أهل البيت عليهم السلام >إطلاق العدل في الحياة كلّها

إطلاق العدل في الحياة كلّها

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

في ذكرى مولد إمام العصر(عج)

في هذا اليوم الخامس عشر من شهر شعبان، نلتقي بذكرى ولادة إمامنا إمام العصر الحجة المهدي(عج)، ولا بد لنا أن ننطلق لنؤكد عقيدتنا به من حيث المصادر الأصيلة في الإسلام، فكلام رسول الله(ص) في كل معناه هو كلام الله، لأن الله قال: {وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحيٌ يوحى} [النجم:3ـ4].وقد تحدث رسول الله(ص) عنه بطريقتين:الطريقة الأولى في الخط العام، والطريقة الثانية في الخط الخاص أي بالتفصيل، فأما في الخط العام، فهو الحديث الذي يرويه الشيعة والسنّة: "إني مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض".وليس المراد بأهل بيته كلّ من ينتسب إليه بقرابة، ولكنّ المقصود هم أئمة أهل البيت(ع) الذين تتابعوا واحداً بعد واحد، وكانوا تحت أعين الناس يرونهم ويتحدثون إليهم ويسمعون أحاديثهم.إن النبي يقول: "فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"، ومعنى ذلك أنه ما دام كتاب الله يمتد في الزمن، فهناك شخص من أهل بيته يمتد في الزمن. هذا هو الخط العام الذي يؤكد أن هناك من أهل بيت النبي(ص) من يمتد في الزمن مع الخط. أما الحديث الآخر ـ في الخط الخاص ـ الذي يرويه جمع من السنة والشيعة فهو: "لا تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يطابق اسمه اسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً"، ولذلك فإن عقيدة المهدي(ع) هي عقيدة إسلامية وليست عقيدة شيعية خاصة، والمسلمون أجمعهم يعتقدون بالمهدي(ع) الذي يظهر في آخر الزمان، وإن كانوا قد يختلفون في تفاصيل مولده وما إلى ذلك.إذاً، فإن أساس هذه العقيدة هو حديث رسول الله(ص) وما جاء بعد ذلك عن الأئمة الهداة من أهل بيته(ع).وقد يتحدث الناس عن طول العمر، وهذا حديث قد يلامس مسألة يألفها الناس، ولكن ليس معنى ذلك أن من المستحيل إطالة العمر في النظرة العلمية، فالعلماء اليوم يبحثون سرّ تجدد الخلايا، لأنهم يعتقدون أنهم إذا كشفوا هذا السر فإنهم سوف يكتشفون الأساس الذي يمكن أن يمثل امتداد الحياة، ما يعني أن الإنسان ربما يعيش أضعاف عمره الحالي، لذا فإن العلماء يقولون إنه لا مانع من أن يعيش الإنسان آلاف السنين.وعلى هذا، فالقضية من ناحية الإمكان العلمي ممكنة، وإن كان العلماء لم يصلوا بعد إلى أن يؤكدوا أساس هذه النظرية. أما من ناحية التاريخ الديني، فإن الله يحدثنا في القرآن الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت:42]، عن النبي نوح(ع)، الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يحدثنا كم لبث بعد الطوفان، فإذا أمكن للإنسان أن يعيش ألف سنة، فبإمكانه من حيث طبيعة الأمور التي يعيشها، أن يحيا ألفاً ثانية. ولذلك فإن مسألة طول العمر لا تمثل مشكلة في هذه العقيدة.

سرّ غيبة المهدي

ما هو سرّ غيبة المهدي؟ هذا أمرٌ من غيب الله، ولقد تحدث الكثيرون عن بعض فلسفة هذا الغيب، ولكننا نجد أن هذا الأمر هو من غيب الله، ونحن نؤمن بالغيب إذا جاءنا من الصادق المصدق، كما أننا لا نقول بأن الحياة بنيت على الغيب، وإنما بنيت على أساس القوانين الطبيعية من السنن الكونية والسنن الاجتماعية والتاريخية التي أودعها الله في الكون وفي الحياة، لكننا نقول بأن هذا لا يمنع أن تكون هناك منطقة للغيب يختص الله بسرها، فإذا ثبت لنا ذلك من خلال الصادق المصدق وهو رسول الله(ص)، فإن علينا أن نؤمن وإن لم نكتشف سرّه، فإذا فعل الله شيئاً فإنه يفعله لحكمة {لا يُسأَل عما يفعل وهم يُسألون} [الأنبياء:23].

أمام المسؤوليـة

وماذا نستوحي من الذكرى؟ هل نظلّ في حالة جمود لأن هناك منقذاً سوف ينقذ العالم؟ هل يوحي بعضنا إلى بعض أننا لسنا مسؤولين عن تغيير العالم، فالإمام الحجة(عج) هو المسؤول، وعلينا أن نبقى في انتظارنا له ليقدم لنا النصر على طبق من ذهب؟ هل نكون الأمة التي تعيش الاسترخاء ولا تعيش مسؤوليتها أمام التحديات؟ هل نكون الناس الذين يبتعدون عن ساحة الصراع في الحياة فلا يعملون على أن ينتجوا الإسلام هنا والإسلام هناك؟هناك بعض الناس الذين يفكرون بهذه الطريقة، فيتحدثون بأن علينا أن نخلد إلى الأرض حتى يظهر الحجة(عج)، وأن لا نرفع أية راية، لأن أية راية ترفع قبل قيامه هي راية ضلال، فهل صحيح أن القضية كذلك؟!هل أن الله جمّد دعوتنا إلى الإسلام طيلة هذه الأزمان؟ هل أن الله جمّد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل إصلاح الواقع؟ هل أن الله جمّد الجهاد في مواجهة الكافرين والمستكبرين؟ إن القرآن حدّثنا عن كل هذا حديثاً شاملاً مطلقاً، فلم يكن ذلك متعلقاً بزمن معين، وإنما أطلق الدعوة في مدى الزمن، فالدعوة بدأت كمسؤولية لرسول الله(ص) وانفتحت على كل مسلم مسؤول أن يدعو إلى الله، كلٌّ حسب طاقته، وكلٌّ حسب ظروفه.وهكذا أراد الله أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في مدى الزمن وفي كل مكان، وأراد لدينه أن يحكم الأرض، وأرادنا أن نهيىء لدينه ذلك كله بكل ما نملك من طاقة، فعندما نتصور أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهذا يعطينا الأمل بأن العدل ليس مستحيلاً.

العـدل الكلـي

إن بإمكان الناس أن يصنعوا عدلاً جزئياً بانتظار العدل الكلي، كما أن علينا أن نعيش تجربتنا في أن نطلق العدل في الحياة كلها، ثم إن إيحاء ذلك هو أن نؤمن بالعدل كعنوان إسلامي كبير، وأن نكون مع الناس المظلومين في أي مكان حتى لو كانوا كفاراً، وأن نكون ضد الظالمين في أي مكان حتى لو كانوا مسلمين، لأن العدل هو هبة الله للناس كل الناس، وهكذا الظلم، فالله تعالى يرفضه من الناس كل الناس.وعلينا أن نكون المسلمين الذين ينطلقون بالعدل لتكون كل حركتهم في الحياة حركة عدل، وأن يكونوا العادلين في كلماتهم، وأن يكونوا العادلين في معاملاتهم، وأن يكونوا العادلين في علاقاتهم، وأن يكونوا العادلين في أحكامهم ومواقفهم في حالي الرفض والتأييد، لأنك لا يمكن أن تكون مسلماً إذا لم تكن عادلاً، ولأن الله ربط الإسلام بالعدل.ولهذا علينا أن نتبنّى العدل، وإذا ذكرنا الإمام الحجة(عج) على أنه العدل المنتظر، فإن علينا أن نستلهم منه هذا الخط الإسلامي الشامل للعدل، وأن نفهم بأن طريقنا هو هذا الطريق، فلا نرضى بظلم ظالم، سواء كان فرداً أو مجتمعاً أو حكماً، بل نعمل لنقف ضد هذا الظالم في خطةِ حكمه، حتى نستطيع أن ننقذ الناس من هذا الظلم أو ظلم ذاك، حتى ننشر العدل في الكون كلّه، بأن نكون مع كل الدعاة للعدل حتى لو اختلفنا معهم في الكثير من المواقع، وأن نتعاون مع الذين نختلف معهم في الخط الفكري إذا كنا نلتقي معهم في مرحلة معينة أو في خط معين، في تحرير شعب، وفي إنقاذ أمة، وفي مواجهة ظلم واستكبار.علينا أن نكوّن جبهة المستضعفين في الأرض الذين يعملون من أجل إسقاط المستكبرين، لنؤكد وعد الله {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص:5].

ذكريات الإسلام

إن هذه الذكريات ليست ذكريات الفرح العابث، وليست ذكريات الدموع الخائفة، ولكنها ذكريات الإسلام في امتداد حركته وخطه، إنها ذكريات قضية الإنسان في تأصيل إنسانيته، إنها الذكريات التي تلهمنا كيف نكون جنود الإسلام في خطّ الحرية، وكيف نكون جنود الإسلام في خطّ العدل، وأن ننطلق مع ذكريات عظمائنا في التاريخ من أجل أن نصنع أكثر من عظيم في الحاضر والمستقبل؛ عظيم في فكره، وعظيم في إيمانه، وعظيم في ثورته، وعظيم في كل مواقفه.

قواعد المستقبل

أيها الأحبة، إن المستقبل ينتظرنا أن نبني له قواعده، فعلينا على الأقل أن لا نجعل الأرض تهتز من تحته فلا يجد أرضاً يقف عليها. فلنقوِّ الأرض، ولنبنِ القواعد، ولننطلق مع إبراهيم وإسماعيل عندما يرفعان القواعد من البيت ويدعوان ربهما، علينا أن نرفع قواعد الإسلام في حركة الإنسان في الحياة وفي ساحات الصراع، وندعو ربنا أن يهدينا وأن يثبّت أقدامنا وأن يسدّد خطواتنا، وأن يصلّب إرادتنا وأن يوسع آفاقنا، ثم بعد ذلك نقاتل ونصارع وندعو ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ثم نقول:{وانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة:250]، لا أن نجلس جلسات القهوة والشاي ثم نقول "اللهم انصرنا"، فقد أعطانا كل أدوات العمل وكل الوسائل الموصلة إلى الأهداف، فلننطلق إلى أهدافنا بالوسائل التي وضعها الله تعالى بين أيدينا، ولننطلق مع دعاء الافتتاح: "اللهم ما عرّفتنا من الحق فحمّلناه، وما قصرنا عنه فبلّغناه"، "اللهم المم به شعثنا، واشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا، وكثّر به قلّتنا، واعزز به ذلتنا، وأغنِ به عائلنا، واقضِ به عن مغرمنا، واجبر به فقرنا، وسدّ به خلتنا، ويسّر به عسرنا، وبيّض به وجوهنا، وفكّ به أسرنا، وأنجح به طلبتنا، وأنجز به مواعيدنا، واستجب به دعوتنا، وأعطنا به سؤلنا، وبلّغنا من الدنيا والآخرة آمالنا، وأعطنا به فوق رغبتنا".لاحظوا كلمة (به)، فكل شيء بالحق، الحق في حركة المشاكل، والحق في ساحة الصراع، والحق في حركة الحاجات في حياتنا، أن ننطلق من الحق وإلى الحق {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل} [لقمان:30].

والحمد لله رب العالمين