|
الإمام عليّ(ع) والفتن:
س3: عاش الإمام عليّ(ع) فترةً حسّاسةً ومضطربة، وغنيّة بالمعطيات المتنوّعة في أكثر من مجال. كيف يرى سماحتكم إمكانيّة دراسة حياة الإمام عليّ(ع) إذا أردنا أن نحرّك معطياتها في الأجواء المعقّدة الّتي يعيشها الواقع الإسلاميّ؟
ج3: الحديث عن عليّ(ع) للّذين ينفتحون على الآفاق العالية في الحياة، هو حديثٌ عن الحياة كلّها، ولذلك، فإنّنا نريد أن نعيش معه في قضايانا المتحرّكة، لأنَّ القضيّة ليست قضيّة دراسة أكاديميّة نحاول من خلالها أن نتعمَّق في الفلسفة أو ما إلى ذلك، ولكنّ المسألة أنّنا عندما نريد أن نستقدم التّاريخ إلينا، فإنَّ علينا أن نشعر في كلّ هذا التّاريخ، بقضايانا تتحرّك من خلاله. نحن نريد أن نعيش مع عليّ(ع) قضايانا في حركة الصّراع في الحياة.
نحن نعيش في عالمٍ يضجُّ بالصّراع، والصّراع يفرض الكثير من المشاكل ومن المنازعات، ومن الخلافات والصّدامات، فهل تقف أمام الصّراعات الّتي توجِع رأسك وتُثقل قلبك، وقد تأخذ منك رأسك، وقد تقيِّدك وقد تحبسك؟
هل تعيش في حركة الصّراع على أساس أن تكون الإنسان الحياديّ، الّذي ينفصل عن ساحة الصّراع، ليكون الإنسان الّذي ليس مع فلان ولا مع فلان، لا يدخل في هذا الجوّ ولا في ذاك الجوّ؟ أو أنّك تتحرّك لتكون جزءاً من الصّراع، أو لتدرس مضمون هذا الصّراع، ما هو في طبيعته، وما هو في علاقته بالحياة؟ وما هو في علاقته بالمصير وبالمستقبل؟ أن ندرس مضمون الصّراع، قبل أن نتّخذ موقفاً حياديّاً تارةً، أو إيجابيّاً هنا، أو سلبيّاً هناك.
هناك كلمة للإمام عليّ(ع) ربما يفهمها بعض النّاس بطريقةٍ خاطئة: "كن في الفتنة كابن اللّبون، لا ظهر فيُركب، ولا ضرع فيُحلب".
وابن اللّبون هو ولد النّاقة الذّكر، لم يقو ظهره على الرّكوب، وليس له ضرعٌ يُحلب منه. كن مثله... لا تجعل أحداً يتّخذك جسراً يصل من خلاله إلى أطماعه، ولا أن يستفيد من طاقاتك، لتُحلب طاقاتك لتطعمه طاقةً يقوى الشرّ في داخلها.
بعض النّاس يفهمون الفتنة أنّها تمثِّل حركة الصِّراع، أن يقتتل النّاس ففي هذا فتنة! أن يختلف النّاس فهذه فتنة!.. ولذلك كثر الحياديّون في مجمتعاتنا، وأصبح الكثيرون من النّاس يتفرّجون في السّاحة.
لكنّ الفتنة ـ فيما نفهمها ـ هي الحركة الّتي تنطلق لتفتنك، لتدخلك في متاهات، أو لتدخلك في موقعٍ ليس لك دور فيه من خلال ما تعيشه؛ إنّهم يحدّدون كلمة الفتنة بالموقع الّذي لا يُعرف فيه الحقّ من الباطل، أو الموقع الّذي يتنازع فيه فئتان من أهل الباطل، وقد عبّر الإمام عليّ(ع) عن الفتنة كيف تنشأ:
"إنما بدء وقوع الفتن، أهواء تُتَّبع، وأحكام تُبتدع، يُخالَفُ فيها كتاب الله، ويتولّى عليها رجالٌ على غير دين الله. فلو أنَّ الباطل خلُص من مزاج الحقّ، لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل، لانقطعت عنه ألسن المعاندين. ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشّيطان على أوليائه، وينجو الّذين سبقت لهم من الله الحسنى".
الفتنة هي أن تنطلق القضيّة أو الفكرة الّتي تُعطي من ملامح الحقّ بعض الشّيء، وتخفي من عمق الباطل بعض الشّيء، فتتحرّك وأنت تشعر بأنّها الحقّ، ولكنّها في الواقع ليست هي الحقّ.
وهكذا نجد في كلمةٍ أخرى للإمام(ع): "إنّ الفتن إذا أقبلت شبَّهت، وإذا أدبرت نبَّهت، ينكرن مقبلات، ويعرفن مدبرات، يحمن حول الرّياح، يصبن بلداً، ويخطئن بلداً".
إنَّ الإمام(ع) يريد أن يؤكِّد أنّه عندما لا تكون السّاحة واضحةً لديك، حاول أن تفهمها، أن تعرفها، "كن في الفتنة كابن اللّبون، لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب". ولا ينبغي أن يكون اقتحامك لها غير مدروس، بل عليك أن تقف لتدرسها، فتلك مسؤوليّتك، لأنّك لا تستطيع أن تكون حياديّاً أمام ما يحدث في ساحتك، لأنَّ ما يحدث في ساحتك ليس مجرّد شيء يخصّ الّذين يتصارعون، ولكنّه يشمل الواقع كلّه.
ولذلك، فإنّ عليك أن تدرس الفتنة لتستوضحها، حتى إنَّه عندما تكون هناك فئتان من أهل الباطل تتصارعان، فإنّ عليك أن لا تقتحم المعركة لتكون فريقاً لهذا أو ذاك، بل أن تدرس ما هو دورك أمام هاتين الفئتين المتصارعتين من أهل الباطل، سواء كان ذلك في بلدك، أو في منطقتك، أو في العالم كلِّه.
قد يقول بعض النّاس هذه سياسة تبتعد عن المثاليّات، فهل تريد أن تدفعنا إلى الانغماس في أوحال الواقع؟ لكنّ هناك فرقاً بين أن نعيش الحياة أحلاماً ومثالاً تجريديّاً، وبين أن نعيش الحياة واقعاً يتّصل بحياتنا الثّقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة.
بعض النّاس يحاولون دائماً أن يسقطوا القضايا الكبرى، من خلال حديثهم عن مفردات المآسي الّتي تُنتجها القضايا الكبرى، أن يحدِّثوك عن ضرورة الابتعاد عن الصّراع وهو مفروض عليك.
العودة الى الأسئلة
لا حياديّة بين الحقّ والباطل
عليٌّ(ع) لا يريد للإنسان أن يكون حياديّاً، عندما تكون المعركة معركة الحقّ والباطل.
والحياديّون بين الحقّ والباطل يخونون إنسانيّتهم، ويخونون الحياة ويسقطونها. إنّه يتحدّث عن هؤلاء الّذين يبتعدون عن السّاحة حتّى لا تتحرّك نحوهم شرارات السّاحة. قال(ع) وهو يحدّث بعض النّاس عن بعض مَن اعتزلوا القتال في معاركه: "إنّ سعيداً وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحقّ ولم يخذلا الباطل".
لم ينصرا الحقّ لأنّهما أبعدا طاقتهما عن نصرة الحقّ، ولم يخذلا الباطل لأنّهما عندما حجبا قوّتهما عن الحقّ أعطيا قوّةً سلبيّة، والباطل لا يقوى بأتباعه فقط، ولكنّه يقوى بالحياديّين الّذين يؤمنون بالحقّ ولكنّهم لا يتحمّلون مسؤوليّته. وهذا هو الّذي تمثّله الكلمة الّتي استهلكناها "الأكثريّة الصّامتة " .
ويحدِّثنا الإمام(ع) عن نتائج هذه المواقف المتخاذلة: "أيّها النّاس، لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يطمع فيكم مَنْ ليس مثلكم، ولم يقو من قوي عليكم. لكنّكم تهتم متاه بني إسرائيل، ولعمري، ليُضعّفن لكم التيه من بعدي أضعافاً، بما خلَّفتم الحقّ وراء ظهوركم، وقطعتم الأدنى، ووصلتم الأبعد".
إنّ المسألة هي أنّ أكثر هزائمنا على كلِّ المستويات الّتي تتحرّك في الواقع، هي هزائم المتخاذلين، وليست هزائم الّذين يُقاتلوننا. |