اليوم: الأحد12 صفر 1440هـ الموافق: 21 اكتوبر 2018

القيمة الجماليّة.. ومسؤوليّتنا تجاهها

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد جعفر فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

في هذه الجمعة المباركة، نحتاج إلى أن نتوقّف عند بعض المظاهر الّتي نعيشها في حياتنا...

فكثيراً ما نقارن بين بلادنا وبلاد الغرب، وخصوصاً إذا ما كان أحدنا قد زار الغرب، فيبدأ بالمقارنة بين ما عندهم وما عندنا، من حيث النظام والبقاع الجميلة، والتنظيم، والمساحات الشاشعة... أمّا بلادنا، فيقول انظروا إليها، إلى غاباتها التي صارت أشبه بغابات إسمنت، وبشوارعها التي تضيق، وبجبالها الخضراء العالية التي يتناتشها البعض كلّ يوم... هذا ما نصفه بحسرة وألم...

أين نحن من القيمة الجماليَّة؟!

وفي الواقع، فإنّ ما نحتاج إلى أن نركِّز عليه في هذا الموضوع، هو نقطة محدَّدة؛ وهي القيمة الجماليّة؛ أين نحن منها؟ وما هي مسؤوليّتنا تجاهها؟

ونحن غالباً ما لا نعتني بهذه القيمة، لأنّنا نشعر بأنّنا نعيش في ظلّ فوضى، وعلى أمل أن يكون هناك دولة وقانون ونظام، فنشعر بأنّه لا حاجة لأن نعير اهتماماً لمثل هذه القضايا، والتي قد يراها البعض هامشية أمام القضايا الحياتية الأخرى...

ونحن نعرف، أنّه في الوقت الّذي كان القرآن ينزل ليتحدَّث عن أمور الدّين، وأمور الطهارة، وعن الحروب، وعن الشّرك والكفر... كان يشير إلى الكثير من القضايا العالميّة التي لها علاقة بصلاح السّماوات والأرض... ولم يكن يترك شيئاً مما يتعلّق بوجود الإنسان على الأرض..

إذاً، عندما نطلّ على قضايانا الكبيرة، فلا يعني ذلك أن نترك مشاكلنا الصّغيرة، لأنَّ المشاكل الصغيرة تتحوّل مع الوقت إلى ركام كبير يضغط على حياتنا وأوضاعنا...

ثمّ إنّنا عندما نكون مؤمنين، فمعنى ذلك أنّنا تحكمنا مجموعة من القيم الأخلاقيّة والشرعية... لينطلق المؤمن من خلال ما يريده الله.

لكنّ هناك أمراً آخر، وهو أنَّ كثيراً من هذه القضايا يحتاج منا إلى تربية، والتربية تعني مجاهدة النفس، لأنّ الكثير من الأحكام قد تكون على خلاف هوى الإنسان وما يشتهي... فهناك نوازع في داخل النفس، منها الطمع والجشع والبغض والأنانية... هذه تحتاج إلى مواجهة.

تجاوز القوانين.. أيّ أثر؟

لكن بالعودة إلى القيمة الجماليَّة التي نتحدَّث عنها، نضرب المثل بالتعدّي على مساحات البناء في الكثير من الأماكن. فالمعروف أنّ هناك قانوناً ينظّم مسألة البناء على العقارات، باعتبار التنظيم المدني الّذي يلحظ الكثير من الأمور التي تهمّ الجميع...

سماحة السيّد فضل الله (رض) كان يقول لا يجوز التعدّي على المساحات الخضراء ولا على ما ليس للإنسان الحقّ فيه، ولم يكن الناس آنذاك يدركون أبعاد هذا الكلام.. اليوم وصلنا إلى ما حذّر منه، وبتنا نريد لأولادنا مساحات يلعبون فيها، ولكن ، أين هي تلك المساحات؟...

إذاً، القيمة الجماليّة الّتي لم نعتنِ بها، أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من المشاكل النفسيّة والصحية والجسديّة التي نعانيها، ولو من دون أن نشعر.

وعندما يقول الله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، فنحن الّذين نصنع الفساد... ونحن عندما نتجاوز هذه القوانين، يصبح عندنا إنتاج للقبح وليس للجمال.

الطرقات باتت ضيّقة، والمساحات الخضراء باتت معدومة، وهذا ما يؤدّي إلى التلّوث، لانعدام الشّجر...

هناك مسؤوليّة فرديّة، بمعزل عن سلطة الدولة وتطبيق القانون، فلا يجوز لأحد أن يتعدّى على الحيّز العام الذي هو حيّز مشترك...

واحدة من فلسفة النظام في الإسلام، هي حفظ الأموال والأنفس، وكلّ ما يعارض ذلك لا يجوز...

فإذا بقينا نتصرّف دون أن نعير اهتماماً للقيمة الجماليّة لقرانا ومدننا وبلداتنا، فإلى أين يمكن أن نصل؟

مثال آخر: الإعلانات العامَّة. في الغرب، ممنوع وضع الإعلانات على الأوتوسترادات الطويلة، حتى لا تشتِّت نظر السّائق وتتسبَّب بالحوادث، وحتّى يتمتَّع المواطن بجمال الشّوارع بعيداً من ضغط المدن والتوتر...

في الغرب، وضعوا قوانين وأسساً للإعلانات، ونحن أخذنا من الغرب هذه الوسائل الإعلانية، ولم نأخذ منه اعتناءه بقيمة الإنسان، والّذي هو موجود أصلاً في إسلامنا...

كلّما اعتينا بهذا الأمور أكثر، كلّما استفدنا واستفاد أولادنا، وكلّما أهملناها، سيكون وضع أولادنا أصعب...

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

لبنان بلا حكومة بعد!

في لبنان، يبدو أنّ مسار تشكيل الحكومة، ورغم مرور ثلاثة أشهر، لازال يتعثر، ولا يبدو أن أفقاً للحلول يلوح في وقت قريب، فمازالت الخلافات هي نفسها، بدءاً من الخلاف القديم حول تحديد أحجام القوى السياسية في الحكومة، حيث الإصرار من البعض على أحجام مبالغ فيها، إلى أزمة التنازع حول الصلاحيات بين رئاستي الجمهورية والحكومة، التي تنذر بالتفاقم بسبب المهلة غير المحدّدة لرئيس الحكومة في تشكيلها، وما يستتبع ذلك من فتح الأبواب أمام مسائل دستورية، لا يرى أغلبية اللبنانيين مصلحة راهنة في إثارتها...

إننا نرى أنَّ هذه الخلافات التي تتحرّك عناوينها في الخطاب السياسي، وفي السجال الحادّ بين الأفرقاء السياسيّين، يمكن معالجتها بالحكمة السياسية، لكنّ المسألة الخلافيّة تبدو أكثر تعقيداً وعمقاً، الأمر الذي يفسّر هذا التصلّب السياسي غير المعهود في المواقف. وربما نطلّ في هذا المجال، على ما يثار من أنّ الصراع حول الأحجام يتصل بمعركة رئاسة الجمهورية، وبأنّ عمر الحكومة القادمة سوف يمتدّ طويلاً، وأنها هي التي سوف تحدّد موقع لبنان الإقليمي، وخصوصاً العلاقات مع سوريا، والتي هي من أبرز القضايا التي تثير انقساماً حاداً بين القوى السياسية اللّبنانية.

وللأسف، فإنّ مقاربة هذه القضيّة الخلافيّة في المشهد السياسي، لاتزال تخضع في كثير من الأحيان لحسابات ومصالح ذاتية، ولا تتمّ مقاربتها بموضوعية وعقلانية تأخذ في الحسبان مصالح لبنان العليا، وخصوصاً مصلحته الاقتصادية، حيث تدهور اقتصاد البلد قد وصل إلى أسوأ درجاته.

وإذا كنا نتفهم ما يبديه العديد من القوى السياسية من هواجس من استعادة هذه العلاقات، بعد ما شهدته من سوء في السنوات الماضية، فإننا ندعو إلى حوار صريح في العمق، يتناول هذه الهواجس، ويبثّ من الطمأنينة ما يكفي لاستعادة الثقة بين الجميع، على خلفية صوغ علاقات لبنانية ــ سورية سليمة، كما ندعو في الوقت نفسه إلى عدم ربط مصير لبنان ومصالحه بحسابات الصراعات الإقليمية، بانتظار تسويات هنا تطلق الضوء الأخضر، أو رهانات على تغييرات في المنطقة، وهو ما تعمل على إثارته بعض المواقف السياسية الغربية التي لاتزال تستثمر قضية النازحين، أو قضيّة الإعمار في سوريا، لإحداث تغييرات سياسية فيها، وهو الأمر الذي طوته التطوّرات السياسية إلى غير رجعة، كما يرى الخبراء والمراقبون.

إننا لا نريد أن نستخفّ بحجم التعقيدات القائمة، ولا بخلفيات المواقف المطروحة التي تؤخّر تشكيل الحكومة، لكنّنا نريد أن نقول للقيادات السياسية، وباسم الشعب المنهك بأزماته المعيشية والخدماتية، إنكم كما تعيشون حالة طوارئ وحساسية فائقة بكلّ ما يتصل بمواقعكم في السجال السياسي، نريد لكم أن تكونوا على المستوى نفسه من الحساسية في معالجة آلام هذا الشعب وأوجاعه، وهو الذي منحكم كل ثقته في الانتخابات التي لم يمض عليها أشهر، ووضع كلّ آماله على وعودكم.

لوقف الحرب العبثيّة

وبالانتقال إلى اليمن، نتوقّف عند غارات التحالف العربي المتواصلة على الشعب اليمني، حيث ترتكب المجازر تلو المجازر، التي تطاول المدنيّين والأطفال خصوصاً، لنقول إنّ كلّ ما يساق من ذرائع لهذه المجازر، تتصل بخطأ هنا أو خطأ هناك، هو غير مبرَّر وغير أخلاقي، وهو أمر بات مجال تنديد أو إدانة من المنظمات الدولية وأوساط الرأي العام الدولي، من دون أن يغيّر من طبيعة المعركة وموازينها. فأحداث اليمن المستمرة منذ سنوات، أثبتت أن مثل هذه السياسة لن تؤدّي إلى تحقيق أهدافها، بل إنها تؤدي إلى عكس ذلك، على ما تثبت المجريات الميدانية، كما تلحق الأذى السياسي والمعنوي والأخلاقي بالمرتكبين، فضلاً عما تلحقه من أضرار فادحة بالعلاقات المستقبلية بين دول المنطقة وشعوبها، ومن ألوان الكراهية والحقد ونوايا مستجدّة للثأر والانتقام.

إننا ندعو مجدّداً إلى وقف هذه الحرب، واعتماد الحوار السياسي مدخلاً وحيداً لإنهاء الأزمة، والذي نريده أن يحفظ حقوق كلّ فئات الشعب اليمني ومكوّناته على قدم المساواة، والبدء بفكّ الحصار ووقف آلة القتل، بعد أن أُثخن مئات الآلاف من أبناء هذا الشّعب بجراح الموت والجوع والبؤس، وطيّ هذه الصفحة الدامية لمصلحة عودة هذا البلد الكريم إلى ساحة الأمن والسّلام والوحدة.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ الإمام الكاظم(ع): مواجهة الطّغاة حتّى الشّهادة منبر الجمعة: 10 صفر 1440هـ/ 19 تشرين أول 2018م عائلتي تنتقدني دوماً.. ماذا أفعل؟ العلامة فضل الله نعى المحسن الكبير الحاج كاظم عبد الحسين مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر