أهل البيت عليهم السلام >قراءة في رسالة الإمام الحسن(ع) إلى معاوية

قراءة في رسالة الإمام الحسن(ع) إلى معاوية

ينطلق الباحث في دراسته لأهم المحطات والمسائل المفصلية في التقييم للحدث، من خلال رؤية شاملة يلحظ فيها الأبعاد المختلفة، وهذا ما يستدعي الغوص في عمق الحدث، وقراءة النصوص التي تشكل المحور الأساسي له، بغية الوصول إلى الحقيقة ما أمكن. ومن هذا المنطلق، يلفت سماحة العلامة السيّد محمد حسين فضل الله، إلى أن الأمور لا تدرس من جانب واحد، بل يجب أن تدرس من جوانبها كافة، ولا يتسنى ذلك إلا بدراسة النصوص الأصيلة، وهذا ما سعى إليه سماحته في قراءته للإمام الحسن(ع)، ولا سيما ما يخصّ العلاقة مع الخصم. ولذلك نستعرض ما جاء في قراءته لرسالة الإمام الحسن(ع) إلى معاوية.

" لعلّ الكثيرين منّا لم ينفتحوا على آفاق الإمام الحسن(ع)، فالمعلومات التي نتداولها غالباً، تتصل بالكلمات الرائدة التي قالها رسول الله(ص) في حقّه، وبقضية صلحه وشهادته.

ولكننا عندما ننفذ إلى داخل شخصية الإمام الحسن(ع) وأدائه السياسي، خاصةً عندما بدأ الصراع بينه وبين معاوية بعد وفاة أبيه الإمام علي(ع)، واستخلافه من قبل المسلمين ـ لأنّ إمامته كانت بالنصّ عن رسول الله(ص)، وأضيفت إليها البيعة التي بايعه بها المسلمون ـ نرى أنه كان سياسياً من الطراز الأول.

الشخصيتان الحسنية والحسينية:

وعندما ندرس الكتاب الذي أرسله الإمام الحسن(ع)، إلى معاوية، نرى فيه عناصر القوة والرسالة والانفتاح على الشريعة الإسلامية كلّها، بخلاف الفكرة التي طرحت في التاريخ وما زال البعض يستهلكها، وهي أنّ الإمام الحسن(ع) شخصية مسالمة وليست شخصية صدامية أو ثائرة، حتى إنّ بعض الناس يتحدثون ـ ومنهم بعض العلماء ـ أنّ هناك الشخصية الحسنية، وهي الشخصية التي لا تأخذ بأسباب الثورة، ولا تميل إلى العنف، ولا تدخل في الصراع، بل تجتنبه ما أمكنها، وأنّ هناك الشخصية الحسينية، وهي الشخصية الثائرة التي تقتحم ساحة الصراع وتواجه الموقف بالعنف، إلى درجة أنّ بعض الكتّاب من المستشرقين وتلامذتهم، وفي مقدمتهم الكاتب المعروف (طه حسين)، تحدّثوا عن أنّ الإمام الحسن(ع) اختلف مع أبيه عندما خاض أبوه معركة البصرة أو معركة صفين، وهذا ليس هو عين ولا أثر في أصالة التاريخ.

كتاب الحسن(ع) إلى معاوية:

لذلك نريد أن نقرأ نصّ الكتاب الذي أرسله الإمام الحسن(ع) إلى معاوية، حتى نتعرف الأصالة الإسلامية الرسالية، التي تعنف عندما يكون العنف هو الخطّ الإسلامي الشرعي في ساحة المواجهة، وترقّ وتلين وتسالم عندما يكون في السلم مصلحة للإسلام، لأنّ الإسلام في تشريعه، لا يجعل الأسلوب واحداً في ساحات الصراع، بل يدرس الظروف المحيطة بالساحة، سواء كانت ظروفاً سياسية أو أمنية على مستوى الحاضر، وعلى مستوى المستقبل، باعتبار أنّ الإسلام لا يستغرق في الحاضر استغراقاً كاملاً، بل إنّه عندما يريد أن يتحرك في الحاضر، فإنّه يرصد النتائج الإيجابية والسلبية التي تنتجها هذه الحركة الحاضرة في طبيعة المستقبل، لأنّ القضية ليست أن تعيش العنف على أساس اللحظة، أو أن تعيش الرفق على أساس اللحظة، فحركة الإسلام ليست في الراهن فحسب، بل هي على امتداد الزمن كلّه. فلا بدّ للقيادة أن تدرس خط الامتداد عندما تريد أن تتحرك في خط البداية، وهذا ما عالجه الإمام الحسن(ع)، عندما أقام الحجّة على معاوية وعلى الناس من خلال المنطق الذي واجه به معاوية، ولكن عندما ضغطت الظروف، وتحوّل الموقف، وأصبح الإسلام في خطر، عند ذلك هادن معاوية.

السلام على المنحرفين:

وهذا هو نصّ رسالته التي كتبها له مع رجلين من أهل الكوفة: "من الحسن بن علي أمير المؤمنين، إلى معاوية بن أبي سفيان. سلام عليك، فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلا هو". وأحب أن أقف هنا عند قوله(ع): "سلام عليك"، لأقول إن أسلوب الأئمة من أهل البيت(ع) هو أسلوب الإسلام، فأنت عندما تلتقي مع مسلم، حتى لو كان في أعلى درجات الانحراف، أو تكتب إليه، فإنّ عليك أن لا تترك التحية (السلام)، لأنّ قصة السلام ليست قصة من تسلّم عليه، وإنّما هي قصّتك أنت الذي تعيش روحية السلام مع المسلمين حتى المنحرفين منهم، لأنّ كلمة السلام هذه قد تترك تأثيرها الإيجابي في وعي هذا الإنسان، فيهتدي بك عندما تفتح الكلمة قلبه فينفتح بها عقله، وهذا ما عبّر عنه الإمام علي(ع) بقوله: "احصد الشرّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك". كن الإنسان الذي تعيش الخير كلّه للناس كلّهم في خطّ الرسالة والهدف، فإنّ ذلك يمكن أن يحصد الشرّ من صدور الآخرين. ومن المؤسف جداً أنّنا، ونحن أتباع هذا الإمام العظيم، كما ندّعي، نعبّىء صدورنا بالحقد حتى على المؤمنين منّا، عندما نختلف معهم في رأي أو في موقع، حتى إنّ بعض الناس يتحدّث عن(الحقد المقدس)، ولا ندري كيف يمكن أن يأخذ الحقد "القداسة"، في حين أنّ القداسة هي للمحبّة، أمّا الحقد فليس مقدساً حتى ضد الكافرين، لأنّ المسألة ليست في أن تستهين بالكفر، ولكنّك عندما تحبّ إنسانية الكافر، فذلك من أجل أن تهديه لما أنت عليه، لأنّ الإنسان الذي يغلق قلبه للناس، لا يمكن للناس أن يفتحوا عقولهم له، والإنسان الذي يكون قاسي القلب، لا يستطيع أن يهدي الناس{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك} [آل عمران:159].

إقامة الحجّة:

ويمضي الإمام الحسن(ع) في رسالته قائلاً: "أمّا بعد، فإن الله جل جلاله" وهنا أراد أن يربط معاوية بالرسالة وبامتدادها في أهل البيت(ع)، ليقيم عليه الحجّة في ذلك: "بعث محمداً رحمةً للعالمين" {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} [الأنبياء:107]. "ومنّةً على المؤمنين" {لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً} [آل عمران:164]. "وكافة للناس أجمعين"، لأن الله سبحانه وتعالى قال للناس: {إني رسول الله إليكم جميعاً} [الأعراف:158].

"لينذر من كان حيّاً، ويحقّ القول على الكافرين، فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله، حتى توفّاه الله غير مقصِّر ولا وانٍ"، فلقد أعطى نفسه كلّها ومبادراته كلّها. "وبعد أن أظهر الله به الحقّ، ومحق به الشرك، وخصّ به قريشاً خاصّة، فقال له {وإنّه لذكر لك ولقومك}، فلما توفي، تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه"، وهذا ما حدث عندما قال المهاجرون والأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، واحتجّوا على أنّ الخلافة في قريش، "فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش، وأنّ الحجّة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم، وسلّمت إليهم، ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب"، لأنهم قالوا إنّ الخلافة في قريش، وقد قال علي(ع): "احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة". فعندما تحتجّ بالشجرة على أنّها أساس الشرعية من خلال طبيعة ما توحي به، فالشجرة ليست مجرد أغصان وأوراق، بل إنها تتحرك من خلال الثمرة، والثمرة تتكامل مع الشجرة، ولذلك فمن يقبل الشجرة لا بدّ من أن يقبل الثمرة.

"فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها"، فالعرب قبلوا منها حجّتها، ولم تقبل قريش منّا حجّتنا. "وأنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج. فلما صرنا آل بيت محمد وأولياءه إلى محاجتّهم وطلب النصف منهم"، بأن ينصفونا بما هو الحقّ لنا، "باعدونا، واستولوا على الخلافة بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا. فالموعد الله، وهو الوليّ النصير". ولا بد من الالتفات إلى أن الإمام الحسن(ع) لا يتحدث عن حق في الخلافة من خلال القرابة، بل من خلال الشرعية الإسلامية بالنص من النبي محمد(ص) المرتكز على أمر الله على أساس الكفاءة الشاملة التي لا يملكها أحد غير علي(ع).

"ولقد كنّا تعجبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا وسلطان نبيّنا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام"، لكنّ هذا لا يمنع من أنّهم لم يأخذوا بالحقّ، فلقد سبقوا إلى الإسلام، وربّما كانوا قد جاهدوا مع النبي(ص)، ولكن الأمور بخواتيمها، والقضية هي قضية العاقبة، لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يعطي الناس النتائج الحاسمة في البدايات، ولكنّه يعطيها عندما تلتقي النهايات بالبدايات، فالإسلام ليس شيئاً تجزيئياً يمكن أن تأخذ منه شيئاً منه وتترك شيئاً آخر، ولا سيما إذا كان هذا الشيء مما ترتكز عليه سلامة الإسلام وامتداده في خطّ الاستقامة.

إيجابيات الخصم:

ونلاحظ هنا، أنّ الإمام الحسن(ع) يترك الجانب الإيجابي لخصومه، في حين أننا عندما نذكر خصماً، نعيش العقدة إزاءه، فلسنا مستعدين أن نستمع إلى أية خصلة حسنة تذكر له، ولو ذكر إنسان حسنةً له، ولا سيما في القضايا الدينية، لنادى الناس بالويل والثبور وعظائم الأمور، أليس الأمر كذلك؟ والله سبحانه وتعالى يقول لنا، لكننا للأسف لسنا قرآنيين: {ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة:8]. فالعدل هو أن تعطي لكل ذيّ حقّ حقّه، وإن كان الحقّ عليه في جانب، فقد يكون له الحقّ في جانب آخر، فأعطه حقّه في الجانب الذي له، ولا تمنعه هذا الحقّ بحجّة أنّ عليه حقاً في جانب آخر، ثم واجهه فيما عليه من حق في ذلك الجانب. ولذلك عندما تذكر خصمك في إيجابياته، فلا يعني أنّك أضعفت موقعك، بل هذا يعني انّك قويٌ إلى درجة أنّك لا تخاف من إيجابيات خصمك أمام سلبياته.

الإمساك عن النـزاع:

"وأمسكنا عن منازعتهم"، وهذا المقطع يجيب عن سؤال: لماذا لم يندفع علي(ع) ليقتحم الساحة، وقد جاءه أبو سفيان لمبايعته أثناء اجتماع القوم على مبايعة غيره، قائلاً له: "فلأملأنّها عليهم خيلاً ورجلاً"؟! لأنّ علياً(ع) كان المسؤول عن الإسلام خارج الخلافة، كما كان مسؤولاً عنه في موقع الخلافة، فهو خليفة رسول الله(ص) في تأكيد الإسلام ونشره وامتداده وتأصيله، كما هو خليفته في إدارته، لذلك كان علي(ع) يمارس المسؤولية الإسلامية مع خصومه، كما كان يمارسها عندما كان في الخلافة، لأنّنا ذكرنا مراراً أنّ علياً(ع) كان وحده المؤهل لأنّ يكون خليفة الرسول(ص)، لسبب واحد، وهو أنّ خلافة رسول الله(ص) ليست خلافة الإدارة فقط، بل هي خلافة الرسالة، وليس في المسلمين من عاش الرسالة في عقله كلّه وقلبه كلّه وشعوره وجهاده كما عاشها علي(ع).

"وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدّين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده". وفي ذلك يقول علي(ع): "فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى"، ويقول: "فخشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم هذه".

نقد معاوية:

"فاليوم فليتعجَّب المتعجِّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله"، أي كيف توثّبت على علي(ع)؟! فمتى أسلمت يا معاوية؟ ومتى أسلم أبوك؟ فالإمام يطلقها هنا في صرخة التعجّب، "لا بفضل في الدين معروف"، أي ما هي سابقتك في الإسلام؟ وما هو جهادك؟ وما هي ثقافاتك الإسلامية؟ "ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب" التي كانت تحارب رسول الله(ص)، فلم يقل له ابن أبي سفيان، لأنّ أبا سفيان كان يمثّل قيادة هذا الحزب القرشي الذي عطّل مشروع رسول الله(ص) وأشغله بحروب دامية، وأنت ابن هذا الحزب الذي تربيت على أخلاقه، "وابن أعدى قريش لرسول الله(ص ولكتابه، والله حسيبك، فسترد" غداً على الله "فتعلم لمن عقبى الدار"، فنحن الآن نكلّمك وتكلّمنا، وتحاول أن تأتي بالكلام من هنا وهناك، لكنّ غداً هو يوم الفصل. "وبالله لتلقينّ عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدمت يداك"، لأنّك عطّلت مشروع علي بن أبي طالب(ع) الذي لو أنّه انطلق به وأكمله، لانفتح الإسلام على العالم وعياً وفكراً وجهاداً وحركةً. "وما الله بظلاّمٍ للعبيد".

"إنّ علياً لما مضى لسبيله ـ رحمهً الله عليه ـ يوم قبض ويوم منّ الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حيّاً، ولاّني المسلمون الأمر بعده"، فإذا كان الكلام في الشورى، فإنّ الشورى قد اجتمع رأيها عليّ، فأنا الخليفة الشرعي.

"فأسأل الله أن لا يؤتينا في هذه الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة فما عنده من كرامة"، وهذا هو تواضع الأئمة(ع) لله سبحانه وتعالى. "وإنّ ما حملني على الكتابةِ إليك، الاعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك"، حتى يعذرني الله في أنّني أقمت الحجّة عليك، وبيّنت لك الحقائق، ودعوتك إلى الصراط المستقيم. "ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم والصلاح للمسلمين"، أي فيما إذا دخلت في ما دخل فيه المسلمون، وسرت معي في الخط الذي يمثّل الشرعية الإسلامية، "فدع التمادي في الباطل" بادّعاء الخلافة لنفسك، "وادخل في ما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحق بهذا الأمر منك عند الله"، لأنّ رسول الله(ص) قال: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"، "الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا".

"وعند كلِّ أوّاب" إلى الله، "حفيظ" على العهد والإيمان، "ومن له قلب منيب" راجع إلى الله. "واتق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وادخل في السِّلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النائرة، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين"، لأنّ الأساس في إصلاح ذات البين، هو أن يعطي الناس الشرعية لمن له الشرعية الحقيقية، لا أن يكونوا في خطّ الانحراف، "وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيّك، سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك"، على أساس الواقع الميداني، وأن أواجهك بالمسلمين، "حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين".

هذا النص مقتطف من نشرة فكر وثقافة 209، السنة الخامسة 12 صفر ‏1422هـ، 5 أيار/ 2001م.