اليوم: الثلاثاء7 صفر 1440هـ الموافق: 16 اكتوبر 2018

معركة أحد: دروس وعِبَر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. صدق الله العظيم.

في الخامس عشر من شهر شوّال من السنة الثالثة للهجرة، خرجت قريش لحرب المسلمين في معركة أحد. وقد أعدّت لهذه المعركة كلّ ما تستلزمه من عدّة وعتاد، لتحقيق نصرٍ كانت تريده ثأراً لهزيمتها النكراء في معركة بدر، ولتستعيد شيئاً من هيبتها.

وهي لذلك، أخرجت معها النساء كدافع معنويّ للرجال للقتال والصّمود، لأن انهزام المقاتلين أو فرارهم، يعني أن تقع النساء في الأسر، وهو ما كان يأباه العرب.

وصل خبر خروج قريش إلى رسول الله(ص) عبر عمّه العباس بن عبد المطلب، الذي بقي في مكّة، ولم يهاجر مع الرسول إلى المدينة. فاستشار رسول الله(ص) أصحابه في ذلك، وهذا كان دأبه دائماً، فهو لم يكن يتفرّد في قراراته، بل كان يستشيرهم في كلّ ما يريد الإقدام عليه، رغم أنه لم يكن بحاجة إلى استشارتهم، وهو المسدَّد من السماء، ومن قال عنه الله سبحانه وتعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. ولكنه كان يريد أن يحيي فيهم روح المشاركة، ويحثّهم على التفكير معه، فهو لم يقل لهم يوماً أنا أفكر عنكم واستريحوا من التفكير، بل كان يقول لهم فكّروا معي وأشيروا عليّ. وفي ذلك التزام بأمرٍ أراده الله أن يحكم حياة المسلمين في كلّ حركتهم ومواقعهم، ولم يُستثنَ منه أحد، حتى النبيّ(ص): {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}.

خطّة المواجهة

وعندما كان القرار بملاقاة المشركين خارج المدينة، خرج رسول الله(ص) لملاقاة جيش قريش في معركة غير متكافئة، لا من ناحية العدد، ولا من ناحية العدّة، فقد كان جيش المشركين يقدَّر بأربعة آلاف فارس، مع كامل العدّة والعتاد، فيما لم يتجاوز عدد المسلمين السبعمائة مع نقص في العتاد. لكن ذلك لم يؤثّر في معنويات المسلمين، ولا في إرادة القتال لديهم، وهم من نزلت فيهم الآية: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.

وقد اعتمد رسول الله(ص) في هذه المواجهة خطّةً عسكرية، كان قوامها أن يحمي ظهر جيشه من التفاف قريش عليه. ولذلك، وضع (ص) على مرتفع جبل اسمه "عينين الظفر"، مطلّ على ساحة المعركة وعلى المدينة، جماعةً من الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم: "انضحوا الخيل عنّا، ولا نؤتينّ من قبلكم، والزموا مكانكم إن كانت النّوبة لنا أو علينا".

بدأت المعركة، ولم يمضِ وقت طويل، حتّى تركت قريش أسلحتها، وولّت هاربة، مخلّفة وراءها غنائم كثيرة.

من نصرٍ إلى هزيمة!

في هذه اللّحظة، اقترف عدد كبير من الرماة خطأً مميتاً، عندما قرّروا أن يغادروا موقعهم الذي أمرهم رسول الله(ص) بالبقاء فيه، رغم تحذير قائد الموقع عبد الله بن جبير لهم، حتى يحصلوا على صفوة الغنائم، وحجَّتهم أن المعركة انتهت والنصر تحقَّق.

هنا، استغلّ خالد بن الوليد، الذي كانت عينه على هذه الثغرة، قلّة عدد الرماة في ثغرة الجبل، فحمل بمن معه من الرجال على الموقع، وقتل القلّة الباقية عليه، وباغت جيش المسلمين من خلفهم في شكل مفاجئ، فأمعن فيهم ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، فتفرّقت جموع المسلمين، ما أدّى إلى استشهاد عدد كبير من المسلمين، منهم الحمزة عمّ رسول الله، ومصعب بن عمير، حتى أشيع أنّ رسول الله(ص) قد قُتل، فيما فرّ أكثرهم إلى الجبال المحيطة بأرض المعركة وفي الصحراء، ولم تبق إلّا قلّة من المسلمين مع رسول الله ثبتت وبقيت تقاتل وتذبّ عنه.

تضحيات وثبات

وقد برزت في هذه المعركة أسماء ممن ثبتوا، وعلى رأسهم اسم عليّ(ع)، الذي تذكر الروايات أنّ سيفه كسر لشدّة ما قاتل استبسالاً في المعركة، ودفاعاً عن رسول الله(ص). فجاء إلى النبيّ(ص)، فقال له إنّ الرجل يقاتل بسلاحه، وقد انكسر سيفي، فأعطاه رسول الله(ص) سيفه ذا الفقار، فمازال يدفع به عن رسول الله(ص)، حتى نزل جبريل ينادي: "لا فتى إلّا عليّ، ولا سيف إلّا ذو الفقار". وبرز الصحابي أبو دُجانة، الذي جعل جسده ترساً يقي رسول الله به سيوف المشركين ورماحهم ونبالهم وحجارتهم، حتى استشهد بين يدي رسول الله. وبرز دور المرأة التي كان لها مشاركة فاعلة، حيث يذكر اسم أمّ عمارة نسيبة بنت كعب الأنصاريّة، التي قال عنها رسول الله(ص): "ما التفتّ يميناً ولا شمالاً إلّا وأنا أراها تقاتل دوني".

لقد ساهمت تضحيات تلك الثلّة من أصحاب رسول الله(ص)، في نجاة رسول الله، رغم ما أصابه من جراح. ومن حسن الحظّ، أنَّ أبا سفيان عندما وصلت إليه إشاعة مقتل رسول الله(ص)، تراجع عن الاستمرار في القتال، واكتفى بما حصل.

القرآن يخلّد المعركة

لقد شكّلت معركة أحد هزيمةً نفسيّةً لكثير من المسلمين، وكادت تودي بكلّ المعنويّات التي حصّلوها في معركة بدر. لكنّ الآيات القرآنية التي نزلت إبّان المعركة وخلالها، كانت كافية لترميم آثار الانكسار، ولتؤكّد للمسلمين أنّ خسارة جولة لا تعني خسارة المعركة.

فقد نزلت أكثر من ستين آيةً في ذلك، وهي وردت في سورة آل عمران على وجه الخصوص، نورد بعضها، لتبقى في الذاكرة دائماً، ولنستلهم منها معاني الثّبات والقوّة التي تسندنا في مواجهة أيّ إحباطات أو تهويلات إعلاميّة وهزائم نفسيّة يسعى إليها من لا يريدون خيراً بنا، وفي هذه المرحلة تحديداً.

فمن هذه الآيات الكريمة: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. فلا يأس ولا إحباط ولا قنوط في قاموس المؤمنين إن هم عاشوا الإيمان.

وآية أخرى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}.

ومن ثمّ، ترد آية عن الثبات: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.

وبعدها آيات عن مصير الشهداء: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

لقد جاءت هذه الآيات لتبلسم جراح المسلمين، وقد أفاض عليها رسول الله من أخلاقه الكريمة، فهو بعد المعركة، لم يعنِّفهم، بل احتضنهم برحمته، لكنه عمل على أن ينفض عنهم غبار الهزيمة، حتى نزلت الآية: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.

وهو بذلك حوَّل الهزيمة التي حصلت، وفي فترة وجيزة، إلى انتصارٍ تجلَّى في معركتي الأحزاب وخيبر، وتوِّج في فتح مكّة.

أسباب الهزيمة

إنَّ مسؤوليتنا كبيرة ونحن نستعيد ذكرى معركة أحد؛ أن نعي الأسباب التي أدّت إلى الهزيمة التي لحقت بالمسلمين بعد نصر مؤزَّر، حتى لا تتكرّر الهزيمة. فللنصر أسبابه الواقعيّة، وللهزيمة أسبابها، ولا ينبغي اعتبار الغيب هو العامل الوحيد للانتصار، أو الإيمان هو وحده كاف لذلك، إنّه عامل مساعد، لكنه ليس كلّ شيء.

والسبب الأوّل للهزيمة؛ هو عدم الانضباط العسكريّ، ومخالفة الرّماة أوامر النبي(ص) بالبقاء في الثّغر في الجبل، والذّبّ عن ظهور جيش المسلمين، فحتى يتحقَّق النصر، لا بدَّ مع الإيمان من وجود خطة عكسرية، ولا بدَّ من الالتزام الدقيق بها والأخذ بكلّ بنودها.

السبب الثاني للهزيمة، هو حبّ الدنيا، والحرص على حطامها، والذي دفع بالبعض من جيش المسلمين إلى الانصراف إلى جمع الغنائم ووضع الأسلحة.

وهو ما حذَّر منه رسول الله(ص)، عندما قال: "أخشى أن تُبْسَطَ عليكُمُ الدُّنيا، كما بُسطت على من كان من قبلَكُم، فتَنافَسوها". فحبّ الدنيا والتنافس عليها سببٌ للهزيمة.

والسّبب الثّالث: هو الغرور، وفقدان التّواضع الّذي أصاب بعض المسلمين بفعل الانتصار الذي تحقَّق في معركة بدر، إلى درجة أنّهم تجاهلوا قوَّة العدوّ، ولم يحذروا خططه ومكره، ما أوقعهم فيما وقعوا فيه.

لقد استفاد المسلمون من دروس معركة أحد، ولذلك، تلاحقت انتصاراتهم بعد ذلك في الأحزاب وخيبر، وفي فتح مكّة، حيث النّصر المؤزّر، وهذا ما ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار في كلّ معركة بين الإيمان والكفر.

ولنسأل الله بصفاء قلوبنا: اللَّهمّ انزع حبّ الدّنيا من قلوبنا، واجعل لسان حالنا: إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، إن وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا، وأن نكون ممن يستحقّ وعده لعباده بالنّصر والتّأييد، يا أرحم الراحمين.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به الله المسلمين بعد معركة أحد، فبعد أن عمدت نساء من قريش، ومنهنّ هند زوجة أبي سفيان، إلى التمثيل بجثامين الشّهداء، تعاهد المسلمون فيما بينهم، على أنهم لئن أظفرهم الله بالمشركين يوماً، سيمثلون بهم بمثلة لم يمثلها أحد من العرب، وأن الواحد من المسلمين بثلاثين منهم، فنزل جبريل ليبلغهم وصيّة الله لهم: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}.

فالإسلام ليس دين انتقام وردود فعل وانفعال، هو يربّي أتباعه على أن لا يغفلوا، وفي أشدّ الظروف وأصعب الحالات النفسية، عن أن يكونوا عادلين، حتى مع أعدائهم، وأن يكونوا على درجة عالية من الإحسان، حتى لو فعلوا معهم ما فعلت نساء قريش.

هذه وصيَّة الله، فلنتقبَّلها، ولتكن منهجنا في كلِّ ما نتحرّك به، فلا ننطلق من ردّ فعل على ما يتصرّف به أعداؤنا معنا. بهذه الروح، واجه رسول الله والمسلمون أعداءهم، وبها نواجه أعداءنا وكلّ التحديات.

هل من حكومة؟!

والبداية من لبنان، حيث لايزال اللبنانيون ينتظرون أن تفرج لهم القوى السياسيَّة عن الحكومة التي يتحدَّث المسؤولون عن تشكيلها، ويقولون إنَّها تحتاج إلى مزيد من الوقت، من دون أن يوضحوا السَّبب، فما السّبب في ذلك؛ هل هو نتاج تعقيدات الداخل؟ وأيّة تعقيدات هي هذه التّعقيدات؟ أم أنه نتيجة عدم الرّغبة عند البعض في إجراء مقاربة موضوعيَّة لما أفرزته الانتخابات، والانصياع لما حدث من تبدّل في موازين القوى، أو أن التأخير هو استمهال يتحدث عنه البعض من الخارج، انتظاراً لمعطيات ستظهر نتائجها في المنطقة، وهي تنعكس على لبنان؟

ومع الأسف، يحصل هذا الأمر في الوقت الَّذي تعترف كل القوى السياسية، وبالفم الملآن والصريح، بمدى حجم الأزمات التي تعصف بهذا البلد، ولا سيّما في هذه المرحلة، حيث الحديث المتواتر عن بلوغ البلد حافة الانهيار الاقتصادي والمالي، أو اقتراب الاستحقاقات الدولية ــ الإقليمية التي سوف تنعكس على البلد، في ظلّ تطورات الوضع الميداني والسياسي في سوريا، أو الضغوط التي تمارس على إيران، وعلى فريق أساسي في الحياة السياسية في لبنان، وازدياد الضغط الأميركي لوضع صفقة القرن موضع التّنفيذ، حيث سيكون لبنان أمام استحقاق رفضها، لعدم تضمّنها حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى أرضهم، وهو ما يؤدّي إلى تكريس التوطين، ولو بنحو غير مباشر.

إننا أمام ذلك، نعيد دعوة المسؤولين إلى مصارحة اللّبنانيّين بحقيقة ما يجري على المستوى الحكومي، والسبب الذي دعا ويدعو إلى هذا التأخير، رغم كلّ ما يجري أو سيجري في الداخل والخارج، فهذا من حقهم.

إنّ من المؤسف أن نجد في هذا العالم من يأتي إلى لبنان، كما حصل في الزيارات الأخيرة، أو من يهتمّ به ويبدي استعداده لمساعدته، وإن كانت الأسباب مختلفة لذلك، فيما اللبنانيون أنفسهم، وهم المكتوون بنار مشاكله، في شغلٍ عنه.

إنَّ على كلّ القوى السياسية التي تمسك بزمام المسؤولية، أن لا تكتفي بتوصيف المشاكل، أو بنعي البلد اقتصادياً وإنمائياً، أو بإلقاء التهم على الدولة، كما يحصل، حتى ضاع اللّبنانيون، ولم يعودوا يعرفون من هي الدولة التي يوجَّه إليها الانتقاد، بل بالتراجع لمصلحة الشعب، من خلال تسهيل تشكيل حكومة الوحدة الوطنيّة على حساب المصالح الخاصّة، وتقديم الحلول الناجعة لإخراج البلد من أزماته، وجعله قادراً على مواجهة التحديات والاستحقاقات.

الحلّ الأمنيّ لا يكفي

ونصل إلى البقاع، الّذي أثبت، وبالوقائع التي تؤكّدها أجواء الارتياح التي عبَّر عنها المواطنون والقوى السياسية، ما كنّا قلناه من حرص أهالي هذه المنطقة وفعالياتها على وجود الدّولة، وأنَّ المشكلة لم تكن في أبناء المنطقة، ولا في القوى السياسية الفاعلة، بل بعدم أداء الدّولة لمسؤوليّاتها، أو لعدم إقدامها على ذلك.

لكن يبقى على الدّولة أن لا تكتفي بالحلّ الأمني لكلّ ما كان يجري في هذه المنطقة، بل لا بدّ من أن يُواكَب ذلك بخطة إنمائية جادّة تؤدّي إلى تحريك العجلة الاقتصادية، لحماية أبنائها من أن يكونوا عرضة لمن يستغلون حاجاتهم المادية ومتطلباتهم.

معاً لمكافحة المخدِّرات

من جهة ثانية، مرَّ علينا قبل أيام اليوم العالميّ لمكافحة المخدّرات؛ هذه الآفة التي باتت من أخطر الآفات التي هدّدت البشرية في تاريخها، وتهدّدها في حاضرها ومستقبلها، بل هي معضلة العصر. وآثارها لا تقف على المدمنين، بل على أمن المجتمع واستقراره.

إنّنا نرى أنَّ مجتمعنا كغيره، وبفعل أسباب عديدة، ليس محصَّناً من هذه الآفة، بل هو مستهدف في ذلك، الأمر الذي يستدعي من كل الجهات والعناصر، أن تضافر جهودها، بدءاً من البيت والأسرة، إلى المدرسة، إلى كلّ من هو مسؤول ــ والكلّ مسؤول ــ في المجتمع، للتعاون لمنع انتشار هذه الآفة بين فتياتنا وفتياننا وفي المجتمع.

ونحن في الوقت الَّذي نؤكّد أهمية ما تنجزه الأجهزة الأمنيَّة في ملاحقة مروّجي المخدّرات وشبكات صناعتها وتعاطيها وبيعها وما إلى ذلك، ونقدّر هنا الجهود التي تبذَل، إلا أنّنا نرى أن هذا العمل الأمني ليس كافياً وحده، بل لا بدّ من أن يواكَب بخطة تنموية متكاملة، تتحمل فيها الدولة والأحزاب والهيئات المدنية والأهلية والرسمية المسؤوليّة في عملية التنسيق والتعاون لمحاصرة هذه الآفة وتحصين مجتمعنا منها.

إنّنا نريد لهذا اليوم أن يكون يوم استنهاض لمواجهة هذه الظاهرة، بالوقاية والعلاج، وإخراج من وقعوا فيها من مأساتهم. ونحن بدورنا، ومن موقع مسؤوليّتنا في مواجهة هذه الظاهرة، وضعنا الحجر الأساس لبناء مؤسّسة تعنى بذلك، ونأمل أن نوفّق من خلال الطيّبين أمثالكم لإنجازها.

عصبيّة وقتل!

ونقف عند الحادث المؤسف الذي حصل في منطقة حيّ السلّم، والذي أودى بحياة شابّ بطريقة مأساوية، تدلّ على ارتفاع نسبة التوتر والعصبية، ومنها مؤخراً العصبية الكروية التي تتحكم بواقعنا، ما يؤدي إلى استسهال القتل، والذي يحتاج إلى معالجة جادّة، وإلى دور ينبغي أن يقوم به الباحثون في الشؤون التربوية والاجتماعية والأخلاقية.

تجديد عهد الوفاء

وأخيراً، نلتقي بعد أيام، في الرابع من تموز، بالذكرى السنوية الثامنة لرحيل سماحة المرجع المجدد السيد محمد حسين فضل الله (رض)، الذي نعمنا بوجوده ردحاً من الزمن في حياتنا معه، حين حلَّق بنا في فضاء الروح والخلق والإنسانية والوعي والمعرفة، وشعرنا من خلال مواقفه وحكمته بالعزة والكرامة والحرية والقوة والعنفوان، وبأنَّ هناك جسراً مفتوحاً يربطنا بالآخر، أيّاً كان هذا الآخر، إنساناً أو ديناً أو مذهباً أو موقعاً سياسياً، حيث لا انغلاق معه ولا عصبية ولا تقوقع، بل العقل مفتوح، والقلب مفتوح، والبيت مفتوح.

ونحن، وبعد ثماني سنين على غيابه، لم نشعر للحظة واحدة بأنه غائب عنّا أو بعيد منا... هو حاضر، نراه في فكره الحيّ، وفي وصيّته المتحركة، وفي فقهه المتجدّد دائماً، وفي دوره الرسالي، وفي المؤسَّسات التي تركها بين أيدي الناس الذين شاركوه فيها.

ولقد وفت الأمَّة للسيّد (رض) في كلّ ما قدّمت، ولاتزال، في حضورها في كلّ ميادينه.. وفي يوم الأربعاء، سنكون معاً لنجدِّد له عهد الوفاء، لا لشخصه، بل للرّسالة التي آمن بها، وللمسؤوليّات التي عهد إلينا بها، وللقيم التي أفنى حياته وتحمّل ما تحمّل من أجل تثبيتها.

نسأل الله له الرحمة وعلوّ الدّرجة، إنّه مجيب الدعوات.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟ الإمام زين العابدين(ع): المواجهة بالدّعاء والموقف الأربعاء أوّل أيّام شهر صفر 1440 منبر الجمعة: 25 محرم 1440هـ/ 5 تشرين أول 2018م أريد المعرفة عن التشيّع!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر