اليوم: الأربعاء15 صفر 1440هـ الموافق: 24 اكتوبر 2018

في أجواء المناجاة الشّعبانيّة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. صدق الله العظيم.

ليلة النّصف من شعبان

في رحاب هذا الشَّهر؛ شهر شعبان، شهر رسول الله(ص)، سنلتقي بعد أيّام قليلة، بليلة النّصف من شعبان، والّتي ورد في بيان فضلها، أنها أفضل اللّيالي بعد ليلة القدر، فيها يمنح الله العباد فضله، ويغفر لهم بمنّه. ففي الحديث: "فاجتهدوا في القربة إلى الله تعالى فيها ـ بالدّعاء والذّكر والاستغفار والصّلاة، وأقبلوا فيها عليه ـ فإنّها ليلةٌ آلى الله عزَّ وجلَّ على نفسه أن لا يردَّ فيها سائلاً، ما لم يسأل الله المعصية".

وفي حديثٍ آخر: "إذا كان ليلة النّصف من شعبان، اطّلع الله إلى خلقه ـ أي ينظر إليهم بالرَّحمة ـ فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين ـ أي يمهلهم ـ ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه". فالله لا يقبل صلاةً ولا دعاءً ولا استغفاراً ممن في قلبه حقد على الآخر، أيّاً كان الآخر، ومهما كان جانب الاختلاف معه. فلا بأس من الاختلاف، وهو من سنن الله في خلقه، حيث يقول الله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}، لكنّ شرطه ألّا يتحوَّل إلى حقد وبغضاء، فقد قال عزَّ وجلّ: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

حدثان مباركان

وما يزيد من فضل هذه اللّيلة، حدثان مباركان حصلا فيها:

الأوَّل: هو أنها اللّيلة التي ولد فيها الإمام المهدي(عج)، إمام عصرنا وزماننا، والعصور التي ستأتي، إلى أن يأذن الله له بالخروج من غيبته، والّذي نسأل الله أن يكون قريباً، ليتحقَّق على يديه الشَّريفتين الهدف الّذي لأجله أرسل الله الرّسل والأنبياء، بأن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.. نسأل الله أن يرينا الطّلعة الرّشيدة والغرَّة الحميدة، وأن يكحِّل عيوننا بنظرة منه، ونكون من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.

والحدث الآخر: أنها اللّيلة الّتي نزل فيها جبريل على رسول الله ليزفّ إليه البشرى، حيث أمره الله أن يتوجّه والمسلمينَ بالصّلاة إلى الكعبة المشرّفة قبلةً للمسلمين، بعدما كانوا يتوجّهون إلى المسجد الأقصى. هذا التّبليغ الّذي كان ينتظره رسول الله(ص) كما أخبرنا بذلك الله، عندما قال: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}.

لذلك، لا بدَّ من أن نحرص على إحياء هذه اللّيلة المباركة، ليلة النصف من شعبان، فهي من أيّام الله، وواحدة من الفرص التي هيّأها الله سبحانه بعباده لينعموا فيها من بركاته ورحمته. فلنفرّغ لها وقتاً، ولنحيها مع كلّ المسلمين، وبمختلف مذاهبهم، لنعيش فيها الأجواء الروحيّة والإيمانيّة التي نحتاج إلى أن نتزوَّد منها، ولعلّنا نحظى بما وعد به الله الذين يحيون هذه الليلة.

برنامج الإحياء

وبرنامج هذه اللّيلة فيه العديد من الأدعية والأذكار والصّلوات وقراءة سورٍ من القرآن الكريم.

ونحن اليوم، سنتوقّف عند فقرات من المناجاة التي تقرأ في هذه اللّيلة من شهر شعبان، وفي كلّ أيام شهر شعبان، الواردة عن أمير المؤمنين(ع)، والتي تسمى "المناجاة الشعبانية"، لعلوّ مضامينها الروحية والإيمانية، وللدروس التربوية التي تشتمل عليها.

تبدأ المناجاة بفتح باب تواصل الإنسان مع الله، بعدما أغلقه هو على نفسه بالذّنوب والآثام والمعاصي. فهناك من الذّنوب والمعاصي ما يحجب الدّعاء عن الوصول إلى الله، كما نقرأ في دعاء كميل: "اللَّهمَّ اغفر لي الذّنوب التي تحبس الدّعاء". أمّا هذه الذنوب، فقد وردت الإشارة إليها في حديث الإمام الصَّادق(ع)، بأنّها: سوء النيّة والسَّريرة، وترك التّصديق بالإجابة، والنّفاق، وتأخير الصّلاة عن وقتها.

مقاطع من المناجاة

بداية المناجاة:

"اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، واسمع دعائي إذا دعوتك، واسمع ندائي إذا ناديتك وأقبل عليّ إذا ناجيتك". وهنا يتوجّه إلى الله سبحانه بكلّ افتقار وتضرّع، أن لا يغلق عليه بابه، وأن يسمع دعاءه إذا دعاه، ويجيب نداءه، ويقبل عليه فلا يطرده من ساحته. فالدّعاء هو باب التواصل مع الله، فإذا أغلق هذا الباب، انقطع عنه المدد الإلهي، ومَنِ القادر على أن يستغني عن هذا المدد؟! والله سبحانه في ذلك يقول: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}.

ثم يقول(ع): "فقد هربتُ إليك، ووقفت بين يديك، مستكيناً لك، متضرِّعاً إليك، راجياً لما لديك ثوابي". فأنا قد جئت إليك هارباً من ذنوبي وآثامي ومن تقصيري، وكيف لا أهرب منها، وهي التي إن بقيت، فستودي بي وتسقطني من رحمتك، وتوقعني في العذاب، ولا هرب لي إلا إليك، وأنت من قلت {فَفِرُّوا إِلَى الله}.

ثم يتابع الإمام(ع): "وتعلم ما في نفسي، وتخبر حاجتي، وتعرف ضميري، ولا يخفى عليك أمر مُنقلبي ومثواي". وأنا يا ربّ عندك لا أحتاج إلى تعداد ذنوبي، ولا ذكر حاجاتي وطلباتي، وأنت من قلت: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ* إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ* مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. وقال سبحانه: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}.

ثم يكمل(ع): "إلهي، إن حرمتني فمن ذا الذي يرزقني، وإن خذلتني فمن ذا الذي ينصرني". وأنا يا ربّ أرجع إليك، لأني أعرف، وبدون أدنى شكّ، أن لا غنى لي عنك، وكلّ الأمور بيدك، فإلى من أرجع إن أنت طردتني من بابك، ووكلتني إلى نفسي؟ فأنت، لا غيرك، مصدر الخير في الحياة. فالحياة منك، والرّزق منك، والتّأييد منك، وأنت كما وصفت نفسك في القرآن الكريم: {قُلِ اللّهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

صحيح أن للرزق أسبابه، وللنصر شروطه، وللملك طرقه، وللخير مداخله، ولنا دور في تحقيقها، ولكن هذه الأسباب لا تتمّ إلا بالله. ولذلك ورد: من الشّرك أن يقول الإنسان: لولا فلان لهلكت، أو لولاي ما تمّ هذا الأمر، بل قل: لولا أن منَّ الله عليّ بفلان، أو مكّنني من هذا الأمر، لهلكت، أو لم يتمّ هذا الأمر. فالله هو الممسك بكلّ خيوط الحياة، فلا يغرّنا أحد من النّاس بأنّ أمرنا وقرارنا ومستقبلنا رهن إشارته، وأنه هو يرفعنا ويضعنا. "إِلـهي إِنْ وَضَعْتَني فَمَنْ ذَا الَّذي يَرْفَعُني، وَاِنْ رَفَعْتَني فَمَنْ ذَا الَّذي يَضَعُني، وَاِنْ أَهْلَكْتَني فَمَنْ ذَا الَّذِي يَعْرِضُ لَكَ فِي عَبْدِكَ أَوْ يَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِهِ".

فالله إن أعطانا، فلا أحد قادر على منعنا، وإن حرمنا، فلا أحد قادر على إعطائنا، وإن نصرنا، فلا أحد قادر على خذلاننا.

ثم يقول: "إلهي، لم يزل برّك عليّ أيّام حياتي، فلا تقطع برّك عني في مماتي. إلهي، كيف آيسُ من حسن نظرك بعدَ مماتي، وأنتَ لم تُولِّني إلّا الجميل في حياتي. إِلهِي، تَوَلَّ مِنْ أَمْرِي ما أَنْتَ أَهْلُهُ".

أنا، يا ربّ، كنت في الدنيا لا أحسب لك حساباً وأعصيك، لكنّ ذلك لم يجعلك تقطع إحسانك عني، فكيف في مماتي؟! وقد صرت بين يديك، وقد انقطع عصياني لك، فكما كنت كريماً معي في الدنيا، فأنا واثق بأنك ستكون كريماً في هذه اللحظات عند مماتي، ويوم أقف بين يديك.

"إلهي، قد سترت عليَّ ذنوباً في الدّنيا، وأنا أحوج إلى سترها عليَّ منك في الأخرى". يا ربّ، أنت القادر على أن تفضح الذين يذنبون في الخلوات، وبعيداً من أعين النّاس، ولو شئت، لكشفت سترهم، وأظهرتها للّذين يستغلّون هذه المعاصي للتّشهير بأصحابها، ولكنك لا تفعل ذلك، فقد عوّدت عبادك على أن تظهر جميلهم، وتستر قبيحهم، وأنّك لا تهتك السّتر والسّريرة.

ولكن يا ربّ، هذا الستر الذي سترته عليّ في الدّنيا، أرجوه لنفسي ولكلّ الناس في الآخرة، حيث الفضيحة هناك لا تقاس بما هي في الدّنيا، فهي أمام الخلائق، وأيّ فضيحة أكبر من هذه الفضيحة؟!

بعدها يقول: "إلهي، إن أدخلتني النّار أعلمت أهلها أني أحبّك". أنا يا ربّ، إذا وقعت الواقعة، ورفعت الموازين، وحكمت محكمتك بدخولي النّار، لجرمي وجريرتي وعصياني وتقصيري، فإنّي أسألك: ماذا ستفعل يا ربّ عندها بهذا القلب الذي يحبّك؛ هل تحرقه بالنّار؟! وهل يمكن أن تدخل إلى النّار قلباً أحبّك؟! ومن سيخبر أهل النّار بهذا الحبّ؟! فأنا لا أنسى أياديك عندي في دار الدّنيا، فأنت لم تقصر بحقّي، بل أنا المقصّر بحقّك.

ويختم الإمام(ع) الدعاء: "أسألك أن تصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تجعلني ممن يديم ذكرك، ولا ينقض عهدك، ولا يغفل عن شكرك، ولا يستخفّ بأمرك". لذلك يا ربّ، أسألك أن تعينني وتقوّيني، حيث أديم ذكرك فلا أنساك. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْك} {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}. وأنا لا أنقض عهدي لك، عندما عاهدتك على التّسليم لك والطّاعة، وأن لا أستخفّ بأمرك، وأن أبقى شاكراً لك بقولي وعملي. فالسَّبيل للوصول إلى الله، لا يتمّ إلّا بذلك.

وغاية الأمل، هو أن يهتدي الإنسان بنور الله، وأن يبلغ معرفته، ولا يتعلّق بأحد سواه.

ما أحوجنا إلى هذه الوصايا الروحيّة والإيمانية، لنستعين بها على مواجهة أنفسنا الأمّارة بالسّوء، وتحدّيات الحياة وصعوباتها! ولنكن من الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما ورد عن رسول الله (ص)، عندما سأل أصحابه: "أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟"، فقَالُوا: "الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ"، فقال الرّسول: "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ".

إنَّنا أحوج ما نكون، وفي أجواء التوتّر والانفعال، إلى الالتفات جيّداً إلى كلماتنا وأفعالنا، كي لا تنزلق بنا إلى ما حذَّر رسول الله (ص) منه، مما يذهب برصيد تعبنا من المستحبات وبذلنا للخيرات، ويسقطنا بعد ذلك في مهاوي النار. فلنبذل جهدنا لعدم الوقوع فيها، ولنكن أكثر دقةً ومسؤوليّةً، وأكثر قدرةً على مواجهة التحدّيات.

لبنان تحت وطأة الانتخابات

والبداية من لبنان، الَّذي من الطَّبيعي أن يشهد حدّة في الخطاب الانتخابي مع اقتراب موعد الانتخابات، وهي بدأت بالمغتربين، حيث سيبقى كلّ فريق يستنفد كلّ الوسائل في الفترة المتبقّية لتأمين فرص نجاحه، لبلوغ سدّة الندوة البرلمانية، أو لتعزيز موقعه فيها.

ونحن مازلنا ندعو ــ ورأفةً بهذا البلد ــ إلى عقلنة الخطاب الانتخابي، بأن لا تستثار فيه، كما يحدث الآن، الحساسيّات الطائفيّة والمذهبيّة والعشائريّة والمناطقيّة والأحقاد، والخوف من هذا الفريق أو ذاك، والاتهامات والاتهامات المضادّة، ما يزيد من تأزيم الواقع.

إنّنا نريد لهذا الخطاب أن يرتقي إلى مستوى التحديات التي تواجه البلد في اقتصاده وأمنه وسياسته والقادم عليه. فالبلد ليس بألف خير، والمحيط من حوله ليس في ظروف طبيعيّة.

إنَّ كثيراً من الخطاب الَّذي يعرض على الشّاشات، وفي مواقع التّواصل، وفي المهرجانات، فيه ما يسيء إلى صورة اللّبنانيّين، ويظهر استخفافاً بوعيهم وتطلّعاتهم، ولن ندخل في التفاصيل.

إنَّ اللّبنانيّين مدعوّون مجدّداً إلى أن يعبّروا عن هذا الوعي والعقلانيّة في الممارسة، وأن يظهروا بأنهم جديرون بهذا الوطن وبمستقبله، عندما يقترعون بناءً على مواصفات يلزمون أنفسهم بها، يقترعون للصّادقين والأمناء، لمن كانوا في الشّدائد حريصين عليهم وأوفياء لهم، ممن لم يخذلوهم ولم يجلسوا على التلّ عندما واجهوا التحدّيات، يقترعون للَّذين وقفوا في وجه الفساد ولم يتلوّثوا به، لمن كانوا يُغلِّبون الشّأن الوطني على الشّأن الطائفي والمذهبي، لمن كانوا يعملون لتوحيد اللّبنانيين لرصِّ صفوفهم، في الوقت الذي كان هناك من يدعو إلى الاصطفافات المذهبية والسياسية الحادة على حساب الوطن، لمن يملكون عقلاً وحسن إدارة في الموقع الذي سيشغلونه.

إنَّ على اللّبنانيّين، وخلال الساعات أو الأيام المقبلة، أن يخلدوا إلى أنفسهم، وأن يفكّروا جيداً فيمن يختارون لتحمّل المسؤوليَّة، وأن يخرجوا أنفسهم من دائرة التوتّر والانفعال، وأن لا يكونوا صدى لآخر خطاب أو آخر لقاء انتخابي، بل أن يفكّروا بهدوء، كما أشار الله في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُو}.

وفي الموقع نفسه، نعيد دعوة أهلنا وأعزّائنا إلى أن يؤكّدوا مجدّداً أنهم على مستوى القيم التي يحملونها، أن تكون قيمهم حاضرةً عند الاختلاف، وفي إطار التنافس. فالمؤمن يتوتّر ويغضب ويعذر، ولكنَّ غضبه لا يخرجه عن قول الحقّ والتحرّك بوحيه.

وعلينا جميعاً ألا تشغلنا الانتخابات عن الهموم والملفّات الأخرى التي أثقلت البلد، كملفّ الكهرباء وغيره، وما هو مطروح الآن في ملفّ النازحين، الذين نصرّ على التّعامل معهم بناءً على المصلحة الوطنية وقواعد الأخوّة، مع الحذر لما تخطّط له الدّول الغربية، والتي لا تفكّر إلا في مصالحها، لا في مصالح لبنان واللّبنانيّين.

سياسة الابتزاز

وفي مجال آخر، نلاحظ تصاعد نبرة الابتزاز المتصاعدة من الرئيس الأميركي في تعامله مع الدول العربية والخليجية بالخصوص لحساب إدارته، وهو الذي قال قبل أيام: "على الدول الثرية في الشرق الأوسط أن تتكفّل بالمصاريف الكبيرة التي تنفقها الولايات المتحدة الأميركيّة لحمايتها". ومع الأسف، فإنَّ هذه الدول لا تأخذ ذلك على محمل الجدّ، ولا تعمل على أن تدرس تبعاته عليها وعلى شعوبها.

إنَّ هذه المواقف تتطلَّب بذل كلّ الجهود للابتعاد عن هذه السّياسة الدّوليّة التي تتعامل مع المنطقة كمركز ماليّ وبقرة حلوب لها، والعودة سريعاً إلى بناء تضامن عربي وإسلامي ينهي هذه المآسي الداخليّة المستمرّة، والحروب العبثيّة في الداخل العربي والإسلامي، ويوفّر على الدول العربية والإسلامية هذا الابتزاز.

مأساة اليمن.. هل من آخر؟!

في هذا الوقت، يستمرّ العدوان على اليمن، والذي حصد المزيد من الضّحايا، فضلاً عن آثاره الصحية والإنسانية الخطيرة، في الوقت الذي نجد العالم يتفرج على ما يجري، ولا يُغدق على هذا البلد الجريح إلا أصوات الاستنكار والإدانة للمجازر.

لقد آن الأوان لهذا العالم أن يستيقظ، وأن يرفع الصّوت عالياً لإيقاف هذه الحرب التي غالباً ما تطاول المدنيّين في تجمّعاتهم وأعراسهم ومنازلهم، كما رأينا أخيراً.

العدوّ يغتال الطّاقات

وفي ملفّ آخر، نريد للجميع ألا يتناسوا العدوّ الإسرائيليّ الذي يقفز فوق كلّ الضجيج والصخب في المنطقة، ويواصل اغتياله للكوادر والطاقات العلمية، كما فعل "الموساد" قبل أيّام في اغتيال فادي البطش في ماليزيا، حيث لم يخف العدوّ فرحته بالعملية، وملاحقته لكلّ العقول العربية والإسلامية، ومحاولته تقديم ذلك كانتصارٍ على المقاومة.

إنَّ هذا العدوّ الذي اغتال المهندس التونسي محمد الزواري في تونس، وقبلها محمود المبحوح في الإمارات، وعشرات العقول والطاقات العربية والفلسطينية، هو الّذي ينبغي للجميع أن يحذروه ويعملوا لمواجهته، لا أن يدفنوا رؤوسهم بالرّمال، ولا يتطلّعوا إلا إلى الفتن التي تنهش أجسادهم؛ الفتن المذهبية والسياسية على السّواء.

حقّ العمّال في عيدهم

ونحن على أبواب عيد العمال ــ الذي نلتقي به في الأوّل من أيار ــ نتوجَّه بالتّهنئة إلى كلِّ العمّال، رجالاً ونساءً، الذين كدّوا وتعبوا لبناء العزة لأوطانهم وعيالهم، في أيّ موقع من مواقعهم.

إنَّ من حقّ العمال في لبنان على وطنهم أن يحتضنهم، وأن يشملهم بالرعاية والاهتمام، وأن يكرّمهم في حقوقهم وعيشهم الكريم وحياتهم كلّها، لا أن يفرض المزيد من الضَّرائب عليهم، ويُحملهم أعباء الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، في الوقت الّذي يحرمون من أبسط ضروريّات العيش، فيما تتزايد ثروات القلّة المترفة التي تعتاش على حسابهم، وعلى حساب بقيّة الكادحين من أبناء شعبنا.

ومن حقِّ الذين يريدون العمل، وهم لا يجدونه، أن تؤمَّن لهم الفرصة لذلك.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ أمّي سريعة الغضب.. كيف أتعامل معها؟ السيّد جعفر فضل الله شارك في عزاء الحاج كاظم الإمام الكاظم(ع): مواجهة الطّغاة حتّى الشّهادة منبر الجمعة: 10 صفر 1440هـ/ 19 تشرين أول 2018م عائلتي تنتقدني دوماً.. ماذا أفعل؟ العلامة فضل الله نعى المحسن الكبير الحاج كاظم عبد الحسين مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر