لتلبية نداء الله، وأداء فريضة الحجّ التي تجمع المسلمين من كلّ أقطار العالم في رحاب البلد الآمن، في مشهدٍ مهيبٍ يعبّر عن عمق وحدتهم وتلاقيهم، رغم اختلاف ألوانهم وبلدانهم ومذاهبهم ومواقعهم السياسيّة.

وانطلاقاً من أجواء هذه الفريضة ومعانيها، ندعو المسلمين إلى أن يتبصّروا جيّداً في مواقفهم، وما وصلوا إليه، وما آلت إليه أمورهم ومصيرهم، بأن ينقلوا مشهد الحجّ إلى بلدانهم، كما في العراق أو اليمن أو البحرين أو قطر أو مصر أو لبنان وغيرها، وأن يتلاقوا ويقفوا معاً.. ونحن نعتقد أنّهم عندما يتلاقون بصفاء النيّة، وبعيداً من تدخّلات أعدائهم، فسيكون المجال واسعاً لحلّ مشاكلهم، كما أنَّ الكثير مما هو مزروع في أذهانهم مذهبياً أو سياسياً أو غير ذلك، يمكن التفاهم عليه وإيجاد الحلول له، وبالتالي، لا خيار لهم إلا العمل معاً، وإلا هم ذاهبون إلى المجهول الذي يُصنَع لهم.

الإرهاب يضرب مجدَّداً

وأخيراً، إنّنا ندين العمل الإرهابيّ الّذي حصل في إسبانيا، والذي أتى ضمن سلسلة عمليات إرهابية ضربت بوركينا فاسو، وأودت بحياة بعض اللّبنانيّين، وقبلها نيجيريا وأفغانستان، ما يشير إلى مدى الخطر المتنامي لهذه المنظّمات الإرهابية، التي صار جلّ همّها أن تشوّه صورة الإسلام والمسلمين، وأن تربك علاقتهم مع الغرب، لحسابات لا تصبّ إلا في خدمة أعدائهم.

إنَّنا أحوج ما نكون إلى الوقوف في وجه هذا العقل التدميريّ، ومواجهة أصوله وقواعده الفكريّة ومنطلقاته السياسيّة، التي لا تنتمي إلى الدّين وأصالته أو إلى القيم الإنسانيّة بشيء.

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
كتاب معلم الشيعة الشيخ المفيد"
مسؤوليّتنا في غياب المهديّ والتّعاطي مع الزّمن
الدّين عقيدة وشريعة وأخلاق
زيارة عاشوراء في الميزان

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر