اليوم: الأربعاء19 شعبان 1440هـ الموافق: 24 ابريل 2019

السيّد فضل الله في حملة التّوحيد الكويتيّة


الحاج سيّد جابر بهبهاني


تأسّست حملة التّوحيد الكويتيّة للحجّ والعمرة في العام 1979م، وهي حملة خيريّة لم يرد المؤسّسون لها والقائمون عليها، وعلى رأسهم العمّ الحاج كاظم عبد الحسين محمد "حفظه الله تعالى"، من عملهم هذا إلا الثّواب والإحسان من المحسن القدير، وحرصاً منها على بثّ الوعي والفكر الإسلاميّ الأصيل وفق مذهب أهل البيت(ع)، وهو ما كان من الأهداف الأساسية للحملة. فقد تم دعوة الفقيد الغالي، سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله(رض)، ليرافق الحملة كعالم ومرشد دينيّ لها، لأنّه خير من يقوم بهذه المهمّة، وبناءً على هذا الأساس، رافق سماحته الحملة منذ تأسيسها في العام 1979م وحتى العام 1987م.


وخلال هذه الأعوام السّبع، نجح الفقيد الغالي في تأسيس علاقة أبويّة معنا، نحن أعضاء لجان الحملة (رجالاً ونساءً)، وقد كنّا نشتاق إليه اشتياق الابن إلى أبيه، وذلك لطول الفراق، فلقياه في وقتها كاد يكون مقتصراً من حجّة إلى أخرى، حيث كانت الظّروف الأمنيّة حينها لا تسمح بالتردّد على بيروت لزيارته، وأتذكّر أنّنا كنا ننتظر وصوله في مطار المدينة المنوّرة ونحن على أحرّ من الجمر، وفي غاية الفرح والسّعادة، وعند خروجه من صالة القادمين، نتزاحم عليه ونلتف من حوله للسّلام وتقبيل جبينه المشعّ نوراً، تماماً كما يتزاحم الأبناء على أبيهم للسّلام عليه من بعد سفر بعيد.

وأمّا عند وصولنا إلى مقرّ سكن الحملة، فكان سماحته يجلس ونحن متحلّقون به، نتحادث معه وهو يبادلنا الحديث ممزوجاً بمشاعر الحبّ والودّ، وكان كلّ واحد منّا يتمنّى أن يطلب الفقيد الغالي منه شيئاً ليسرع في تلبيته، وهكذا تكون الحال معه طوال موسم الحجّ، فقد كان هو مصدر الطّاقة المعنويّة الّتي تدفعنا إلى العمل، وكان الفقيد الغالي يعي ذلك ويشعر به، ولهذا كان يحرص على التّواجد معنا في الحملة.
لقد كان لتواضعه المميّز، والّذي قلّ نظيره عند غيره من أهل الفضيلة والعلم، الأثر الكبير في انفتاحنا عليه، فلم نشعر في يوم من الأيّام بالحرج معه من طرح الأسئلة مهما كانت بسيطة، والتي يعتقد البعض أنها يجب أن لا تطرح على مرجع أو عالم بمستواه، وكان ـ رحمه الله تعالى ـ يقول دوماً: "دعوا من لديه سؤال أن يسأل مهما كان بسيطاً وعادياً".

ومن المواقع الّتي كنّا نشعر فيها بتواضع السيّد فضل الله(ره)، والمشهود لها عند فريق الحملة، هي عند إعداد البرنامج العام للحملة الّذي كنّا نعرضه عليه، وذلك ليبدي رأيه إذا كان يتوافق مع برنامج لقاءاته المزحوم. وكما سيذكر لاحقاً مع العلماء والعاملين في السّاحة الإسلاميّة، يأتي الردّ منه بكلّ تواضع وجديّة: "عاملوني كأحدكم، ضعوا البرنامج كما تريدون وسوف ألتزم به". وفعلاً، كان يلتزم بتنفيذ برنامج الحملة، رغم ضغوط استقبال الضّيوف والأحبّة، ومن لديه سؤال، شرعيّاً كان أو فكريّاً، حيث لم يكن يصدّ أحداً.

ترى، كيف نجح في تأسيس هذه العلاقة؟ أختصر الإجابة عن هذا السؤال في وصف ضرار بن ضمرة للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) لما ألحّ عليه معاوية في ذلك، فمن ضمن كلام ضرار، قال عن العلاقة بالإمام أمير المؤمنين(ع): "كان واللّه فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكنّا مع دنوّه منّا وقربنا منه، لا نكلّمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسّم فعن مثل اللّؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدّين ، ويحبّ المساكين". وفي هذا الوصف الكفاية في علاقتنا مع الفقيد الغالي، ولا أزيد عليه. وقد سمعت للفقيد الغالي تسجيلاً بصوته يتحدّث فيه عن هذا الوصف وكأنّه يتحدّث عن نفسه...

ومن يتابع حركة الفقيد الغالي في الحملة، يجدها تتميز بالرسالية، وهي أن يجعل الإنسان المسلم الإسلام في كل تفكيره وحركته، ولهذا جعلت حركة الفقيد الغالي من الحملة:
  ـ منبر وعي للإسلام الحركيّ المنفتح، من خلال محاضراته وحواراته ونشاطاته الّتي تبدأ بصلاة الفجر، وتستمرّ طوال النهار ونصفاً من اللّيل إلى أن يخلد الفقيد الغالي إلى النوم، لا تنقطع حتّى أثناء تناوله للوجبات (الإفطار، الغداء، العشاء)، يحوط به الحجّاج أو الضيوف على المائدة وهو يحاورهم.
كنّا عندما نسمع المحاضرات المتنوّعة لسماحة السيّد(ره)، وتحليل الحكمة من مناسك الحجّ ومشاعره، ولا سيّما ما جاء به الإسلام عامّة، نشعر بأنّنا أمام منظّر للفكر والثّقافة الإسلاميّة، ارتقى إلى أن يكون حاجة ملحّة لهذا العصر والزمان، وهو شعور لم ننفرد به، بل يشاركنا به الكثير ممن يتابعون فكره وثقافته، وخصوصاً خلال السنوات الثّلاثين التي سبقت وفاته، وكان في بعض الأحيان عندما يطول الحوار بيننا وبينه عند الاختلاف في فكرة أو رأي، ويشعر بأنّ الحوار سوف يتحوّل إلى جدال، يقول لنا: "أنا إنسان مثلكم، فإذا كنتم تحتفظون بحقّ الاختلاف معي، فأعطوني هذا الحقّ أيضاً لأختلف معكم".

ـ  ملتقى للعاملين في السّاحة الإسلاميّة بمختلف المستويات العمريّة والقياديّة، فقد كنا نرى هؤلاء العاملين يتوافدون على الحملة (المدينة المنورة، مكة المكرمة، عرفات، منى) للقاء الفقيد الغالي، للاستفادة من علمه وخبرته في مجال العمل الإسلامي، وفي هذا المجال، كان يولي الشّباب اهتماماً خاصّاً، لأنّه كان يراهم الطّاقة التي تحرّك أيّ عمل إسلاميّ، ولهذا كان لا يكلّ ولا يملّ من محاورتهم.

ـ  منطلق للمشاريع الخيريّة، فالحملة كانت حلقة الوصل بين أصحاب الأيادي البيضاء والعديد من المشاريع الخيريّة، بدأت هذه المشاريع من مبرّة الإمام الخوئي الخيريّة في بيروت، وسحبت من ورائها بقيّة المشاريع التي أسّسها الفقيد الغالي.
ـ محراباً للتضرّع والخشوع، تهدأ فيه النّفس عندما يقرأ الفقيد الغالي مختلف الأدعية بعد الفرائض اليوميّة، وكذلك دعاء كميل بن زياد ودعاء الإمام الحسين(ع) في عرفات، بل وحتّى في قنوت الصّلوات المفروضة. وأنا شخصيّاً حفظت منه دعاء: "اللّهمّ من أمسى وأصبح وله ثقة ورجاء غيرك، فإنّي أمسيت وأصبحت وأنت ثقتي ورجائي في الأمور كلّها"، منذ العام 1979م، وكان يقرأه في قنوت صلاته.

ورغم حجم كلّ هذا النّشاط والجهود الّتي يبذلها، كان(ره) يستغلّها بالقراءة والكتابة والتّأليف، وكان يحرص على الذّهاب إلى المسجد النّبويّ لزيارة الرّسول(ص) وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين، والصّلاة والدّعاء عندهم، وكان يقوم بهذا يوميّاً بعد صلاة الفجر. وفي مكَّة المكرَّمة، كان يذهب إلى الحرم المكّي ليلاً بعد انتهاء برنامج الحملة، وهناك يطوف بالكعبة المشرَّفة وهو يقرأ دعاء كميل بن زياد الّذي يحفظه عن ظهر قلب، ثم يجلس في زاوية من زوايا صحن الحرم المكّيّ الشّريف، وتتحوّل هذه الزّاوية إلى ملتقى لعدد كبير من الأحبّة والأخوة الّذين كانوا يتوافدون للسّلام عليه وللاستزادة من فيض فكره وثقافته ونصائحه.

وأمر آخر امتازت به حركة الفقيد الغالي في الحملة، هو سماحة خلقه، سواء مع أعضاء لجان الحملة أو مع حجّاجها، حتّى في الظّروف الصّعبة والحرجة، وما أكثرها في موسم الحجّ! ولا شكَّ في أنّ هذه السّماحة أعانته على الدّخول في تفكير اللّجان والحجاج بسلاسة، وكان يحاورها بكلّ هدوء، وهو صاحب المقولة: "إذا أردت أن ينفتح لك عقل الآخر املك قلبه"، فلا أتذكّر أنّي رأيت الفقيد الغالي غاضباً يوماً حتّى في المراحل الحرجة الّتي كانت الحملة تمرّ بها أثناء أداء مناسك العمرة أو الحجّ، ولا أزعم أنها لم تحصل، بل أقول لا أتذكّرها لندرتها، بل على العكس، أتذكّر مواقف وقعت معه كان من الطبيعيّ أن يغضب فيها، ولكنّه تسامى عنها، منها أنّه في موسم من مواسم الحجّ، وقع اسمه بالخطأ من قائمة ذبح الأضاحي، فاضطرّ إلى أن يبقى في إحرامه إلى اليوم الثّاني من العيد، حتى تم ذبح الأضحية وعاد إلى منى للتّقصير والإحلال من الإحرام.

وفى أحد مواسم الحجّ، طلب أحد الأخوة من الفقيد الغالي(ه)، ومن دافع خوفه من أن يتعرّض الفقيد لعملية اغتيال، أن يخفّف من خطابه النّاقد والحادّ للأنظمة الإقليميّة والدّوليّة الّتي كانت تساعد صدّام حسين المقبور وتدعمه في حربه الجائرة على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، فردَّ الفقيد الغالي(ره) بما مضمونه: "إنّ الإمام الخمينيّ أصبح وحيداً في السّاحة يدافع عن الإسلام، وإنّ الثّورة الإسلاميّة تكالبت عليها كلّ القوى لإسقاطها، ولهذا أرى من الواجب أن أدافع وبكلّ قوّة عنها وعن قائدها". ومن يراجع خطاب الفقيد الغالي، سواء في خطب الجمع أو من خلال اللّقاءات في مختلف الوسائل الإعلاميّة في تلك الفترة، يلمس هذا الدّفاع. وقد تحمّل الفقيد الغالي بكلّ رضى نفس تكلفة موقفه هذا، فقد جرت العديد من المحاولات لاغتياله، أكبرها انفجار بئر العبد الآثم الّذي استهدفه، وكان ذلك في يوم الجمعة قرب مسجد الإمام الرّضا(ع) في الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، وهو المسجد الّذي كان يؤمّ الصّلاة فيه قبل بناء مسجد الإمامين الحسنين(ع)، وراح ضحيّة المجزرة عشرات الشّهداء والجرحى.

السّلام عليك يا فقيدنا الغالي يوم ولدت ويوم انتقلت إلى رحاب الله ويوم تبعث حيّاً.
المصدر: موقع البشائر

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن العلاج بالقرآن؟! مسؤوليَّة الإنسان بحجم قدراته كيف نكون الملتزمين بولاية المهديّ (عج)؟! الثَّقافة سبيل المسلمين لمواجهة "الإسلاموفوبيا" ما معنى أن نأمر أهلنا بالصَّلاة؟ فضل الله: لا يجوز أن يتحمَّل الفقراء فاتورة الإصلاحات اللّقاء السّنويّ العامّ للمبلِّغين في مؤسّسة المرجع فضل الله (رض) على القيادات الكفّ عن تغطية الارتكابات وتدارك ما فاتهم من مسؤوليّات هل هناك اغتصاب زوجيّ؟ منهج الإمام زين العابدين (ع) في الدَّعوة ومواجهة الانحراف 7 شعبان 1440هـ/ الموافق 12 نيسان 2019م
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر