اليوم: الأحد24 ذو الحجة 1440هـ الموافق: 25 اغسطس 2019

كيف تُحَلُّ مشاكل الحضانة بعد الطّلاق؟!

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد جعفر فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

من المواضيع التي يكثر الجدل حولها في هذه الأيّام، موضوع حضانة الأولاد بعد الطّلاق. ونحن نحتاج في هذا اللّقاء المبارك في يوم الجمعة، إلى أن نطلَّ على بعدٍ من الأبعاد التي لا يجري الحديث حولها، وهو بعدٌ وقائيّ، بمعنى أن نتحدّث عنه حتى لا نقع في المشكلات التي تصيب مجتمعاتنا بين الفينة والأخرى.

ولا نريد هنا أن نتحدّث عن الجدل الفقهي حول سنّ الحضانة، فهذا أمر يحتاج إلى مجال ليس هنا المكان المناسب للحديث عنه، ولكن نقول إنّ هناك تنوّعاً كبيراً في الآراء الفقهيّة لها علاقة بسنّ الحضانة، ويمكن أن تشكّل أساساً لتفكير فقهيّ متجدّد في هذه المسألة.

البعد التربويّ في بناء الأسرة

ولسنا أيضاً في مقام الحديث عن علاقة هذا الموضوع بالطائفيَّة وعمل المحاكم الشرعيَّة... ما نريده، هو أن نطلَّ على البعد التربويّ فيما له علاقة ببناء الأسرة، لنرصد الطريقة التي يتعاطى بها القرآن الكريم عندما يريد أن يحلّ مشكلة من المشكلات الاجتماعيّة، فالقرآن لا يطرح فقط ما هو القانون، وإنما يحيط الإنسان بشبكة من التوجيهات والقواعد التي إذا قام الإنسان بما يلزمه تجاهها، استطاعت أن تشكّل شبكة أمان له بالنّسبة إلى العلاقات الأسرية وغيرها من العلاقات في المجتمع...

ولذلك نقول ابتداءً إنّه حتّى لو صدر قانون جديد فيما يتعلّق بموضوع الحضانة، فلن يحلَّ كلّ المشاكل، لأنَّ القانون إنّما يشكّل نقطة ارتكاز، أمَّا الحلول، فهي تتبع عملاً تربويًّا مستمرّاً ودائماً...

معنى الحضانة فقهيًّ

في البداية، الحضانة من الناحية الفقهيَّة، تكون من خلال الجواب عن السؤال التالي: مع من يسكن الولد بعد انفصال والديْه؟

فيقال: سكنى الولد في أوّل سنوات الطفولة المبكرة، يكون مع مَن هو أليق من الطّرفين وأكثر قدرةً على إدارة شؤونه من غيره، ومن الطبيعيّ أن نتحدَّث هنا في هذه المرحلة عن الأمّ، والآراء الفقهيَّة متنوّعة في هذا المجال، والسيّد فضل الله في رأيه الفقهيّ، يقول إنّ الحضانة للأمّ حتّى عمر السّبع سنوات، وبعدها نقول إنَّ الأولى أن يسكن مع أبيه، وبعد البلوغ والرّشد، هو الذي يختار مع من يكون.

إذاً الأساس في الحضانة أن يكون هناك رعاية لشؤون الولد، وأن نحلّ مشكلته بأقلّ الخسائر الممكنة...

شبكات أمان قرآنيّة

والقاعدة الأولى الّتي وضعها الله للزّوجين في حالة الطّلاق هي قوله: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، أن لا ينسى كلّ طرف من الطّرفين فضل الآخر وحسناته ويركّز فقط على السيّئات...

فالله يريد أن يبني عنصراً من عناصر شبكة الأمان لأولادنا، فيقول لنا إنّ عليكم منذ البداية، عندما تربّون أولادكم وبناتكم وتنمّون شخصيّاتهم، ربّوهم على أساس أنّهم عندما يختلفون مع بعضهم البعض، أن يبقوا يذكرون إيجابيّات الذين يختلفون معهم...

والقاعدة الثانية، يقول تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ}، بمعنى أنّ إدارة الشّؤون فيما يتعلّق بمصلحة الولد أو البنت، لا ينبغي أن تخضع لمبدأ الإضرار بالطّرف الآخر... لا الزّوج تجاه زوجته ولا العكس... والموضوع يبدأ من مصلحة الولد...

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

نقول اليوم بأنّه ينبغي أن نرجع إلى هذه الشّبكات التي بيّنها الله في كتابه، فنربي أولادنا عليها... ويمكن من خلالها أن نحلّ معظم مشاكلنا، والبقيّة نحلّها بالقانون...

من مشكلة حضانة الأسرة إلى مشكلة حضانة الإنسان في هذا البلد، الّذي لايزال يعاني كثيراً من آبائه السياسيّين، الذين إنّما جلسوا في مواقعهم لأنّه منحهم ثقته، وأعطاهم وكالة لإدارة شؤونه، بما يرفع من مستوى حياته، ويؤمّن له الفرص الّتي تكفل له العيش بكرامة، وتعطيه الأمل بمستقبل آمنٍ لأبنائه.

تعطيل المؤسَّسات.. لمصلحة من؟!

إنّ الشّعب اليوم يرزح تحت الهمّ الحياتي اليومي، وهو في قلقٍ دائمٍ، وتعبٍ مستمرّ، بما جعله يعيش لا تحت خطِّ الفقر المادّي فقط، وإنَّما تحت مستوى الحدِّ الأدنى من الاستقرار النّفسي والسكينة الروحيّة، هذا في الوقت الذي يجب أن يكون المسؤولون في تعبٍ دائمٍ، وسهر مستمرّ، وبذلٍ دائمٍ للجهود، لكي يرتاح الإنسان في الحدِّ الأدنى.

هل يفكّر كثيرٌ من الآباء السياسيّين كيف سيكون حال أبنائهم من هذا الشّعب عندما يتصلّبون في المواقف لأجل جني منافع شخصيّة، أو عندما يقفون عقبة أمام تمرير مشاريع ترفع الأمراض والأوبئة عن بيئة المواطن، عن مياهه وطعامه وهوائه الذي يتنفّسه، فضلًا عن تعزيز واقعه الاقتصادي والأمني والسياسي على أكثر من صعيد.

ممّا يؤسف له، أنَّ الحرب الأهليّة اللّبنانيّة قد انتهت بمعناها العسكري، ولكنّها لم تنتهِ على مستوى الذهنيَّة، بحيث لم ننتقل إلى ذهنيّة المؤسّسات التي تدير الخلافات بطريقة عقلانيّة وموضوعيّة، وبقينا في ذهنيَّة الأفراد الذين يستطيعون أن يُشعروك في لحظة أنَّ البلد على كفّ عفريت، وأنّهم يملكون القدرة على تعطيل المؤسَّسات الكبرى، هذه المؤسَّسات التي إذا عملت ليل نهار، بالكاد تستطيع أن تحلَّ شيئًا قليلًا من المشاكل المتراكمة، فكيف إذا عطّلناها يومًا ويومين وشهرًا وشهرين، فماذا سنحلّ بذلك؟

لبنان محميّ من الفتنة؟!

إنَّ حرص القيادات على السِّلم الأهلي في لبنان، يجب أن ينعكس في حالة طوارئ تحافظ على البلد ومؤسَّساته، وتمارس أقصى درجات التجرّد في اتخاذ المواقف، على قاعدة تغليب المصلحة العامَّة على المنافع الفئويَّة، ولا تتّكل – في الوقت نفسه – على مقولة أنَّ لبنان محميّ من أيّ فتنة داخليَّة بفعل استظلاله بقرار دوليّ وإقليميّ يمنع ذلك، ففي ظلِّ التناحر الحادّ بين المشاريع المتقابلة في المنطقة، لا يؤمَن للبنان أن يبقى بمنأى عنه – لا سمح الله!-.

إننا في هذا المناخ السياسي الداخلي القاسي، والفائق الحساسية في توازناته الطائفية والسياسية، نعبّر عن القلق تجاه ما يمكن أن يثار في المرحلة المقبلة من سجالات حول دستور الطائف، والتي ينبغي أن تُقارَب بذهنيّة علميّة وموضوعيّة، تحاكي احترام واقع كلّ المكوِّنات، وترتقي بالبلد إلى اعتماد الكفاءة معيارًا أساسيًّا لبناء البلد، وليس أيّ معايير أخرى ترتبط بالشّكل أكثر من ارتباطها بالمضمون الحقيقيّ لعمليّة النهوض ومسيرة التطوير.

صفقات تستنزف المنطقة

ومن حضانة الإنسان في هذا البلد، إلى حضانة الأمّة، حيث الإنسان العربي والمسلم أصبح مكشوفًا بالكامل أمام المشاريع المصيرية التي تحاك وتدار على طريقة الصفقات التجارية، بكل أسف، وأوّلها صفقة القرن، في الوقت الّذي لاتزال نيران الحروب مستعرة على مساحة المنطقة، وإن كنّا نأمل أن تفضي بعض المبادارت السياسية التي تتحرّك أخيرًا على أكثر من صعيد، إلى إنهاء أنهار الدماء والصّراعات، سواء داخل الدول أو فيما بينها، وندعو إلى تفعيلها والانسجام معها، سواء في اليمن أو في سوريا، أو في ما يخص العلاقات الخليجية الإيرانية، حتى تتّسع مساحة الانفراج السياسي، وننتهي من هذا الاستنزاف الأمني والاقتصادي والسياسي الذي بدّد كلّ مواردنا وطاقاتنا، وأن تبدأ ورشة إعمار حقيقيّة، لا للحجر فقط، وإنّما لإنسان هذه الأمّة، الذي تشوَّه في حسّه الإسلاميّ، في تمثّله لإسلامه كما في علاقته بالمسلم الآخر، وضعُف في نخوته العربيّة التي كانت قاعدةً لإقراء الضيف والمبادرات نحو المكارم والفضائل، حتّى يعود للأمّة بريقها، ولكي تشعر الأجيال التي تلقّت الصّدمة الكبرى في كلّ ما جرى في السنوات الماضية، كي تشعر بالأمل من جديد، في إمكانيّة نهوض أمّتنا، لتكون في موقع الريادة العالمي على أكثر من صعيد.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة السبت 31 آب أوّل أيّام شهر محرَّم 1441هـ منبر الجمعة: 23 آب 2019م قصَّة المباهلة.. وانفتاح الإسلام على الآخر فضل الله في يوم الغدير: نحياه بالوحدة ورفض الفتنة زيادة عدد الصّهاينة الذين يتعلمون اللّغة العربيّة! الإسلام يزداد انتشاراً بين النساء في كوبا الحقد.. والحسد! يوم الغدير: يوم تثبيت الإيمان بخطِّ أهل البيت (ع) منبر الجمعة: 16 آب 2019م دراسة تحثّ على منع الهواتف وتشجيع الرياضة
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر