أهل البيت عليهم السلام >الإمام الصادق(ع) والتقية

الإمام الصادق(ع) والتقية
هل كانت التقيّة شأناً شيعياً خاصاً، بحيث كان الخط الذي ترتكز عليه من الخطوط الخاصة التي انطلق فيها أئمة أهل البيت(ع)، وفي مقدمتهم الإمام جعفر الصادق(ع)، من ذاتية فكرية جديدة على التفكير الإسلامي، أو بعيدة عن المنطلقات الإسلامية العامة، أو كانت المسألة مسألة ظروف شيعية معينة ضاغطة أعطت التقيّة هذا البعد العنوانيّ للتشيّع، بحيث كانت القضية قضية انطباق العنوان الإسلامي الكلّي على الجزئيات الخاصة؟

هذا ما نريد أن نثيره في هذا الحديث، فقد حاول البعض من الكتّاب أن يثيروا المسألة على أساس اعتبار التقيّة شأناً شيعياً خاصاً منحرفاً عن الخط الإسلامي العام، باعتبار أنّه يلتقي بالكذب الذي هو من المحرّمات الشرعية الكبيرة، كما أنه يؤدي إلى ضياع الحقيقة الفقهية بإظهار الموقف على غير الواقع الشرعي الذي هو عليه في عملية إيحائية بالانسجام مع الجوِّ العام الذي يخالف الحقيقة في رأي الشخص الذي يمارس التقيّة.

وقد يثير البعض في هذا المجال عنوان "الباطنية" التي تختزن عقيدة خاصة وتمنعها عن الظهور، لتكون القضية قضية أنّ الحقيقة لا بدّ أن تكون خفيّة مستورة عن الناس، ما يفرض على أصحابها إظهار شي‏ء آخر انسجاماً مع العقيدة العامة للناس، وهذا هو الذي جعل هذا البعض يخلط بين التشيّع والباطنيّة.

ولكن الباحثين من علماء الشيعة لا يرون في مسألة التقيّة أيّة غرابة، لأنها تنسجم مع الخط الإسلامي العام الذي يتحرك في دائرتين.

الدائرة الأولى: هي عنوان الاضطرار الذي ورد في الحديث النبوي الشريف "رفع عن أمتي تسعة أشياء.."(1). وعدّ منها "ما اضطروا إليه"، كما ورد فيه: "ما من شي‏ء إلا وقد أحلّه الله لمن اضطر إليه"، ويحددون الاضطرار بأنه الحالة التي قد تؤدي بالإنسان إلى الوقوع في التهلكة أو الوقوع في الحرج الشديد الذي لا يحتمل عادة، فيدور أمر الإنسان بين أن يقع في المحذور وبين أن يتفاداه مرحلياً بالابتعاد عن مواقع الضغط، بكلمة تنسجم في مدلولها مع ذهنية الواقع الضاغط من خلال شخص أو جهة أو ظرف يطبق بتأثيراته الضاغطة على هذا الإنسان الضعيف أو يعمل على سحق حركة إصلاحية تعيش في خطوطها مفردات الحقيقة الإسلامية، أو بموقف يبتعد عن مواقع الضغط ويلتقي بالجو العام، وذلك في الحالات التي لا مجال فيها لإظهار الحق لأن الآخرين يقفون ضده بطريقة غوغائيّة مدمّرة لا تترك فيه أي دور للتفاهم والحوار، لأنهم لا يمنحون صاحب الرأي المضادّ أيّة حريّة فكريّة تفسح المجال للحديث الفكري الموضوعي، ما يجعل المسألة تعيش في دائرة القمع الوحشي لا في دائرة الجدل الفكري، الأمر الذي يسقط الفكرة أمام الضغط ولا يفيد الحقيقة أيّ شي‏ء، ويبتعد بالحركة الإصلاحية عن الواقع. ويرى هؤلاء الباحثون من فقهاء الشيعة، في ما استوحوه من حديث أئمة أهل البيت، ومنهم الإمام جعفر الصادق(ع)، أن القرآن قد تحدث عن التقية في نطاق الرخصة في دائرة أكثر خطورة من الدائرة التاريخية التي مارسها أتباع أهل البيت في السلوك العام للتقية في تاريخهم العام، وذلك في آيتين:

الأولى: في قصة عمار بن ياسر في اضطهاد المشركين له ووصول الأمر به إلى حد القتل، فقال كلمة الكفر التي أرادتها قريش منه لترفع عنه التعذيب، فأنزل الله فيه قرآناً وهو قوله تعالى:{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..}[النحل:106]، وقال له النبي(ص): "يا عمار، إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عزّ وجل عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا"..

فقد استوحى منها الإمام جعفر الصادق(ع) قاعدة فقهية عامة في نطاق الأوضاع التي يقف فيها الإنسان بين القتل وبين أن يقول الكلمة التي لا يؤمن بها أو يؤمن بخلافها، فتكون له شرعية اختيار تلك الكلمة على القتل حفاظاً على نفسه، وذلك في ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم ابن مسعدة بن صدقة قال: قيل لأبي عبد الله ـ جعفر الصادق(ع) ـ :".. إن الناس يروون أن علياً(ع) قال على منبر الكوفة: أيها الناس، إنكم ستدعون إلى سبِّي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرّأوا مني"، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على عليّ(ع) ، ثم قال: إنما قال: "إنكم ستدعون إلى سبِّي فسبّوني، ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد(ص)"، ولم يقل فلا تبرأوا مني... فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله عز وجل فيه {إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، فقال له النبي(ص) عندها: "يا عمار، إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عز وجل عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا"(2)، فإن حديث النبي(ص) له بمثل هذه الطريقة يوحي بأن المسألة مسألة خصوصية الظرف الضاغط التي تمنح صاحبه الرخصة، لا خصوصية الشخص، ما يجعلها تمتد في كل موقف مماثل لأي شخص آخر في قضية شرعية أخرى.

وقد أكد الإمام الباقر(ع) بأن اختيار القتل في مثل هذه الحالة لا يبتعد عن الرخصة الشرعية، لأن القضية هي أن الإنسان ليس ملزماً بذلك كما ذكره الإمام الصادق(ع) ، ولكنه معذور في هذا الاختيار، كما فعل ياسر وسميّة، وكما فعله حجر بن عدي وأمثاله من المؤمنين الذين خيّروا بين القتل وبين التبرّؤ من الله وأوليائه، وهذا هو ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عيسى عن زكريا المؤمن عن عبد الله بن أسد عن عبد الله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر(ع) ـ محمد الباقر ـ: رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما ابرآ من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، فبرى‏ء واحد وأبى الآخر، فخلّي سبيل الذي برى‏ء وقتل الآخر، فقال: "أمّا الذي برى‏ء فرجل فقيه في دينه، وأمّا الذي لم يبرأ فرجل تعجّل إلى الجنة"(3).

وهذا هو الذي يجعل من القضية، في خط التقية، قضية عملية متحركة في نطاق الإرادة الذاتية في احترام الاختيار الإيماني للإنسان المؤمن، بين الانفتاح على التضحية التي تمثل التلبية الروحية للنداء العميق الذي يحبّب إليه الوقوف مع العمق الشعوري في الاستجابة لإيمانه، وبين الانفتاح على حبه للحياة من أجل البقاء في ساحة الصراع لخدمة إيمانه بطريقة أخرى في ظروف إيجابية أكثر ملاءمة من الظرف الحاضر، فإن هذه الحرية التي يمنحها التشريع الإسلامي للمؤمن في عملية الاختيار تعطي التضحية بعدها الإسلامي المنفتح على الشهادة التي تعجل بالإنسان إلى الجنة، كما تعطي الحياة فرصتها في الامتداد من دون تعرضها للإحساس بالسقوط الروحي في هذه التجربة، وهذا هو الذي يجعل من حركة التقية في هذه الدائرة حركة واقعية في الخط العملي عندما تكون القضية قضية الشخص بالذات، وهذا هو الذي لا يجعل النهي عن إلقاء النفس بالتهلكة في قوله تعالى: {... ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..} [البقرة:195] مسألة حاسمة، بل يبقى للإنسان أن يعطي الموقف عنوان الجهاد الذي يبرر ذلك في مرحلته الطوعية لا الإلزامية. أما إذا كانت القضية قضية الخطر على القيادة أو الجماعة المعارضة، فإن التقية تكون هي الخيار الوحيد الذي لا يجوز للمؤمن العدول عنه إلى التضحية، لأن ذلك سوف يكون موضع سخط من الله، باعتبار أن التضحية لن تكون حالة إيمانية روحية عندما تؤدي إلى سقوط القيادة في قبضة السلطة الظالمة، أو نهاية الحركة الإسلامية في الواقع، وهذا هو ما أشار إليه الإمام جعفر الصادق(ع) في قوله لأصحابه:

"...والله ما الناصب لنا حرباً بأشدّ علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم من عبد إذاعةً فامشوا إليه وردّوه عنها، فإن قبل منكم وإلا فتحملوا عليه بما يثقل عليه ويسمع منه، فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تقضى له، فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم، فإن هو قبل منكم وإلا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم ولا تقولوا إنه يقول ويقول، فإن ذلك يحمل علي وعليكم، والله لو كنتم تقولون ما أقول لأقررت أنكم أصحابي"(4).

وقد جاء في رواية الكليني عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن يحيى عن حريز عن معلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله "جعفر الصادق"(ع): "يا معلى، اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نوراً بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة. يا معلى، من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجعله ظلمة تقوده إلى النار. يا معلى، إن التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له. يا معلى، إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية. يا معلى، إن المذيع بأمرنا كالجاحد له"(5).

إن القضية التي كانت تلح على الإمام جعفر الصادق(ع) كما تلح على أئمة أهل البيت(ع) ، هي أن خط أهل البيت في مسألة شرعية الحكم الإسلامي التي ترى في السلطة القائمة سلطة غير شرعية، يجعل الحركة المنطلقة في هذا الخط بخصوصياتها وأتباعها حركة مرفوضة من قبل السلطة القائمة، باعتبار أنها تمثل الخطر الكبير عليها، لأنها ترفض شرعيتها من ناحية المبدأ، ولهذا فإنها تلجأ إلى أكثر الوسائل وحشية في القمع الوحشي الذي يصادر كل شي‏ء يتصل بها من دون اعتبار لأية حالة شرعية أو إنسانية، الأمر الذي يجعل من الأسلوب السري في العمل والمرونة الواقعية في التحرك، قضيتين أساسيتين في سلامة الحركة، وهذا هو الذي جعل الإمام الصادق(ع) يؤكد على النقطتين اللتين تحكمان هاتين القضيتين، وهما الصبر والكتمان. فقد جاء في الكافي عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن عمار بن مروان عن أبي أسامة زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله جعفر الصادق(ع): "أمر الناس بخصلتين فضيعوهما فصاروا منهما على غير شي‏ء: الصبر والكتمان"(6). وقد جاء في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن مالك بن عطية عن أبي حمزة علي بن الحسين(ع)قال: "وددت، والله، أني افتديت خصلتين في الشيعة ببعض لحم ساعديّ: النـزق وقلة الكتمان" (7).

وذلك لأن الصبر يمنح الإنسان روحية التحرّك بعيداً عن الانفعالات الغضبية التي قد تدفع الإنسان إلى البعد عن مواقع الحكمة في تحديد المواقف وتركيز المواقع، ويقوده إلى التفكير في العواقب التي تحتاج إلى المزيد من السير مع الخطة المرسومة التي قد تفرض الكثير من التنازلات في الأمور الصغيرة لحساب القضايا الكبيرة.

أما الكتمان، فإنه يمنحه الإصرار على حماية المعلومات الحيوية السرية التي قد تتصل بسلامة التحرك وحماية الخط، وأمن القيادة والجماعة، ما يجعل من الخط الهادى‏ء في الموقف الصامت حركة في الهدف البعيد، لأن حركية الموقف ترتبط في طبيعتها بعلاقتها في إعطاء الحيوية في الحركة في مواقعها الاستراتيجية، بقطع النظر عما إذا كان الموقف صامتاً أو ناطقاً.

وإذا كان الصبر على الباطل مرفوضاً إسلامياً، وكان كتمان الحق انحرافاً عن خط الإعلان في الدعوة، فإن الظروف قد تجعل من هذا وذاك وسيلة من وسائل تعزيز الحق وانتشار الدعوة، لأن القضية لا تقاس بأشكالها وبداياتها، بل تقاس بمضمونها ونهاياتها، فربّ كلمة أسقطت دعوة، ورب اندفاع أدى إلى ذهاب الحق. وهذا هو الذي يفسر كيف تكون التقية "ديناً له ولآبائه"(8)، باعتبار أنها الخطة التي تحمي الدين من كل النتائج السلبية على جميع المستويات(9).

الآية الثانية: قوله تعالى: {..لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شي‏ء إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذّركم الله نفسَه وإلى الله المصير..} [آل عمران:28].

فقد نلاحظ في هذه الآية الحركة في اتجاه الولاية الظاهرية للكافرين من قبل المؤمنين التي قد تتمثل بالتظاهر في تأييد مواقفهم السياسية والاجتماعية ودعم حكمهم، والانتماء إلى مواقعهم وخطوطهم، من دون أن يكون ذلك منطلقاً من قناعة عقلية وروحية ونفسية بذلك كله، لأنهم لا يرون لهم شرعية الموقع في حركة الحكم والقانون التي يتخذ فيها المؤمنون موقفاً معيناً من شخصية الحاكم ومن خط الحكم ومن تفاصيل القانون ـ الشريعة، الأمر الذي يجعل موقف الموالاة بنظر البعض هو الموقف الحقيقي المعبر عن القناعة الحقيقية.

ولكنَّ القاعدة السليمة هي رفض الكافرين جملة وتفصيلاً، وفي الموقف الإيجابي والموقف السلبي، وهذا هو ما عبّرت عنه الآيات السابقة على هذه الآية، وهي قوله تعالى:

{...بشّر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً* الذين يتّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً* وقد نزَّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنّم جميعاً..} [النساء:138ـ140].

فنحن نجد أن الولاية للكافرين من الناحية الذاتية المنطلقة من الرغبة في الحصول على موقع من العزة التي يملكون الكثير من مواقعها، تعرّض المؤمنين للعذاب الأليم في جهنم، كما تعطيهم صفة النفاق العملي، ولذلك فإن الله يريد لهم أن يرفضوا المسألة من ناحية الأساس، حتى أنهم إذا كانوا في مجالسهم، وبدأوا يتحدثون عن آيات الله بطريقة الجحود والاستهزاء، فلا بد للمؤمنين من الانسحاب من هذه المجالس ما دام هؤلاء في هذا الحديث إذا لم يتمكنوا من مجابهتهم ومعارضتهم فيه، وإلا كانوا مثلهم، لأن القضية في حساب الله، ليست قضية التوافق في الفكر مع الكافرين فقط، بل قد تكون قضية التوافق في الموقف الذي يوحي بالرضا فيما قد يحققه من القوة، ولو في الشكل، وذلك في الموقف الصامت الذي يعطي الكافرين قوة سلبية بالسكوت عنهم، وتقوية حضورهم الاجتماعي بالبقاء في مجالسهم في هذه الحالة العدوانية.

ولكن التقية قد تبرر للإنسان القيام ببعض الأعمال والأقوال التي قد توحي بالتأييد والولاية لهم، في ما تفرضه الظروف الصعبة والأوضاع المعقدة التي تنعكس سلباً على المؤمنين بشكل عام في قضاياهم المصيرية على مستوى الأشخاص والجماعات والخط الأصيل.

وقد لا يكون من الضروري أن تنحصر التقية في حالات الخوف على النفس من القتل، بل قد تمتدّ في مفهومها الإيحائي إلى كل القضايا المتصلة بالقضايا الكبرى، في الإيمان والحرية والعدالة والأمن العام، مما لا بد من تحديده في نطاق المصلحة العليا للإسلام والمسلمين، بحيث يؤدي إغفالها إلى ضررٍ كبير يصل إلى مستوى الخطورة على الواقع الإسلامي العام.

ولكن قد يثير بعض الباحثين من المسلمين علامة استفهام فكرية حول "التقية" التي تمثل الخط الواقعي العملي في حديث الإمام جعفر الصادق(ع) وفي سلوك الشيعة التابعين للأئمة من أهل البيت، وخلاصتها:

إن الآية تتحدث عن تقية المؤمنين من الكافرين، كما أن الآية السابقة تتحدث عن إكراه المؤمن على قول كلمة الكفر من قبل الكافرين، فلا تشمل تقية المسلمين من المسلمين في ما يختلفون فيه من آراء فقهية، ومن مواقف سياسية، لأن القاعدة التي تحكم هذه الدائرة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا اعتقد مسلم بأنه يلتزم خطّ الاستقامة في سلوكه الشرعي ورأى أن مسلماً آخر يلتزم خطّ الانحراف على أساس الخطأ في المسألة الكلامية أو الفقهية، أو الانتماء أو الموقف السياسي، فإنه يجب عليه أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ولا يجوز له أن يداهن في دينه ويوحي إليه بالإقرار له على السير في نهجه المنحرف، وفي موقفه الخاطى‏ء، فإنه نوع من أنواع الإقرار بالباطل والإبقاء على المنكر، والتشجيع على الخطأ..

ولكننا نلاحظ على ذلك..

1 ـ أن القضية ليست خصوصية المضمون في مسائل "التقية" وفي موضوع الإكراه، وليست خصوصية الشخص الذي يتقى منه أو يتولى عملية الإكراه، بل هي خصوصية الموقف الضاغط أمام القضايا الحيوية المتصلة بالخطر على النفس أو العرض أو الجماعة، أو الدين أو الخطّ المستقيم، بحيث يدور الأمر بين التضحية بكل واحدة من هذه المفردات الحية في الاهتمامات الإسلامية في التشريع، وبين الانسجام مع جماعة الضغط في كلمة تقال لمصلحة شخص أو خطِّ، وفي موقف يتحرك لتأييد سلطة أو وضع معين مما لا يمثل قناعة الإنسان المؤمن، فيكون التشريع لمصلحة هذه الأمور المهمة بالتزام التقية على حساب بعض الحالات الصغيرة التي لا تمثل حساب الأهمية بالمستوى الذي تمثله تلك الأمور، فلا فرق في طبيعة القضية بين التقية في مسألة الكفر والإيمان، وبين التقية في مسألة هذا الحكم الشرعي أو ذاك أو في مسألة الوقوف مع هذا الحاكم أو ذاك، بل ربما نجد أن الرخصة في قول كلمة الكفر من قبل المؤمن تحت ضغط الكافر، أو في ولاية المؤمن لمسلم منحرف جائر أكثر أولوية، لأن الترخيص في المفسدة الكبرى يفرض الترخيص في المفسدة الصغرى، وهو ما يسميه الأصوليون بـ"مفهوم الموافقة" الذي ينتقل فيه الفهم الاجتهادي للنص أو للحكم الشرعي من تحريم الأضعف لتحريم الأقوى، ومن الرخصة في الأقوى إلى الرخصة في الأضعف، لأنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها، فتكون حركتها منطلقة من إدراك المصالح والمفاسد في ما يماثل هذه الحالة أو تلك.

2 ـ أنه لا فرق في ضرورة الالتزام بكلمة الحق وتأييدها ونصرة القائلين بها ومواجهة كلمة الباطل ورفضها وخذلان القائلين بها ومحاربتهم، بين الحق والباطل في قضايا العقيدة وفي قضايا الشريعة وفي حركة الواقع، لأن الله يريد للناس أن يقفوا مع الحق ويقولوا كلمته، كما يريد لهم أن يرفضوا موقف الباطل وكلمته، بل قد نجد الإصرار في آيات الله على مواجهة الكافرين والمشركين بالقتال في خطِّ الجهاد ليكون الدين كلّه لله، وعلى نصرة الله في دينه بالطريقة الحاسمة التي لا تبلغها الآيات التي تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل قد نستوحي من آيات المنكر والمعروف، أنها تشمل المنكر والمعروف في العقيدة، لأن مفهومها اللغوي يختزن مثل هذا المفهوم الواسع في معناه وفي إيحاءاته، فإذا كان الانحراف في داخل المجتمع الإسلامي يفرض على المسلم أن يواجه الموقف بصراحة، ويتحرك ضد المنحرفين بقوة من دون مجاملة أو تنازل، مهما كانت الظروف والنتائج، فإن الانحراف العقيدي في داخل المجتمع الإنساني يفرض ذلك أيضاً، لأن السلبيات هي السلبيات، كما أن الإيجابيات في دائرة التقية هنا وهناك هي الإيجابيات.

3 ـ أن الفقهاء المسلمين لا يوجبون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حالة الحرج، وهو المشقة الشديدة التي قد تحصل للإنسان من سلوك معين، أو في حالة الضرر، وهو النقص الحاصل للإنسان في نفسه وماله وعرضه وشؤونه العامة والخاصة، من خلال عمل معين، أو كلمة خاصة، أو موقف محدّد، وذلك من خلال الآية الكريمة: {وما جعل عليكم في الدين من حرج...} [الحج:78] {...يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر...} [البقرة:185] والحديث النبوي الشريف: "...لا ضرر ولا ضرار...". وبذلك يرتفع كل حكم شرعي ثابت في الشريعة عن المكلف إذا لزم منه حرج أو ضرر، وقد استند الفقهاء إلى الآيات والأحاديث في تأصيل قاعدة نفي الحرج وقاعدة نفي الضرر كقاعدتين فقهيتين في تفريع موارد الرخصة في أجواء أحكام الإلزام الحرجية والضررية.

وفي ضوء ذلك، فإننا لا نجد فرقاً في الميزان القرآني بين التقية في المجتمع الكافر والتقية في المجتمع المسلم، في التحرك في الموقف الخاطى‏ء في نطاق الظروف المتنوعة الضاغطة التي تحدد موضوعات الأحكام الشرعية في الرخصة والإلزام، لتكون حركة الأحكام تابعة لحركة الموضوعات.

ولعل العقدة التي عاشها المسلمون السنة من مسألة التقية في الواقع السلوكي الشيعي، هي أنهم قد يرون مسألة الضغط على المسلمين الشيعة في ما يعتبره السنة حقاً ولا يراه الشيعة كذلك، أمراً طبيعياً تفرضه الشريعة الإسلامية، فقد كان الخلفاء من الأمويين والعباسيين يعتبرون أنفسهم الخلفاء الشرعيين على المسلمين من خلال البيعة، أو الوصية لهم من قبل الخلفاء السابقين، ويرون أن على كل المسلمين أن يلتزموا هذه الشرعية، كما أن فقهاء المسلمين السنة وجمهورهم يرون في الفتاوى التي يصدرونها في قضايا الوضوء والصلاة والحج والصوم والمعاملات الفتاوى الشرعية الصحيحة، ما يفرض على المسلمين الالتزام بها، بحيث يكون الإنسان المنحرف عنها إنساناً منحرفاً عن الشرع وعن الدين من الأساس. وهكذا بدأ الضغط القاسي الذي ربما انتهى أحياناً إلى مرحلة القتل أو التشريد أو ما إلى ذلك، كما حدث في الظروف التاريخية المعقدة التي انطلق فيها التشيّع كحركة إسلامية معارضة في أكثر من قضية فقهية أو كلامية أو سياسية، فكانت الحركة الإسلامية الشيعية في نظرة العامة تواجه الأوضاع السلبية التي تواجهها كل حركة معارضة تمثل الأقلية في مواجهة الأكثرية الحاكمة من الاضطهاد والتشويه والملاحقة والقمع الذي قد تتنوع أساليبه تبعاً للظروف والأشخاص والأوضاع المحيطة بالموقف والمرحلة والمكان.

إنّ أية أكثرية حاكمة تخشى من الأقلية المعارضة على وجودها وامتيازاتها، ولذلك فإنها تعمل على إثارة الجماهير ضدها من خلال العناوين العاطفية التي تستثير المشاعر، وتلهب العواطف، ما يجعل من عملية الحصار الفكري والسياسي حالة جماهيرية قد تعمل على تحريك الضغط بطريقة أكثر وحشية من رموز السلطة، لأن السلطة مهما كانت ظالمة قد تخضع لحسابات دقيقة في تحديد مصالحها، ولتوازنات معقولة، بينما لا تعيش الجماهير مثل هذا التوازن، لأنها تتحرك من خلال انفعالاتها ومشاعرها، خصوصاً عندما تكون المسألة مرتبطة بالحس الديني الذي يمثل في منطقة الشعور حالة سريعة الالتهاب.

إن النظرة السلبية للتقية من قبل الأكثرية المسلمة كانت منطلقة من الوضع الطبيعي الذي عاشته جماهيرها في ممارستها لالتزاماتها المذهبية والسياسية، بحيث كانت لا ترى هناك أية ضرورة شرعية للتقيه في النطاق الإسلامي، فلم تتعرض لحالة اضطهاد مذهبي لتتعرف نوعية المشاكل التي يعانيها الذين يتعرضون للاضطهاد المذهبي.

ولعلّنا نجد في بعض الفجوات التاريخية التي عاشها بعض العلماء من المذاهب الإسلامية الأخرى، أنهم كانوا يمارسون التقية أمام الحاكم عندما يتعرضون للاضطهاد ويواجهون الخطر على حياتهم في التزاماتهم الفكرية، كما لاحظنا ذلك في مسألة "خلق القران" التي أثارت جدلاً كبيراً بين المسلمين عندما التزم بعض الخلفاء العباسيين القول بخلق القران، لأن الالتزام بقدمه يؤدي إلى الشرك، فعمل على اضطهاد العلماء الذين لا يقولون بقوله. وقد ذكر المؤرخون أن المأمون العباسي قد اشتد في امتحان الناس ولزوم إقرار الفقهاء بما يراه، فجعل يرسل لعامله الكتب، وكانت تزداد شدة وعنفاً وتوعيداً، وكان من نتائج هذا الامتحان أن أجاب جميع الفقهاء لذلك ولم يمتنع منهم إلا نفرٌ قليل، منهم أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي وأبو يعقوب البويطي ونعيم بن حمّاد، وهؤلاء قد ذاقوا حتفهم لامتناعهم عن الإجابة، وبقي الإمام أحمد بن حنبل، ولم يكن حظه كحظهم من السجن والقتل. ويعلل ابن كثير تعليقاً على استجابة الفقهاء الذين استجابوا للمأمون في قوله بخلق القرآن فيقول: إن إجابتهم كانت مصانعة، لأنهم كانوا يعزلون من لا يجيب عن وظائفه، وإن كان له رزق على بيت المال قطع، وإن كان مفتياً منع من الإفتاء، وإن كان شيخ حديث ردع عن الاستماع.

وهكذا نرى أن هذه المصانعة كانت لوناً من ألوان التقية الخاضعة للاحتفاظ بمواقعهم الوظيفية بعيداً عن الخطورة على الحياة، وربما واجه آخرون مثل هذه المحنة الفكرية في ظروف أخرى أكثر خطورة فوقفوا الموقف نفسه. إن اعتبار التقية حالة شيعية انطلقت من خلال الظروف التي عاشها الشيعة في تاريخهم القديم والحديث، ولو عاش المسلمون الآخرون مثل هذه الظروف في مسألة انتمائهم المذهبي، لرأوا أن التقيّة في دائرتها الموضوعية الشرعية تمثل حالة إسلامية عامة تنفتح على حالة إنسانية عامة تدفع إليها الفطرة الإنسانية في حماية الحياة والموقع والموقف والهدف الكبير. وقد ينطلق سؤال آخر، وهو: أن تشريع التقية بهذا الحجم الكبير قد يدفع إلى الفوضى في عملية السلوك الديني لدى الذين يتبعون هذا الخط، فقد تصل المسألة إلى القضايا المصيرية التي قد تسي‏ء التقية إلى مواقعها وعناصرها الحية، بحيث قد تنتهي بها إلى السقوط. وربما يؤدي استمرار هذا الخط إلى الضياع وابتعاد الناس المسلمين عن وعي الحقيقة الشرعية، وقد تتحوّل المسألة في الوعي الإسلامي إلى نوع من الخدر والاسترخاء في الواقع السياسي، الأمر الذي يجعل الحركة السياسية والجهادية خاضعة للخائفين الذين يتحرك خوفهم لينتهي إلى هاجس في الفكر والشعور والحركة، فيبرر لهم ابتعادهم عن ساحة الصراع واستسلامهم للظالمين والمستكبرين، وقد يساهم ذلك في خلق ذهنية رافضة للوقوف أمام السلطة الكافرة، فيتحول الموقف الإسلامي إلى موقف استسلامي خاضع للظلم وللجور تحت تأثير العناصر الذاتية للتقية، فلا يعود للجهاد موقع في مواجهة الكفر والاستكبار، ولا يعود للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الإسلامي مجال.

ولعل هذا هو ما نلاحظه من الواقع السلبي الذي يعيشه الكثيرون من الفقهاء الذين ابتعدوا عن حركة الصراع السياسي في الواقع الصعب الذي يواجه فيه المسلمون سيطرة الاستعمار الاستكباري عليهم، وتدخل الكفر العالمي في كل مقدراتهم الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأنهم عاشوا هاجس الخوف من الخطر في ساحة المواجهة، ورأوا أنّ ذلك يؤدي إلى إلقاء النفس في التهلكة، فكانت "التقية" هي الملاذ والمهرب والمبرر للخروج من الساحة كليّاً.

وقد تدفع التقية الكثيرين من الناس إلى أن يكونوا أداةً قمعية في يد الظالمين، عندما يفرضون عليهم التعاون معهم من أجل القضاء على خصومهم من المؤمنين الأبرياء ومن المستضعفين الطيبين، فيقبلون ذلك، ويندفعون إلى قتل الناس بغير حق تحت تأثير التقية بحجة شرعية يبررون بها سلوكهم الإجرامي..

ولكن المسألة ليست بهذا الحجم في حديث الإمام الصادق(ع)، وفي توجيهاته الحركية للسائرين في خطه الحركي الإسلامي، فإن التقية تقتصر على الجزئيات الصغيرة التي لا تقترب من القضايا الكلية الكبيرة، وتتحرك في نطاق الخط الذي يصلح أمور الأفراد والجماعات ويحمي للدين قوته وسلامته، وللخط استقامته، ولا يؤدي إلى فساد في الدين أو اهتزاز في الخط، وهذا هو الذي تحدث به الإمام جعفر الصادق(ع): "وتفسير ما يتقى، مثل أن يكون قوم سوء، ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شي‏ء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز"(10).

ولعل هذه الفقرة "مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين" تمثل الحد الشرعي الذي لا بد للتقية أن تقف عنده، بحيث لا تترك تأثيرها على الخط الفكري العام أو النهج السياسي، أو الروحية الشعبية العامة في خط الدعوة والحركة والجهاد، الأمر الذي قد يوحي بأن المسألة لا بد أن تنطلق في الموقف الذي إذا أدى إلى تقديم تنازلات في حالة أو وضع معين، فلا بد أن تقابله نتائج إيجابية لمصلحة الإسلام والمسلمين من خلال حالة أخرى أو وضع آخر، حتى يتوازن الواقع في حركة السرية والعلنية، لأن ذلك هو الذي يحفظ الموقف من الفساد في الدين، ولذلك فإن التقية العامة التي قد تفرضها الظروف السياسية الواسعة، لا بد أن تخضع لتخطيط مدروس من قبل القائمين على شؤون الإسلام والمسلمين من الذين يملكون الرؤية الواضحة والخبرة السياسية الواقعية، حتى يتفادى الخط الإسلامي الاهتزاز الذي قد تفرضه التنازلات المرحلية في الظروف الصعبة القاسية.

ونلاحظ هذا التحديد في الحديث الآخر الذي رواه الكليني في الكافي عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (جعفر الصادق(ع))، أن المؤمن إذا أظهر الإيمان ثم ظهر منه ما يدلّ على نقضه، خرج مما وصف وأظهر وكان له ناقضاً، إلا أن يدعي أنه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك، ينظر فيه، فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لأن للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له(11).

فقد نجد في هذا النص أن التقية ليست خطاً ممتداً في حياة الإنسان المؤمن بدون تحفظ، بل هناك تحفظات في المورد والظرف والشخص والنتائج، مما يجب فيه الرجوع إلى العالمين بحدود الله، العارفين بالمواقع التي تتحرك فيها القضايا، وينطلق فيها الصراع، فيكون خاضعاً للحسابات الدقيقة التي لا تترك للناس الحرية في التبريرات التي يقدمونها لأنفسهم في اعتبار هذا الانحراف الكلامي أو العملي خاضعاً لنهج التقية التي جعلها الله شريعة الرخصة للخائفين والمقهورين.

ونلتقي بعد ذلك بنص آخر يحدد فيه للتقية حدودها التي لا بد أن يقف المؤمن عندها إذا بلغت المرحلة التي تفرض عليه قتل الآخرين ليتخلص من قتل الظالم له.

فقد ورد عن الشيخ الطوسي في التهذيب بإسناده عن محمد بن الحسن الصفّار عن يعقوب ـ يعني أبا يزيد ـ عن الحسن بن علي عن فضال عن شعيب العقرقوفي عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (جعفر الصادق(ع)): "إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية. وأيم الله، لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي، ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك، ولأقام في كثير من أهل النفاق حد الله"(12).

وفي هذا النص نقطتان:

النقطة الأولى: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقية، فلا مجال لتبرير أية مهمة وظيفية تؤدي إلى قتل الناس بحجة اضطرار الإنسان إلى ذلك، لأنه لو لم يَقْتُل يُقْتَل، لأن القضية التي تبرر التقية هي حفظ الإنسان حياته، وعندما تفرض عليه حياته أن يهدم حياة الآخرين، فلا قيمة لها، لأنها ليست أغلى من حياتهم.

النقطة الثانية: التركيز على أن التقية قد تتحول لدى الكثيرين من الناس إلى عذر شامل عن الانطلاق في الخط الجهادي، حتى لو كانت الأوامر صادرة عن القيادات الإسلامية من أجل الانتصار لها وللقضية الكبرى، في الوقت الذي لا مجال فيه للتقية أمام المهمات التي تفرضها الخطة القيادية، لأنها تمثل حركة الأمة الحاسمة نحو الهدف الكبير من خلال ما تملكه القيادة، لا سيما في مواقع الأمانة المعصومة، من رؤية واضحة ومعلومات دقيقة بأن الموقف هو موقف الشهادة أو التضحية أو مواجهة الخطر، لا موقف السلامة والأمن والاسترخاء والبعد عن الخطر.

وهذا ما يريد الإمام الصادق(ع) أن يثيره في وعي هؤلاء الناس، بأن مسألة التقية ليست ذهنية تستغرق الذات في امتداداتها الواسعة، بل هي فكرة تنطلق في المسيرة كحالة طارئة من حيث المبدأ في حدودها المرسومة التي تتهاوى أمام القضايا الكبرى، ولذلك فإن الذين يبتعدون عنها ويتجاوزونها يمثلون فئة المنافقين الذين لو كانوا في حالة قيام القائم، لأقام عليهم حدود الله التي يستحقها المنافقون.

وقد يطرح البعض سؤالاً آخر:

لقد كانت التقية وليدة ظروف تاريخية انتهت بانتهاء الأوضاع الصعبة التي فرضتها على الناس، وبدأ الواقع يتخذ لنفسه مساراً جديداً في أجواء الحريات التي أتاحت الفرصة لكل صاحب فكر أن يطرح فكره بالساحة من دون أن يخاف اضطهاداً في ذلك، كما أن حركة التغيير التي أطلقت ثورة الشعوب المستضعفة، جعلت التقية غير ذات موضوع في المسألة الجهادية أو في المسألة السياسية، فلا بد من المواجهة حتى لو أدّت إلى الشهادة، لأن الحرية لا تتحقق إلا من خلال الدماء الحرة.

ولكن القضية في حسابات الواقع تختلف عن هذه الصورة، فربما كان للمتغيرات التي حدثت في العصر الحديث بعض التأثر في اختلاف بعض المفردات الفكرية والعملية في قضايا الاختلاف الفكري والسياسي، ولكن الصراع لا يزال يفرض ضغوطه على الساحة، بحيث أصبحت القضايا المتنوعة في مسألة التغيير الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي تحتاج إلى الكثير من الخطط المدروسة التي قد تنفتح على عالم من الأسرار الخفية، كما تخضع للكثير من الضغوط القاسية من خلال اختلال موازين القوى في الساحة، لا سيّما بعد أن دخلت قوى الاستكبار العالمي على الخطّ، وأصبحت تفرض نفسها على الواقع الإسلامي لتتدخل في خصوصياته لإعادة المسألة الطائفية المذهبية إلى الواقع العام للمسلمين، لتثير الفتنة من جديد لحسابات مصالحها الاستثمارية، كما انطلقت مسألة الثورة لتجعل الخطة الموضوعة خاضعة لوسائل خفية، بحيث تعيش الحذر المتحرك في أكثر من موقع لحماية الواقع والجماهير من أجل الوصول إلى الهدف من دون خسائر، أو بأقل قدرٍ ممكن من ذلك.

وهذا هو الذي يجعل التقية تمثل الأسلوب العملي المتحرك لحماية الخط وسلامة الهدف، باعتبارها التجسيد الواقعي للمرونة السياسية والجهادية التي تراقب الظروف والأوضاع بدقة وحذر، لتتخفف من كثير من وسائل الضغط الجديدة في حركة المخابرات الإقليمية والدولية التي تنفذ إلى الساحة لتحتويها أو تدمرها أو تعبث فيها بأساليبها الخاصة.

ولعلنا إذا درسنا الواقع العام في الحركة السياسية في أكثر من موقع في العالم، فإننا نرى التقية السياسية والأمنية تحكم كل مكان في العالم.

الدائرة الثانية: الحالة التي قد تفرض فيها المصلحة الإسلامية العليا تجاوز بعض الشروط الخاصة لبعض الأحكام الشرعية، بحيث تتقدم الأهمية الكبرى للواقع الإسلامي الذي يراد حمايته على كل هذه المفردات الشرعية.

ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك صلاة الجماعة، التي يشترط فيها أن يكون الإمام عادلاً في دينه حتى في داخل المذهب الإمامي، فلا يجوز الصلاة وراء إمام شيعي لم تتوفر فيه صفات العدالة الدينية.. ولكن الفقهاء يتجاوزون هذا الشرط في صلاة الجماعة التي يقيمها المسلمون من غير الشيعة، فيجوز للشيعة الائتمام بالإمام الفاقد لهذا الشرط في موازينهم الشرعية، حفاظاً على وحدة المسلمين التي ترقى إلى المستوى الكبير من الأهمية في الحسابات الإسلامية.

وهذا هو ما ركّز عليه الإمام جعفر الصادق(ع) في حديثه مع أصحابه، بأن يحضروا جماعة المسلمين حتى لو كانوا على خلاف معهم في المذهب(13).

وأخيراً، لا بد من معالجة السؤال عن الربط بين "الباطنية" و"التقية"، فقد لاحظنا في هذا الحديث أن التقية وسيلة من وسائل حماية الحركة الدينية أو السياسية أو الاجتماعية في مسألة وجودها في بُعدها الشامل، من خلال بعض المفردات الصغيرة على المستوى الثقافي أو السياسي، وذلك بالإيحاء للآخرين بأن الجماعة، أو الفرد، قد تتكلم بشي‏ء غير ما تتبناه حقيقةً، أو بما لا تؤمن به في حركتها في الواقع، من أجل التخفيف من الضغط القاسي، أو الخطر الكبير، فهي وسيلة طبيعية فطرية عملية من وسائل حماية الإنسان لنفسه، أو حماية الجماعة لخطها، عندما يدور الأمر بين أن يموت وبين أن يتكلم ببعض الكلمات التي لا يؤمن بها، أو يتخذ بعض المواقف التي لا يتبناها، أو تقف الجماعة بين أن تسقط حركتها وبين أن تظهر بما لا تلتزمه من موقف أو موقع أو شخص.

أما الباطنية، فهي منهج عقائدي خاص لا يسمح لأتباعه من نشره بين الناس مطلقاً، كما يختزن أفكاراً تختلف عن الخط العام الظاهر للتفكير الإسلامي في المفاهيم والشريعة والمنهج.

بينما يؤمن الذين يمارسون التقية بالإسلام من خلال الخطوط العامة التي يؤمن بها المسلمون مع اختلاف مذهبي في بعض المفردات الكلامية والفقهية، فتتحدد التقية في ظرف خاص، فإذا تجاوز الواقع إلى الساحة الطبيعية المفتوحة، حرمت التقية من خلال العناوين الإسلامية العامة التي لا يجوز تجاوزها إلا في حالات الاضطرار أو ما يشبهها.

 المصادر:

(1)الخصال للصدوق، ج:2، ص:417.

(2)الكافي، ج:2، ص:219.

(3)الكافي، ص:221.

(4)المصدر السابق، ص:223ـ224.

(5)ولعل خير ما يصوّر هذا الواقع السياسي ـ من ناحية تاريخية ـ هو ما رواه الكليني في الكافي، عن أبي علي الأشعري عن الحسن بن علي الكوفي عن العباس بن عامر عن جابر المكفوف (الأنصاري) عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (جعفر الصادق(ع)) قال: اتقوا على دينكم، فاحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له، إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، لو أنّ الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلا أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم، ولنحلوكم ـ أي نسبوا إليكم السوء ـ في السرّ والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا. (الكافي، ج:2، ص:218). فإننا نلاحظ أن الواقع الضاغط على الخطّ الفكري السياسي لأهل البيت، كان يمثّل مشكلة كبرى لأتباعه بحيث بلغت مستوى الخطورة.

(6)المصدر نفسه، ص:221ـ222.

(7)المصدر السابق.

(8)وذلك ما رواه في الكافي عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله(ع): يا أبا عمران تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له (الكافي، ج:2، ص:217).

(9)وقد جاء في الكافي في موضوع علاقة التقية بالاضطرار عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن أبي أذينة عن إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى بن سام ومحمد بن مسلم وزرارة، قالوا: سمعنا أبا جعفر (الباقر) يقول: التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله.

(10)وسائل الشيعة، ج:11، ص:469 (نقلاً عن الكافي).

(11)المصدر نفسه.

(12)المصدر السابق، ص:483 (نقلاً عن التهذيب).

(13)جاء في الكافي بسنده عن هشام الكندي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إياكم أن تعملوا عملاً يعيّرونا به، فإنّ ولد السوء يعيّر والده بعمله، كونا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا شيناً، صلّوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واحضروا جنائزهم ولا سبقونم إلى شيء من الخير. (الكافي، ج:2، ص:219).