اليوم: الأربعاء12 محرّم 1444هـ الموافق: 10 اغسطس 2022

ما هي قواعد إدارة الخلاف الزّوجيّ؟


يُعتبر الاختلاف في وجهات النّظر والآراء من أكثر الأمور شيوعاً في الحياة، فيما التّوافق الكلّيّ حول أبسط الأمور، قد يكون من العملات النّادرة في مجتمعنا. وإذا كان الاختلاف من الأمور الطبيعيَّة بين البشر، فماذا عن الاختلاف بين الزَّوجين في الأسرة؟ وهل هناك اختلاف مقبول وآخر مرفوض؟ ماذا لو تحوَّل الاختلاف بين الزّوجين إلى خلاف؟ وربما الأهمّ هو أن نسأل: ما هو تأثير هذا الخلاف في الأسرة والأولاد؟ وهل هناك قواعد لإدارة الخلاف الزوجيّ تساعد في حماية الأسرة وتحدّ من السَّلبيّات؟

في هذا التَّحقيق، محاولة للإجابة عن هذه التَّساؤلات مع سماحة الشَّيخ محسن رمال، والاختصاصيّة في علم النّفس السيّدة رولا قانصوه.

يقع الخلاف عندما يتحرَّك الزّوجان من موقع "الأنا" والمصلحة الشَّخصيَّة

هل الخلاف بين الزَّوجين أمر طبيعيّ؟

يرى سماحة الشَّيخ محسن رمَّال أنَّ الاختلاف في وجهات النَّظر بين الزّوجين، قد يكون أمراً طبيعيّاً ومقبولاً، إلا أنَّ الاختلاف الدَّائم غير مقبول، ويمثِّل ظاهرةً غير صحيَّة على الإطلاق، معتبراً أنَّ الخلاف يقع عندما يتحرَّك الزَّوجان في المؤسَّسة الزّوجيَّة من موقع "الأنا" والمصلحة الشَّخصيَّة، دون أدنى اعتبارٍ للمصلحة العامَّة للأسرة، الّتي تتجسَّد بالتَّفكير في "نحن".

ويوضح بالقول: "من الطَّبيعيّ أن يكون هناك اختلاف بين الزوجين، نتيجة تباعد التفكير واختلاف المستويات الاجتماعيَّة والعلميَّة بينهما ونظرتهما إلى الأمور، وإذا لم يقم بين الزوجين حوار جدّيّ حول نقاط الاختلاف بينهما بهدوء، لمصلحة الأسرة، سيكون هناك خواتيم غير سعيدة، تتجسَّد إمّا بالخلاف الدّائم بينهما تحت سقف الأسرة، وإمّا بالوصول إلى مرحلة الطّلاق ودمار المؤسَّسة الزّوجيَّة، وكلاهما صعبٌ على الأولاد".

ويتابع سماحته: "غالباً ما تؤدِّي الخلافات بين الشَّريكين في مرحلة الخطوبة إلى الانفصال، لأنَّ كلاهما يكون متمسِّكاً بـ "الأنا"، ولم يعتادا بعد على التَّضحية والتَّقديم للآخر، من خلال التّفكير في المصلحة العامّة للمؤسَّسة الزّوجيَّة، ولذلك، فالتّفاهم والتّنازل المشترك بين الشَّريكين، ضروريّ لحماية الأسرة وبنيانها".

عدم توافر ثقافة إدارة الخلاف والتَّحاور، يؤدّي إلى دمار المؤسَّسة الزّوجيَّة

من جهتها، تؤكّد الاختصاصيَّة في علم النّفس السيّدة رولا قانصوه، أنَّ الخلاف مسألة طبيعيّة بين الأفراد بشكل عام، وبين الأزواج بشكل خاصّ، بسبب الطَّبيعة البشريَّة الّتي تؤدِّي إلى تعدّد الآراء والقناعات الشخصيَّة، والثّقافة، والبيئة الَّتي ينحدر منها الفرد، معتبرةً أنَّ إدارة هذا الخلاف هي الَّتي تحدِّد إذا كان سلبيّاً أو إيجابيّاً، وتقول: "نجد بين الأزواج خلافات تصل بهم إلى حدِّ الانفصال والطّلاق، ويعود السَّبب فقط إلى الطَّريقة السلبيَّة الّتي أدير فيها هذا الخلاف، فعدم توافر ثقافة إدارة الخلاف والتّحاور، تؤدّي إلى هذه النّتيجة. وفي المقابل، نجد أزواجاً أدَّى حسن إدارة الخلافات بينهما وتقبّل الآخر، إلى حياة هادئة وبعيدة عن التوتّرات العائليَّة، فإدارة الخلاف هي الّتي تحدِّد إذا ما كانت الزيجة ناجحةً أم لا".

وتضيف: "مسألة إدارة الخلاف لها تأثير كبير في الزّوجين نفسيهما وفي الأبناء، فإمَّا أن نؤسّس لعائلةٍ هادئةٍ منفتحةٍ تتحاور فيما بينها وتقبل الآخر، وإمّا أن نؤسِّس لعائلة متوتّرة، تبرز فيها حدَّة الخلافات، وتؤثّر سلباً في النّموّ الاجتماعيّ لأفرادها".

تأثيرات سوء إدارة الخلاف

يحذِّر سماحة الشَّيخ محسن رمّال من مهبَّة أن يطفو الخلاف بين الزّوجين على السّطح، بحيث يعيش الأولاد أجواءه وفصوله، واصفاً ذلك بالجريمة والخطأ الفادح، نظراً إلى ما لذلك من تأثير سلبيٍّ في الأبناء في مختلف الجوانب النفسيَّة والتربويَّة والسلوكيَّة، مشيراً إلى أنَّ هذه الخلافات قادرة على إحداث تصدّعات في حياة الأطفال، لا يمكن ردؤها مع الزّمن.

ويوضح بالقول: "نرصد انعكاساً واضحاً للخلافات الزوجيَّة على المستوى التربويّ والتعلّميّ للطّلاب، فهناك طلاّب يكونون في مرحلة علميَّة متميّزة، ويتراجعون بطريقة جدّاً مفاجئة، ونحن نتعاون كإشرافٍ دينيٍّ مع وحدة الإشراف الاجتماعيّ، لنتعرَّف إلى أسباب ذلك السّقوط التربويّ، الَّذي غالباً ما يكون بسبب الخلافات بين الوالدين، أو بسبب الطّلاق بينهما، الّذي يكون في الأغلب ذا طابع حربيّ، وليس سلميّاً بين الطليقين".

تؤكِّد السيِّدة قانصوه أنَّ الأسرة هي الأساس في تحقيق النّموّ النّفسيّ والاجتماعيّ عند الأبناء، وهي العنصر الأساس الّذي يتحقَّق للفرد فيه الأمان العاطفيّ والانتماء، وبالتّالي، فإنَّ الأبناء الَّذين يعيشون في أجواء عائليَّة مليئة بالخلافات والمشاكل، سيعانون اضطرابات نفسيَّة وسلوكيَّة وتعلّميَّة واجتماعيَّة، والاستقرار الأسريّ هو صمّام الأمان العاطفيّ، فكلَّما كانت العلاقة الزّوجيّة قويّةً، كانت قدرات الطّفل على اكتشاف العالم الخارجيّ وعلاقاته مع الآخرين فيه أقوى.

وسوء إدارة الخلاف له الكثير من التّأثيرات السّلبيَّة، سواء في الأسرة ككلّ، أو في الأبناء بشكل خاصّ، مثل:

- مشاكل في القدرة على التَّفاعل الاجتماعيّ مع الأفراد والمحيط.

- نظرة سلبيَّة إلى الزَّواج برمّته، وإلى العلاقات مع الآخرين.

- فقدان الثّقة بالوالدين، وبالتّالي عدم أخذ رأي أحدهما، وتصرّف الولد كما يرتئي هو.

كلَّما كانت العلاقة الزوجيّة قويّة، كانت قدرات الطّفل على اكتشاف العالم الخارجيّ أقوى

- تدنٍّ في التّحصيل الدّراسيّ لدى الأبناء.

- مشاكل في النّوم.

- اضطراب في تناول الطَّعام.

- قلق وتوتّر وخوف.

- اضطرابات سلوكيّة تتمثَّل بالتّعنيف والشّرود وعدم التركيز.

- معاناة من أفكار سلبيَّة في مواجهة المشاحنات الأسريّة تستمرّ لمدّة طويلة.

قواعد إدارة الخلاف الزّوجيّ

يؤكِّد الشَّيخ رمَّال أنَّ الكثير من الخلافات الزَّوجيَّة تُحَلّ بالحوار، ومن خلال التَّعاطي المحترَم والرَّاقي بين الزَّوجين، محذِّراً من التّعاطي الانفعاليّ بينهما، لأنَّ نتائجه وخيمة وخطيرة. وينصح الأزواج باتّباع القواعد التّالية:

- أن لا يتحاورا حال الانفعال، لأنَّ الحوار يصبح أشبه بحوار الطّرشان، وعليهما انتظار الأمور حتى تهدأ، ثم التّحاور بهدوء.

- أن يراعيا المصلحة العامّة للأسرة، بحيث تكون السَّقف الَّذي يتحرّك تحته الحوار.

- أن يغيّرا الوضعيَّة الَّتي كانا عليها حال وقوع الخلاف، حتى يخفِّفا من حالة الغضب، فإذا كان الشَّخص جالساً فليقف، أو العكس، أو لينتقل من غرفةٍ إلى أخرى.

تنازل المرأة للرّجل ليس القاعدة الدّائمة لحلّ الخلاف

- أن يتوضّآ، فإنَّ الوضوء يساعد على تحصيل الراحة النفسيَّة، والتّخفيف من الانفعالات.

- أن يتحاورا حول نقاط الخلاف بهدوء وصراحة ووضوح.

- أن يعلما أنّه ليس من الضَّروري أن يكون الحقّ دائماً مع الرّجل، فقد يكون الحقّ مع الزّوجة.

- أن يكون التّنازل من الطّرفين، فتنازل المرأة للرّجل ليس القاعدة الدّائمة لحلّ الخلاف.

بدورها، تشير السيِّدة قانصوه إلى عددٍ من النَّصائح التي يمكن أن يأخذ بها الزَّوجان للنَّجاح في إدارة الخلاف بينهما:

- الظّنّ الحسن بالطَّرف الآخر، فقد يكون مرَّ بيوم ضاغطٍ، وبالتالي، فإنّ ذلك يدفعه إلى هذه الطريقة وأسلوب الردّ أو التفريغ، فالمبادرة إلى تلطيف الأجواء تضفي جوّاً إيجابيّاً، وتشعر الطّرف الآخر بالمودّة والمحبَّة.

- تقبّل الطّرف الآخر وتقبّل الذّات.

- التَّفكير، قبل المبادرة إلى الردّ، في تأثيرات هذه الرّدود في الطرف الآخر والعائلة، يخفّف من وطأتها على العائلة.

- المحافظة على هدوء الأعصاب، طالما لاحظ أنَّ الطرف الآخر بدأ يفقد هدوء أعصابه.

- تجنّب إدخال طرف ثالث في إدارة الخلاف لا يكون لديه ثقافة إدارة الخلاف، لأنّ ذلك يزيد الأمر سوءاً.

- التَّشديد على اعتماد المصارحة بين الزّوجين.

- تعزيز الحوار بين الزّوجين، وحلّ الخلاف بشكل تدريجيّ.

- تجنّب إطالة فترة الخلاف.

- الأمل الدّائم بالوصول إلى حلّ، وتجنّب العبارات الّتي تفقد الأمل بالوصول إلى حلّ، مما يُشعر بالإحباط.

- وأخيراً، وليس آخراً، التَّفكير في الآثار السّلبيّة الّتي تصيب الأبناء نتيجة هذه الخلافات، وهو أمر يساهم في تعزيز التواصل الإيجابيّ بين الزوجين.

وفي الختام، أعزائي القرّاء، يبدو أنَّ الاختلاف بين الزوجين مسألة طبيعيَّة ترتبط بالطَّبيعة البشريَّة، وتبقى العبرة في كيفيَّة التَّعاطي مع هذا الخلاف وإدارته في الأسرة، حتّى ننجح في حماية أولادنا من رياح الخلاف العاتية.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر