اليوم: الاثنين24 محرم 1441هـ الموافق: 23 سبتمبر 2019

فوضى الفتاوى تهدّد استقرار الأسرة وتخلق جيلاً مشوَّها

تحقيق..

إذا كان المعنى الحقيقي للفتاوى الدينية تنظيم الحياة اليومية للناس، فإنه لم يعد لهذا المعنى وجود على أرض الواقع، بعدما تحول بعضها إلى سلاح يهدم الأسر ويضرب استقرار المجتمع. وقد دفعت ممارسات البعض من ذوي عدم الاختصاص، إلى لجوء أسر إلى فتاوى تتواءم مع حياتها الشخصية، دون التفات إلى تضاربها مع فتاوى أخرى.

 ومن أغرب الفتاوى التي حظيت باهتمام لافت في مصر، جواز انفصال الزوج عن زوجته إذا كانت تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأخرى تدعو الآباء إلى رفض زواج بناتهم من شباب ينتمون إلى الإخوان، وثالثة تبيح لولي الأمر أن يتخلى عن الإنفاق على ابنه أو ابنته إذا كانت تناهض النظام الحاكم أو تهاجم الجيش والشرطة، ورابعة جعلت من التصويت في الانتخابات المصرية واجباً شرعياً، وهكذا.

صحيح أن هذه الفتاوى لم تستهدف أسرة بعينها، لكن الفتوى المثيرة للجدل خلال الأيام الأخيرة، هي تلك التي صدرت عن الداعية خالد الجندي، وقال فيها، إن الطلاق الشفهي من الزوج لزوجته غير معترف به إسلامياً، ولا بدّ من أن يكون مكتوباً وموثّقاً.

الفتوى جاءت على خلفيّة تأزم العلاقة الزوجية بين (أحمد ومنال) في مدينة طنطا، الواقعة في دلتا مصر، فقال الزوج لزوجته شفهيّاً: "أنتِ طالق" ثلاث مرّات، ما يعني وفقاً لرأي بعض الفقهاء، الانفصال عنها طيلة حياته، والعودة فقط بمحلّل، بمعنى أن تتزوّج من آخر وتطلّق منه ثم تعود إلى زوجها الأول.

بعدها لجأ الزوجان إلى الداعية خالد الجندي لتوضيح طبيعة العلاقة بينهما بعد الطّلاق، خصوصاً أن علاقتهما استقرت واتّفقا على استكمال حياتهما حفاظاً على مستقبل أبنائهما، فكان ردّ الجندي أنّ الطلاق الشفهي لا يجوز، ويشترط لتحقيقه أن يكون مكتوباً.

وتسببت هذه الفتوى بموجة جدلٍ بين علماء وشيوخ ومؤسّسات دينية رسمية، حيث خرج علماء من مؤسستي الأزهر والإفتاء، وأكّدوا حرمة هذا النوع من الزواج، على اعتبار أنّ الطلاق الشفهي معترف به ولا يجوز للزّوجين أن يستكملا حياتهما معاً. وحيال هذا التّضارب، استقرّ الزوجان على تجاهل الجميع واستكمال الحياة، بعدما فشلا في الحصول على فتوى موحّدة من كل الأطراف.

صحيح أن المؤتمرات والنّدوات الدينية على مدار سنوات ناقشت فوضى الفتاوى وتأثيراتها في الأسرة والمجتمع بشكلٍ عام، وكان آخرها مؤتمر الإفتاء العالمي بالقاهرة قبل 3 أشهر، لكن بقي الحال على ما هو عليه، وبقيت الكثير من الأسر حائرةً بين الفتاوى المتناقضة. كما لم تفلح أيضاً الأساليب غير التقليديّة الّتي أقرّتها بعض الدول العربية، حيث جرى تأسيس بنوك للفتاوى ومراصد لها للتواصل باستمرار في ما يخصّ المواطنين، وتحديداً ما يتعلّق منها بالأسئلة والفتاوى المتعلّقة بالأسرة والمجتمع.

من هنا كان السؤال: هل الأسرة مسؤولة عن اتساع نطاق الفتاوى المضللة والهدامة بلجوئها إلى جهات غير مختصة للردّ على الفتاوى، أم أنّ الجهات المختصة هي المسؤولة عن هذه الفوضى؟

إبراهيم نجم، مستشار مفتي الجمهورية في مصر، أجاب عن هذا التّساؤل لـ"العرب" قائلاً إن أحد الحلول المثاليّة للحد من فوضى الفتاوى، أن تلجأ الأسر والأفراد إلى المتخصصين في الفتوى، حتى لا تتفاوت الفتاوى ويصبح المجتمع في حيرة من أمره، ما قد يتسبب في عدم استقرار نفسي لدى هذه الأسر أو الأفراد.

واعتبرت سلوى الحنّاوي، أستاذة علم اجتماع الأسرة، أن من أخطر العوامل التي قد تدفع بالأسرة إلى الهاوية والسّقوط إلى منحدر غامض، انتشار الفتاوى الشاذّة التي تتعلق بالمرأة خصوصاً، وبأنماط حياة الأسرة عامّة. وأشارت لـ"العرب" إلى أن المجتمعات العربية باتت تئنّ من وجود دعاة متشدّدين كانوا سبباً رئيساً في دمار العلاقات الأسريّة وتفكّكها، استناداً إلى رؤيتهم في ما يخصّ الحياة الاجتماعيّة للناس.

وأوضحت أنّ بعض الأسر أصبحت تعاقب وتمنع وتمنح، بل وتعذّب أبناءها أحياناً، استناداً إلى فتاوى مضلّلة من بعض الأشخاص، ما يبعث على الانقسام الشديد داخل هذه الأسر، وهناك أيضاً أسر أخرى ترى أنه مع تضارب الفتاوى إلى هذا الحدّ، فإن لها الحقّ في أن تخرج من تحت عباءة كلّ هذه الفتاوى نحو اتّباع أسلوب لحياتها بعيداً عن الدين والفتوى والمؤسّسات الدينية.

كلّ ذلك يضرب استقرار الأسر، بحسب سلوى الحناوي، ويمهّد الطريق لإنشاء جيل متشدد، لأن أسرهم تعاملت معهم وفقاً لفتاوى متشدّدة أحياناً، وفتاوى بحسب معتقداتهم الخاصّة في أحيان أخرى.

والأخطر أنّ هذا الجيل المتشدّد سيتعامل مع أبنائه بالنّهج نفسه الذي تربى هو عليه، ما ينذر بنشوء جيلٍ كاملٍ لا يعير للدّين أو المجتمع أيّ اهتمام، يستخلص من الفتاوى ما يشاء، ويخلق لنفسه فتاوى كيفما شاء، ويكون الترابط الأسريّ الحلقة الأضعف فيه.

وتحدّثت نادية رزق ـ تعمل معلّمة بالقاهرة ـ عن ذلك بقولها: "في المسائل الخلافية، يكون رأي دار الإفتاء الأصحّ، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلّق بمستقبل الأسرة". نادية قالت لـ"العرب" إنّ الأزمة الحقيقيّة تكمن في الطبقات الفقيرة، التي تجهل طريقة التواصل مع دار الإفتاء، فهؤلاء أكثر ما يتأثرون بالفتاوى الفضائية من ذوي عدم الاختصاص، بل إنهم يأخذون آراء شيوخ بعينهم على أنها صادقة ولا جدال فيها، حتى لو كانت تتناقض مع رأي دار الإفتاء. وأكّدت أنّ الإعلام أحد أسباب انتشار الفتاوى الّتي قد تضرب استقرار الأسرة، باستضافته شخصيّات تدّعي أنها دينية وتثير الجدل، ويحاول أيّ برنامج تحقيق نسبة عالية من المشاهدة على حساب استقرار الأسرة، ما يتطلّب تدخّلاً عاجلاً بتقنين هذه الظاهرة الخطيرة.

وختمت نادية رزق بالقول: أعرف ربّة منزل استمعت إلى فتوى من أحد الدعاة، تقول "إن الدين لم يجبر الزوجة على خدمة زوجها إذا لم ينفق عليها"، فامتنعت عن أداء واجبها من الأعمال المنزلية إيماناً منها بما جاء في نص هذه الفتوى، وكاد زوجها أن ينفصل عنها بعد تكرّر المشكلات بينهما، لولا تدخّل أحد الشيوخ لإقناعها بطاعة زوجها في المنزل، وهذا مثال واحد من أمثلة عديدة أصبحت حديثةً على المجتمعات، بسبب الفتاوى الهدّامة للاستقرار الأسري.

وتعليق..

من المعروف ما للفتاوى الدينيّة من أهميّة في توجيه النّاس وتثبيت دعائم المجتمع. من هنا أهميّة أن يتصدى لهذه المهمة الحسّاسة أناس من ذووي الأخلاق والتقوى والثقة العلمية والشخصية، لأن حياة الناس تتطلب مؤهّلين على المستويات كافّةً لرفدها بما تحتاج. وما نراه اليوم من فتاوى شاذّة من هنا وهناك، يدلّ على الواقع المرير الّذي يهدّد المجتمع ويحتاج إلى وقوف أهل الخبرة والعلم في وجهه، لإعادة التّوازن إلى المجتمع، وعدم الاكتفاء بالبيانات والكلام المستهلك. فالفقيه شاهد عصره، ومهمّته خطيرة وحسّاسة، ولا بدّ له أن يكون مثقّفاً ومواكباً لحركة تطوّر عصره، لا أن يكون معيقاً لحركة المجمتع ومهدّداً لها.

وحول دور الفقيه، يشير سماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض) إلى ذلك بقوله:

"{وما كان المؤمنونَ لينفِروا كافّةً فلولا نفَرَ مِن كلّ فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقَّهوا في الدّين وليُنذِروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذَرون}[التّوبة: 122].

ومن اللافت في هذه الآية، أنها ركَّزت على التفقّه في الدّين الذي يشمل مسألة العقيدة والشريعة وحركة المنهج في الواقع، بحيث يعيش المؤمنون الاكتفاء الذّاتي في كلّ ما يحتاجون إليه من المعرفة الإسلاميّة في خطّ النظريّة والتّطبيق، الأمر الذي يفرض على هؤلاء المتفقّهين في الدين أن يواجهوا كلَّ علامات الاستفهام التي تثيرها التطوّرات الحياتية في أفكار النّاس، وكلّ التحدّيات التي تطلقها حركة الصّراع في ساحة الواقع، فلا يبقى هناك أيّ فراغ يعطّل حركة الحذر الواعي في ذهنيّة الأمّة وفي تطلّعاتها المستقبليّة.

إنّ الآية تخطّط للمراحل القادمة التي تمثّل الامتداد الحضاريّ للإسلام في واقع الأمّة، ليبقى لها ـ في كلّ جيل ـ طلائع متقدّمة تقود الحياة على أساس الإسلام في مواجهة كلّ المتغيّرات وكلّ التحدّيات.

إنّ الفقهاء ورثة الأنبياء في العلم والدعوة،كما يقول البعض في تفسير الحديث، فلا بدّ من أن تقوم بهم الحجّة على النّاس من خلال ما يريد الله لهم أن يكونوا في مستوى إقامة الحجّة عليهم من قبله، تماماً كما هو النبي الّذي تقوم به الحجة على الناس من قبل الله.

وهم ورثة الأنبياء وأمناء الرّسل في قيادة المسيرة، فلا بدّ لهم من الارتفاع إلى المستوى الرفيع من وعي الحياة، بالإضافة إلى وعي الإسلام، لأنه لا معنى لقيادة لا تعرف كيف تخطط لحركتها، أو تواجه جمهورها بالتوعية الشاملة.

والفقيه شاهد عصره، وقائد أمّته، ورسول ربّه من دون وحي أو نبوَّة، ونذير للنّاس في كلّ ما يواجههم من قضايا ومشاكل في الحاضر والمستقبل؛ إنّه الّذي يملأ فراغ الحياة من النبوّة ليكون دوره دور الرّسالة المتحركة في أكثر من اتجاه وعلى أكثر من صعيد.

إنّ العصر يتطوّر بسرعة، فلا بدّ للذين يضعون أنفسهم في موقع القيادة من أن يلاحقوا كل خطوات التطوّر بالسّرعة نفسها، ليواكبوا الحياة في قضاياها المتحركة المتجدّدة بالحلول الإسلاميّة الواقعيّة التي تمنح الإنسان جواباً عن كلّ سؤال، وحلاًّ لكلّ مشكلة، لأنّ أيّ تأخّر عن الاندفاع في هذه المواكبة الفكريّة والعمليّة، قد يدفع النّاس إلى الانكفاء والجمود، أو البحث عن قيادةٍ أخرى لمسيرةٍ بعيدةٍ عن خطّ الإسلام، وهذا مما لايرضاه الله ورسوله في كلّ زمان ومكان".[المصدر: كتاب الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل، ص 112-113].

[مصدر التّحقيق: جريدة العرب اللّندنيّة، بتصرّف وتعليق من موقع بيّنات].

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة تربية الطفل على حبّ الله منبر الجمعة: 20 أيلول 2019 م سنّة الابتلاء: تمحيصٌ للإيمان وسبيلٌ إلى الجنَّة فضل الله استقبل وفداً من حركة التّلاقي والتواصل الخلاف بين العلماء؟! أخي ذو طباع صعبة؟! منبر الجمعة 13 أيلول 2019م نيويورك تايمز: لماذا تجرّد الهند مواطنيها المسلمين من الجنسيّة؟ المؤتمر التّربوي الثّامن والعشرون: "المبرّات من المأسسة إلى التّميز المؤسّساتيّ" أخطر الكذب.. ومسؤوليّة التثبّت من الأحاديث
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر