اليوم: الأربعاء9 شعبان 1439هـ الموافق: 25 ابريل 2018

الحكم في تجربة الإمام عليّ(ع)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَالله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}. صدق الله العظيم.

في الثّالث عشر من رجب الحرام، وفي مثل هذا اليوم، يوم الجمعة، كانت الولادة المباركة لأمير المؤمنين وسيّد الوصيّين، الإمام علي بن أبي طالب(ع).

هذه الولادة التي شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون في أقدس بقعة في الأرض، في رحاب أول بيت وضع للناس مباركاً في الكعبة المشرّفة.

وبعد الولادة المباركة، حظي برعاية خير خلق الله له، عندما تعهَّده رسول الله(ص) بالتّنشئة والتربية وهو وليد، فانطبع بأخلاقه، واقتدى بسيرته، فكان مثاله وصورته وأخاه ونفسه.

ونحن عندما نستعيد هذه الذّكرى، فإنّنا نستعيدها لنتعلّم من هدى هذا الإمام(ع)، ونتزوَّد من معين أخلاقه وعلمه وحلمه وعدله وكرمه وإحسانه، وكلّ الصفات التي تميّز بها، ولنعرض بعد ذلك حياتنا على حياته، حتى نطمئنّ إلى سلامة سيرنا في هذه الحياة، وصدق ولائنا وحبّنا له.

ولكنّ المقام لا يتّسع للحديث عن كلّ جوانب سيرته، مما امتلأت به كتب الأدباء والعلماء والمفكّرين من شتى الأديان والمذاهب والمسارات. يكفي في ذلك كلام الخليل بن أحمد الفراهيدي، مبيّناً مدى انتشار فضله وسعته، عندما قال: "ماذا أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله حسداً، وأخفاها محبّوه خوفاً، وظهر من بين ذين وذين ما ملأ الخافقين؟!".

ولذلك، سنتوقَّف اليوم عند بعض النصوص التي وردت عنه كحاكم، لنرى من خلالها كلّ الحاكمين، لنقيِّمهم، ولنحاسبهم على هذا الأساس.

هل يظلم الحاكم؟!

النصّ الأوّل، هو الّذي جاء على لسان امرأة اسمها سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانيّة، حين قالت: "قدمت على أمير المؤمنين(ع) في رجل كان قد ولّاه، فجار علينا، فصادفته قائماً يصلّي، فلما رآني انفتل من صلاته، ثم أقبل عليّ برحمة ورفق ورأفة وتعطّف، وقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم. فأخبرته الخبر، فبكى ثم قال: "اللّهمّ أنت الشّاهد عليَّ وعليهم، وإني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك"، ثم أخرج قطعة جلد، فكتب فيها للوالي: "{قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. فإذا قرأت كتابي هذا، فاحتفظ بما في يدك من عملك حتى يُقدم عليك من يقبضه، والسَّلام". ثم دفع إليّ الرّقعة، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، فانصرف عنّا معزولاً".

هذا هو عليّ(ع) في حساسيّته المطلقة تجاه الظّلم، فهو لم يعاقب واليه أو يطلب إليه أن يسوّي الأمر مع الناس، بل رأى أنَّ سلوكه يجافي المعايير في الحكم التي لا يمكن التَّهاون فيها، وهي ظلم الناس وعدم إعطائهم حقوقهم.

علاقة الحاكم بالفقراء!

النصّ الثّاني: هو رسالة أرسلها أمير المؤمنين(ع) إلى واليه في البصرة، عثمان بن حنيف الأنصاري، يؤنّبه فيها على سلوك صدر عنه، حيث جاء فيها:

"أمَّا بعد يابن حنيف، فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ، وغنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم".

من خلال هذا النص، يتّضح أن عليّاً(ع) ما كان يترك ولاته من دون رقابة، بل كان يحرص على متابعة أدقّ التفاصيل وتتبّع أخبارهم.

وهنا نراه يتابع واليه في مأدبة ذهب إليها فيها مدعوّون أغنياء، فيما الفقراء لا وجود لهم، فهو كان يرى في هذه المائدة رشوةً له من قبل مَن دعاه، وهو بداية انزلاقٍ للوالي، عندما يقرّبه الأغنياء إليهم، وعلى حساب مخالطة الفقراء.

بعدها، أشار الإمام(ع) إلى ما لا بدَّ من أن ينتهجه أيّ حاكم، وهو أن يشارك الفقراء فقرهم ماداموا فقراء، فقال(ع): "ولو شئت لاهتديت الطَّريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا ‏القمح، ونسائج هذا القزّ. ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي ‏إلى تخيّر الأطعمة، ولعلَّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا ‏عهد له بالشّبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى، وأكباد حرّى!"..

إذاً، الحاكم في منطق عليّ(ع) لا يعيش في برجه العاجيّ، أو يتأنّف أن يكون مع الفقراء، أو يستميله الأغنياء إليهم، بل لا بدَّ من أن يعيش آلام النّاس الفقراء من حوله ومعاناتهم.

التصرّف في المال العام؟!

النصّ الثَّالث: "والله لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وقَدْ أَمْلَقَ، حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، ورَأَيْتُ صِبْيَانَه شُعْثَ الشُّعُورِ، غُبْرَ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ، وعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْه سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُه دِينِي، وأَتَّبِعُ قِيَادَه مُفَارِقاً طَرِيقَتِي، فَأَحْمَيْتُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِه لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا، وكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَه: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ، أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِه، وتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِه؟ أَتَئِنُّ مِنَ الأَذَى، ولَا أَئِنُّ مِنْ لَظَى؟!"

لقد أراد الإمام(ع) أن يؤكِّد من ذلك عدم جواز التصرّف في المال العام بعيداً من منطق العدل والمساواة والنّظام. وهو ردٌّ على ما قد يعتقده البعض من أنّ للحاكم أو المسؤول حريّة التصرّف في المال العام، أو أن يمدّ يده إليه، أو يتلاعب به، بينما هو في منطق الإمام عليّ(ع) سارق وخائن لأمانته.

محاباة أصحاب القوى؟!

النصّ الرّابع: جاء رهطٌ من شيعة عليّ(ع) وأنصاره مشفقين على حكمه من معارضيه الّذين كانوا في مراكز القوى، فقالوا: "يا أمير المؤمنين، لو أخرجت هذه الأموال ففرَّقتها في هؤلاء الرّؤساء والأشراف، وفضّلتهم علينا، حتّى إذا استوثقت الأُمور، عدت إلى أفضل ما عوَّدك الله من القسم بالسويّة، والعدل في الرعيّة". لكنَّ الإمام(ع) لم يقبل بهذا المنطق، وقال: "أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْه؟ والله، لَا أَطُورُ بِه مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، ومَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً. لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ الله!".

فهو أراد أن يبيّن من خلال ذلك، أنّه لا يمكن أن يثبّت موقعه على رقاب النّاس ومصالحهم، حتى لو كلّفه ذلك ما كلّفه.

وفعلاً، كلّف ذلك عليّاً(ع) الكثير، وخصوصاً ممن وقفوا في مواجهته من القاسطين والمارقين والنّاكثين، الّذين ما خرجوا عليه إلا لعدله.

هذه لمحات سريعة من تجربة حكمٍ كان الأساس فيها عند الإمام عليّ(ع)، أنّ الحكم ليس هدفاً بل هو وسيلة، وهو الّذي قال لابن عباس عندما رآه يخصف نعله: "ما قيمة هذه النَّعل؟"، فقال ابن عباس: لا قيمة لها. فقال(ع): "والله، لَهيَ أحبُّ إليَّ من إمرتكم، إلّا أن أُقيم حقّاً، أو أدفع باطلاً".

وهذا ما عبّر عنه في دعائه: "أللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّه لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ، ولَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، ولَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، ونُظْهِرَ الإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ".

الإنسانيّة والعدالة في الحكم

لقد قدّم علي(ع) أنموذجاً عمليّاً في قدرة الإسلام على أن يرتقي بالحاكم إلى أعلى قيم الإنسانيّة، وأن تتحقّق على يديه العدالة. وإذا كان هناك من تجارب فاشلة قد عنونت بعنوان الإسلام، فهي لم تفشل لعدم قدرة الإسلام على بناء حكم عادل، بل لأنَّ من طبّق التجربة هو الّذي فشل؛ إمّا لسوءٍ في التّطبيق، أو لسوءٍ في فهم الإسلام، أو بسبب الأهواء، أو لضغوط الواقع...

إنّ السمات التي جعلت شخصيّة عليّ(ع) لا تتجزّأ ولا تتبدَّل ولا تتغيَّر، هي أنَّ عليّاً عاش الإيمان بعمق، فباع نفسه لله، ولذلك، هو في الحكم نفسه بعد الحكم؛ لم تغيّره المواقع، ولم يخضع لتقلّبات الأحداث والمصالح والأهواء.

لقد اعتدنا عندما نذكر عليّاً(ع)، أن نذكره كبطل بدرٍ وأحدٍ والأحزاب وخيبر، وكصاحب سيف ذي الفقار. ومن حقّه علينا أن نذكره في ذلك، ولكنّ علينا أن نذكر أيضاً بطولته في مواجهة الفساد، وهو تحدّى الفاسدين، ورفض الانصياع لمنطقهم، عندما لم يستسلم للدّنيا التي أقبلت عليه بزخارفها، فلم تغرّه، ولم تخدعه، ولم تسقطه في حبائلها.

وقال لها: "إلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ، وأَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ، واجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ!".

بطولة عليّ(ع) عندما لم يأخذ في الاعتبار حساباته الشخصيّة، كانت حساباته دائماً مع ربّه، وقد قالها: "قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْه الْحِيلَةِ ودُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ الله ونَهْيِه، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، ويَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَه فِي الدِّينِ".

بطولة عليّ(ع) أنّه لم يساوم حتى لأجل نفسه على الحقّ، ولذلك، نراه وهو في النّزع الأخير، وبعدما ضربه ابن ملجم، يقول لأهل بيته: "أحسنُوا إسارَه، وإن عشْتُ فأنا وليُّ دمي، وإنْ متُّ فضربة كضربتي".

هذا هو عليّ في عليائه، فلنرتفع إلى عليائه، لنكون الصَّادقين في ولائنا، لنقول له: "السَّلام عليك يا أمير المؤمنين، السَّلام عليك يا سيّد الوصيّين، السَّلام عليك يا إمام المتَّقين. أشهد أنَّك أقمت الصّلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وعبدت الله مخلصاً حتى أتاك اليقين".

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم بما أوصانا به أمير المؤمنين(ع) عندما قال: "أوصيكم، أيّها النّاس، بتقوى الله، وكثرة حمده على آلائه إليكم، ونعمائه عليكم، وبلائهلديكم. فكم خصَّكم بنعمة وتدارككم برحمة. وأوصيكم بذكر الموت، وإقلال الغفلة عنه. وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم! فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم، حملوا إلى قبورهم غير راكبين، وأنزلوا فيها غير نازلين، كأنهم لم يكونوا للدّنيا عمّاراً، وكأن الآخرة لم تزل لهم داراً، أوحشوا ما كانوا يوطنون، وأوطنوا ما كانوا يوحشون، واشتغلوا بما فارقوا، وأضاعوا ما إليه انتقلوا. فسابقوا ـ رحمكم الله تعالى ـ إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها ودعيتم إليها، فإنَّ غداً من اليوم قريب. ما أسرع السّاعات في اليوم! وأسرع الأيّام في الشّهر! وأسرع الشّهور في السنين! وأسرع السّنين في العمر!".

هذه وصايا أمير المؤمنين(ع)، هو يريدنا أن لا ننسى الله وموقفنا بين يديه، أن نذكره حتى نفهم الدّنيا، حتى لا تخدعنا وتغرّنا بغرورها، وأن نعي مسؤوليّتنا حين سينادى بنا: {وقفوهم إنَّهم مسؤولون}. وبذلك، نصبح أكثر وعياً ومسؤوليّةً وقدرةً على مواجهة التحدّيات!

أجواء ما قبل الانتخابات

والبداية من لبنان، الذي دخل في المرحلة ما قبل الأخيرة من الانتخابات النيابيّة، بتشكيل اللّوائح التي ستتنافس فيما بينها، وبحسب توزيعها المناطقي، وكلّ منها يهدف إلى الوصول إلى النّدوة البرلمانية، أو إثبات حضوره فيها أو تعزيزه، إن أمكن له ذلك، وهذا أمر طبيعيّ في أيّ انتخابات.

ولكنّنا كنا نخشى، ولانزال، أن يخرج هذا التّنافس عن إطاره، ليتحوَّل إلى صراع تستعمل فيه كلّ الوسائل، حتى تلك المحرَّمة دينياً وأخلاقياً أو وطنياً، بحيث تستباح في ذلك كلّ الحرمات. ومن هنا، فإننا نعيد دعوة هذه القوى والشخصيّات التي تنضوي في هذه اللّوائح، إلى الارتقاء بخطابها، لتحاكي أولويات الناس واهتماماتهم، بدلاً من أساليب لا تخدم وحدة البلد واستقراره.

إنَّ من المعيب في بلدٍ عنوانه بلد الأديان وبلد القيم، أن نسمع من الذين تصدَّروا أو يتصدَّرون مواقع المسؤوليّة، مثل ما سمعناه في الأسبوع الماضي بحقّ من ينافسونهم في الانتخابات.

إننا نرى أنَّ هذا الأسلوب غير مقبول في التخاطب بين أبناء الوطن الواحد، ومن يفترض أن يتحمّلوا المسؤوليات الكبيرة. إنَّ اللبنانيّين ينتظرون من كلِّ المرشَّحين أن يقنعوهم بأشخاصهم وببرامجهم، لا بشدّ عصبهم، وزيادة منسوب توترهم، وزرع أحقاد وضغائن تجاه من يعيشون معهم في الوطن أو في المنطقة أو داخل العائلة أو العشيرة، أو استخدام الحرب على هذا الفريق أو ذاك للحشد والتعبئة الشعبية والانتخابية.

إنَّ على اللّبنانيّين أن يعبّروا عن رفضهم لكلِّ هذه الأساليب، وأن يعتبروا ذلك علامةً سوداء في سجلّ من يقوم بها. إنَّ خيار اللّبنانيّين أن يعيشوا معاً بكلّ تنوّعاتهم الطائفيَّة والمذهبيَّة والسياسيّة، فلا نجعل هذا الخيار صعباً عندما تُثار في البلد أجواء الانقسام والفتنة.

هل ينهار الاقتصاد؟!

في غضون ذلك، هناك حديثٌ متزايد، ومن أعلى المواقع، عن واقع اقتصاديّ صعب. ونحن في هذا المجال، لا نتّفق مع من يقول إنّ البلد دخل مرحلة الانهيار أو الإفلاس. هذا لا يعني، كما يتحدّث البعض، أنه في وضع اقتصاديّ مقبول، هو مقبل على مخاطر حقيقيَّة إن لم تتمّ معالجتها جذرياً. ومع الأسف، لا تجد الكثيرين ممن هم في مواقع المسؤوليّة في الدولة يتعاملون مع هذا الأمر بجديّة، حيث لايزال الإنفاق على حاله بلا حدود ولا ضوابط، والبلد يضجّ بالفساد والهدر والعشوائيّة في التوظيف والتعيينات والتلزيمات.

وفي هذا الاتجاه، استمع اللّبنانيون إلى السّجال الَّذي جرى في المجلس النيابي حول الموازنة، التي أصبح واضحاً أنها "سُلقت"، وفيها من العيوب ما يحتاج إلى إعادة النّظر في العديد من بنودها. وحسناً فعل الّذين لم يصوّتوا لها مع بقاء هذه الثّغرات. ونحن في الوقت الذي نرى الإيجابيّة في النقاش التفصيلي الّذي جرى، فإننا ندعو إلى تعزيزه في كلِّ مواقع الدّولة.

ونحن في هذا المجال، نشدِّد على أنَّ مهمة المجلس النيابي لا تقتصر على إحصاء الفضائح والارتكابات، ثم يعود كلٌّ إلى موقعه. إنَّنا نريده منبراً للمحاسبة الحقيقيّة للفاسدين، وصوتاً للنَّاس، ومعبِّراً عن آلامهم وآمالهم وطموحاتهم، ومساهماً في تقديم الحلول لمشاكلهم، وإرغام المسؤولين على الالتزام بتنفيذها.

وضمن هذه الأجواء، ينتظر لبنان انعقاد مؤتمر سيدر في فرنسا لدعم لبنان، حيث تنهال وعود المنّ والسّلوى عليه، ونحن نأمل أن يكون ذلك. ولكنّنا نرى، وانطلاقاً من الوقائع الحاليّة ومن المؤتمرات السابقة، أنها لن تحمل الكثير للّبنانيين، بل نخشى أن تزيدهم أعباء سياسية واقتصادية، لكونها تنحصر في القروض والمشاريع الاستهلاكية التي لا تمنح من هذا العالم بالمجّان. لذلك، فإنّنا ندعو إلى دراسة واعية لما سيلتزم به لبنان في هذا المؤتمر، وإلى أن يكون ذلك ضمن خطّة اقتصاديّة وماليّة تساهم في النهوض الاقتصاديّ، وفي بناء مشاريع ذات طابع إنتاجيّ، لا مشاريع استهلاكيّة، وأن يكون هناك وعي مسبق للتّبعات التي قد تترتّب عليها.

فلسطين: يوم الأرض

ونعود إلى فلسطين، لنحيّي الشّعب الفلسطينيّ في هذا اليوم؛ في الثلاثين من آذار، في ذكرى يوم الأرض، وهو اليوم الَّذي أقدم فيه الكيان الصهيوني في العام 1976 على مصادرة آلاف الدّونمات من الأراضي ذات الملكيّة الخاصَّة، أو المشاع في أراضي الـ48 ذات الأغلبية السّكّانية الفلسطينيّة، ليعمّ آنذاك إضراب عام ومسيرات شاملة في كلِّ المناطق الفلسطينية، ومواجهة واسعة أدّت إلى استشهاد الكثير من الفلسطينيّين واعتقال الكثير منهم أيضاً.

إنَّنا نحيي إصرار هذا الشَّعب على صموده، وعلى التّضحيات الغالية التي يقدِّمها، وعلى تصميمه في إحياء هذا اليوم، من خلال مسيرات العودة التي ستتمّ عبر بوّابات العبور بين قطاع غزّة وبقيّة فلسطين والأرض المحتلّة، رغم تهديدات العدوّ بقمعها.

إنَّنا ندعو الدول والشعوب العربيّة والإسلاميّة إلى الوقوف معه في خطوته هذه، والقيام بمسؤوليّتها تجاهه، فلا يستفرد به أمام الغطرسة الصهيونيّة ومن يقف وراءها.

عيد الفصح

وأخيراً، إننا، وبمناسبة عيد الفصح الذي يأتي بعد أداء فريضة انتهاء الصّوم لدى المسيحيّين، بكلّ ما يمثله الصَّوم من تزكية للنفس وطهارة لها، نتوجَّه في هذه المناسبة إلى مواطنينا اللّبنانيّين جميعاً، والمسيحيّين منهم على وجه الخصوص، بالتّهنئة لهم بهذا العيد، سائلين المولى تعالى أن تحمل هذه المناسبة كلّ تباشير الخير والعافية للبنان واللّبنانيّين، وأن تعزِّز لديهم القيم الروحيّة والأخلاقيّة التي يتلاقون عليها.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن مقالة تثير استياء المسلمين في فرنسا تجويد القرآن بإثارة.. هل هو جائز؟! منبر الجمعة: 4 شعبان 1439هـ/ 20 نيسان 2018م الحسين والعبّاس: الإيمان والثَّورة حتّى الشَّهادة ابنتي تحبّ العمل المسرحي والسينمائي! غانا: اعتماد واتساب لتبليغ الأذان بدلاً من مكبّرات الصوت فضل الله: لطيّ صفحة الإهمال ومعالجة التلوّث التوسّل بأهل البيت(ع) فيسبوك سريلانكا.. "أبيدوا المسلمين حتى الرضّع"! منبر الجمعة: 26 رجب 1439هـ/ 13 نيسان 2018م الرَّسول الّذي أعاد للأخلاق اعتبارها
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر