اليوم: الأحد12 صفر 1440هـ الموافق: 21 اكتوبر 2018

وسائل التواصل تغزونا.. هل نتحكّم بها؟

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد جعفر فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

... من الأمور الّتي ينبغي لنا أن نتوقّف عندها، ما غزا واقعنا الاجتماعيّ، وعلى امتداد العالم، والّذي يعكس لوناً من ألوان التطوّر التقنيّ، وهو ما يرتبط بالهواتف المحمولة الّتي أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من حياتنا اليوميّة، وما فيها من تطبيقات متنوّعة، وعلى رأسها، وسائل التّواصل الاجتماعي.

ولأنَّه موضوع كبير ومتعدّد الجوانب، سنتحدَّث في هذه الخطبة في بعض الخصوصيّات المتعلّقة بهذا الموضوع، ومن ذلك، استخدام الإنسان لهذه الوسائل.

وقبل ذلك، نتوقّف عند القاعدة الكليّة الّتي لا بدَّ من أن تبقى في أذهاننا كمؤمنين، وكمجتمع إنسانيّ، وهي: هل نحن محكومون لمنظومة من القيم والقواعد، أو أنّنا نتحرّك من دون معايير وضوابط؟

ليس هناك من مجتمع لا يجعل له منظومة من القيم الّتي تحكم، ليقيس استقامة أبناء المجتمع وانحرافهم وفقاً لها...

لا يمكن لمجتمع إيمانيّ إلّا أن يكون صادقاً وأميناً، ولا يمكن للمجتمعات والدّول إلا أن تتحرّك على خطّ الصّدق والعدالة...

ولو رجعنا إلى أنفسنا وتأمّلنا، فهل فعلاً نحن نتحكّم بأجهزتنا الّتي نحملها بين أيدينا، أم هي الّتي تتحكّم بنا؟ وإذا كنّا نحن من يتحكّم بها، فكيف نتحكّم؟...

إنّ بعض وسائل التّواصل (تويتر)، مثلاً، يجبرك على أن تعلّق على شيء ما أو حدث من خلال (هاشتاغ) هم يطرحونه، ويجبرنا على أن ننتقل من النّقد الموضوعيّ إلى ما يسير عليه النّاس... فندخل في الكثير من المنزلقات الأخلاقية...

وإذا كانت هذه الأجهزة وتطبيقاتها هي الّتي تتحكّم بنا، فمعنى ذلك أنّنا ندار من خلال الآخرين...

أمر آخر من الأمور الّتي أصبحت شائعة، هو ضيق مساحة الخصوصيّة الفرديّة، بحيث بتنا نرى الفرد ينشر كلّ ما يتعلّق بحياته من تفاصيل؛ يأكل، يرتدي ثيابه، يخرج إلى مكان ما... ولكن، أين مساحة الخصوصيّة الّتي لنا؟

وهذه المسألة لها أبعاد عديدة، وواحدة من أهمّ أبعادها، أنّها ضيّقت مساحة الخصوصيّة الفرديّة، ما يجعل علاقة الإنسان بنفسه ضيّقة... وهذا كلّه يخلق توتّراً داخليّاً دون أن نشعر، لأنه يلغي للإنسان مساحته مع نفسه...

هذا الأمر يحتاج منّا إلى وقفة تدبّر وتأمّل، لنسير على الأسس الّتي وضعها لنا الإسلام، واتّخاذ آليّات عمليّة لاستخدام هذه الوسائل، انطلاقاً من قيمنا ومن أخلاقنا...

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

فيما تستمرّ معاناة اللّبنانيين بسبب تفاقم الأوضاع المعيشيّة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، من دون أن يلقى هذا الواقع الضاغط أيّ عناية من المسؤولين تدفعهم إلى الإسراع في تشكيل الحكومة، والبدء بورشة الإصلاحات ومواجهة الفاسدين، لا بدّ من التأكيد، وحتّى لا يحبط اللبنانيّون، من أن تحقيق ذلك مرهون ببناء الدولة، وكأنّه إلى الآن لا قرار بقيام دولة بالمعنى الحقيقيّ، فالبلد لايزال عبارة عن تجمّعات طائفية التقى زعماؤها على مسرح صراع، من دون أن يكون للبنانيين رؤية مشتركة تجمعهم تجاه وطنهم وعلاقاته وأوضاعه. ولذلك، كان التوافق هو القاعدة التي شكّلت توازنات هشّة أخضعت الوطن لتسويات ومحاصصات على أكثر من صعيد.

الإصلاح مرهون ببناء الدّولة

والأنكى من ذلك، أنّ اللّبنانيّين لم يتوافقوا حتى على إدارة البُعد الحياتي المرتبط بأدنى شروط العيش؛ من ماء وكهرباء وإدارة السير والنفايات والتلوّث، وكيفية الحدّ من البطالة والتنمية المحليّة وما إلى ذلك.. من دون أيّ معالجة للفساد، لأنه بات جزءاً من منظومة عمل الدّولة؛ لأنّ النظام الطائفي أصبح نظام محاصصة، والمحاصصة هي الوجه الآخر للفساد.

مع الأسف، ذهنيّة المنفعة الشخصيّة، وتسخير العام لمصلحة الخاصّ، ماتزال متحكّمة بالكثير من المواقع، وهو الذي جعل الكثيرين يخافون من أيّ حالة تلبّس بالقوَّة، ولذلك، حتّى النصر العسكري يسعى كثيرون لتصويره على أنّه هزيمة! وهذا أنكى ما يمكن أن يتنازل إليه منطق!

يجب أن نعرف كأبناء لهذا البلد، وفي ضوء هذا المشهد، أن الانتخابات التي وعد اللبنانيون بأنها سوف تفتح باب الخلاص، لم تحقّق لهم ذلك، لأنّ الانتخابات وحدها لا يمكن أن تحلّ المشكلة؛ لأنّه غالبًا ما تجري الانتخابات على أساس خوف الطوائف والجماعات على نفسها وهويّتها وعلى خياراتٍ استراتيجيّة هنا وهناك، كما أنّ الانتخاب في ظلّ نظام فاسد، يعيد إنتاج نظام المحاصصة. والصالحون في ظلّ هذا النظام، إذا حافظوا على استقامتهم، فإنّهم لا يستطيعون خرق التّوازن الذي يفرضه نظام المحاصصة بين الطوائف.

الشّعب أساس التّغيير

فمَنْ يستطيع أن يغيّر هو الشّعب، وذلك عندما لا يدخل بعد الانتخابات في غيبوبة تجاه متابعة من صوت له.. ولا بدّ لهذه المتابعة من أن لا تتمّ عبر الفوضى، أو عبر الكلمات غير المسؤولة التي قد تدخل البلد في أتون فتن اجتماعية وأمنيّة.

ثمّة إمكانات كبيرة لدى فئات اجتماعية وازنة، لا بدّ من أن تسعى لتشكيل حركات اجتماعية فاعلة تتجاوز رفع الشعارات، تعرف ما تريد، وكيف تحرّك الواقع بناءً على خطط وبرامج وأهداف، وهو ما يمكن أن يشكّل ضغطاً حقيقياً على جميع المسؤولين، وخصوصاً حين تنجح مثل هذه الحركات في أن تكون مستقلّة وملتزمة بالمبادئ والمصالح الحقيقيّة للشعب.

نطرح هنا مثالين لتأثير الوعي:

كلنا نتذكّر عندما نزل الناس إلى الشارع للضغط في سبيل حلّ مشكلة النفايات.. يعرف الناس ما يريدون نظريًّا، ولكنّهم لم يستطيعوا أن ينسّقوا الخطوات في سبيل الضغط تجاه هذه المشكلة، فتعددت الشعارات، واختلطت الأوراق، واستطاع الفاسدون أن يلعبوا على التناقضات، بما جعل المجتمعين يتفرّقون، لانعدام رؤية موحّدة لنيل الحقوق، ولاتزال النفايات في الشوارع حتّى اليوم.

إنّ المطلوب حراك شعبيّ مؤثّر يشكّل نوعاً من حكومة الظلّ الشعبيّة، والتي تدرس المشاريع كما لو كانت هي الدولة، وتسعى لتحريك الرأي العامّ بشكل منهجي ومدروس، وهذا هو الذي يحمي أيّ مشروع إصلاحيّ في البلد.

المواجهة حركة وعي

إنَّ مواجهة الفساد ليست ملفًّا من الملفّات، وإنّما هي حركة وعي عملي، وإرادة بين الشعب وقياداته التي تريد أن تندرج في المشروع الإصلاحي، وإذا ما بقي الشعب اتّكالياً، فإنّ تحقيق الغايات لا يأتي من وراء الغيب، وإنّما تتحرّك أدواته ضمن شروط الواقع، وبذلك يثبت أنّه شعبٌ حيّ يمكنه أن يغيّر نسبيًا إن لم يغيّر كليًّا.

إننا أمام الواقع الإقليمي المهتزّ والمليء بالصراعات، والذي يهدّد مصالح الجميع، فإنه لا بدّ من توفير مقوّمات الحدّ الأدنى لوقف التدهور، بالإصرار على وحدة الوطن الداخليّة، وأن يصوغ علاقاته الخارجيّة من موقع مصالحه الواقعيّة، سواء ما يرتبط بحماية حدوده تجاه الاعتداءات الخارجيّة، أو من جهة علاقاته بالمحيط والجوار العربي والإسلامي. ومع الأسف، فإنّ الحاصل اليوم هو ربط كلّ شيء بالنزاع الإقليمي، حتّى في الأمور الدستورية الطبيعيّة التي أصبحنا معتادين على المماطلة فيها تحت ذرائع لا تثبت أمام الواقع.

ذكرى الانتصار

وأخيراً، تمرّ علينا ذكرى انتصار آب ٢٠٠٦، وهي المناسبة التي تؤكّد أنّ البلد قادر على أن يكون بلدًا عزيزًا ومستقلًّا، في الوقت الذي يسخّر علاقاته في سبيل مصلحته، وهذا الأمر كان ينبغي أن ينسحب على الواقع السياسي الرسمي، بحيث يُصاغ النظام والأداء السياسيّان انطلاقًا من هذه الروحيّة التي تضحّي بالمنافع الشخصيّة لمصلحة الوطن، إلى مستوى بذل الدّماء والشهادة، فكيف بما هو أقلُّ من ذلك بكثير؟!

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ الإمام الكاظم(ع): مواجهة الطّغاة حتّى الشّهادة منبر الجمعة: 10 صفر 1440هـ/ 19 تشرين أول 2018م عائلتي تنتقدني دوماً.. ماذا أفعل؟ العلامة فضل الله نعى المحسن الكبير الحاج كاظم عبد الحسين مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر