كان الشيخ المفيد يتعامل مع كلِّ ما يريد أن يقدِّمه
للآخرين، وكل ما يورده الآخرون عليه، بحسب ما يراه من الأدلة صالحاً
ومقنعاً، ومعذراً له في الإقدام أو الإحجام، حتى إذا تبين له عدم
صلاحيّته وكفايته، تدارك ذلك بالبحث عمّا هو أوضح وأجلى وأتم، وكان لا
يجد حرجاً في أن يسلّم للرأي الآخر إذا كان ذلك الرأي يملك الدليل السوي،
والبرهان القوي.
كان واسع الأفق، غزير المعارف، سبر أغوار العلوم
الإسلامية على اختلافها، حتى ليقال: "إنه كان كثير المطالعة والتعليم،
ومن أحفظ الناس" وقيل: "إنه ما ترك للمخالفين كتاباً إلاّ حفظه ...".
اطّلع على العلوم المتداولة في ذلك العصر، وتتبّعها
ولاحقها، ومارسها حتى أصبح لديه ملكة علمية راسخة، تتمّيز بالدقّة
والعمق، فجاءت نصوصه على درجة من الخلوص والصفاء، صقلتها حساسية القضايا.
هذه الحساسية تجاه تلك القضايا، أسهمت في تعميق جذور
ثقافة المفيد، ووسّعت من آفاقها، فكان المحاور للآخر دون أن يشعر بالحرج
أو يحس بالضعف، أو يوجس في نفسه أدنى خيفة أو تردد، وكان "يناظر أهل كل
عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية".
وبعبارة أخرى، كان موسوعةً جامعةً لكل العلوم
والفنون، فكان الفقيه المدقق، المؤرخ المحقق، الكلامي اللامع، المناظر
البارع والمصنف، إلى جانب كونه رجالياً محدثاً، عالماً بالتفسير، وعلوم
القرآن، وأصول الفقه، وغير ذلك من العلوم الإسلامية المتداولة في عصره.
ولا نبالغ إن قلنا إنه قد سبق عصره بأشواط ومراحل كبيرة وكثيرة، حتى قال
عنه البعض: "كان أوحد في جميع فنون العلم: الأصول والفقه، والأخبار،
ومعرفة الرجال، والتفسير والنحو والشعر". ومما جاء في وصفه أيضاً: "رئيس
الكلام والفقه والجدل".
قال الشيخ النجاشي: «فضله أشهر من أن يوصف في الفقه
والكلام والرِّواية، والثقة والعلم».
وقال الذهبي: «كانت له جلالة عظيمة، وتقدّم في
العلم، مع خشوع، وتعبّد، وتألّه».
ولكن بالرغم من ذلك، لم يسلم المفيد من النقد
والتجريح من قبل مخالفيه.
له حوالي مئتي مؤلف، منها: المقنعة، والأركان في
دعائم الدين، والإيضاح في الإمامة، والإفصاح في الإمامة، والإرشاد،
والعيون والمحاسن، والفضول من العيون والمحاسن، والردّ على الجاحظ
والعثمانية، ونقض المروانية، وأوائل المقالات في المذاهب والمختارات.
ونظرة سريعة على مؤلفات هذا الرجل، تعطينا فكرة
واضحة عن مدى استيعابه للمادة والقدرة الفائقة على محورة أفكاره وتناولها
بيسرٍ وسهولةٍ ووضوح، من دون المساس بطبيعة النص وبنيته الأولية، بل
يستكنه بعمق دقائقه وحقائقه، ويلتقط بسرعة فائفة إشاراته ومراميه،
معتمداً في تعاطيه هذا أسلوباً رضياً متّزناً.
توفي في بغداد سنة 413هـ، وصلّى عليه السيِّد الشريف المرتضى في
ميدان الأشنان بحضور أعداد كبيرة من النّاس، حتّى ضاق ذلك الميدان
بالنّاس رغم كبره، وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً وعظيماً، وبكاه المؤالف
والمخالف.